فيسبوك تويتر RSS


  #4  
قديم December 27, 2008, 10:37 PM
 
رد: المؤامرة ... بين الحقيقة والتكذيب

(4)
الجزء الرابع: اكتمال المؤامرة قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى

1) سقوط الحكومة البريطانية :

في 19 مايو أعلن عن تشكيل حكومة جديدة وعزل تشرشل عن وزارة البحرية وأعطى منصب مستشار دوقية لانكاستر مع بقائه عضواً في مجلس الوزراء الحربي .وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الأولى لتفكيك هذه الجبهة القوية التي تمثلت باسكويث وكتشنر وجراي ، من خلال ضغوط الصهيونية العالمية والصهيونية المسيحية في بريطانيا ....
د. صالح السعدون

الجزء الرابع: اكتمال المؤامرة قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى


1) سقوط الحكومة البريطانية :

في 19 مايو أعلن عن تشكيل حكومة جديدة وعزل تشرشل عن وزارة البحرية وأعطى منصب مستشار دوقية لانكاستر مع بقائه عضواً في مجلس الوزراء الحربي .وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الأولى لتفكيك هذه الجبهة القوية التي تمثلت باسكويث وكتشنر وجراي ، من خلال ضغوط الصهيونية العالمية والصهيونية المسيحية في بريطانيا التي بدا أن لويدجورج على رأس الأخيرة وإذا كان تشرشل قد صار كبش الفداء لأول وهلة ، فإنه سيعود بعد أقل من عام في وضع فاعل قوي في حكومة لويدجورج .

مع أن حكومة إسكويث الثانية ( الائتلافية ) قد حافظت على وزارة الخارجية والحربية, إلى جانب رئيس الوزراء دون تغيير إلا أن دخول وزراء جدد من الأحزاب الأخرى أضعف من قبضة جناح إسكويث على القرارات الرئيسية .كما برز لويدجورج الذي أصبح وزيراً للذخائر والتموين ، بعد أن تمكن من انتزاع هذه الإدارة في وزارة الحربية ، ليشكل منها وزارة جديدة بعد حملة قوية أقنع إسكويث على فصلها من وزارة الحربية ، وليتمكن بمساعدة بعض الأطراف من توسيع الإنتاج المدني للمواد الحربية,كما تمكن من إيجاد مصادر جديدة للتموين .

وكان قد اجتذب بعض الصهاينة أمثال وايزمان لإيجاد بعض البدائل لصنع المتفجرات ، وهكذا بدا وكأنه وزير ذو قدرات إبداعية . أما الخطوة الثانية لبروز تيار الصهيونية المسيحية بقيادة لويد جورج والإجهاز على جناح إسكويث ، فقد نسق لويد جورج مواقفه مع بعض المتعاونين معه ، جهودهم لإبراز خصومتهم لسياسة كتشنر ، حيث أصبح لويد جورج (( كالعاصفة التي تزداد قوة ذاتية لتدمير العدو )) مستغلاً أحد عيوب كتشنر وهو أنه كعسكري قليل الكلام إذا تكلم فإنه نادراً ما يستطيع أن يكون واضحاً بأفكاره ، مما أحاط قدراته بمزيد من الشكوك ، وهكذا بدأت أسئلة لويد جورج ورفاقه بإثارة التساؤل حول كفاءة كتشنر .

كان مجلس الوزراء الجديد يعالج موضوع غاليبولي الذي أودى بالحكومة السابقة ، حول ما إذا كان يجب على الجيش أن يقرر الانسحاب متخلياً عن الحملة وكانت فكرة كتشنر أنه رفض ذلك لأنه سيكون أكبر حدث كارثي في تاريخ بريطانيا أن يهزم جيشها أمام جيش مشرقي ، وأثناء النقاش تبين أن كتشنر لم يطلع على إحدى البرقيات الهامة الواردة من الجبهة ، واستطاع فريق لويد جورج اقتناص الخطأ، فكتب إدوارد كارسون - من حزب المحافظين- على قصاصة ورق ومررها أثناء المناقشة إلى لويد جورج (( كتشنر لا يقرأ البرقيات ونحن لا نطلع عليها - أمر لا يطاق )).

وبدأ تنسيق الحملة ضد كتشنر وبدأ كارسون في اجتماعات مجلس الوزراء يوجه أسئلة استجوابية لكتشنر (( وكأنه مجرم متهم يقف في قفص الاتهام )) ,ومن اللافت للنظر أنه تم تناسي أن مسؤولية الحملة تقع على موريس هانكي وتشرشل, وليس على كتشنر الذي عارضها في بداية الأمر بقوة .ومع مرور الأشهر نادى بونارلو بأن يحل لويد جورج مكان كتشنر كوزير للحربية ، بيد أن رئيس الوزراء إسكويث الذي أدرك الغرض من هذه الحملة رفض الاقتراح لأن مثل هذا التبديل في مثل هذا الوقت من الناحية السياسية شديد الخطورة ، فاقترح رئيس الوزراء أن يذهب كتشنر بنفسه إلى ميدان الحملة - غاليبولي - لعله يظل هناك إلى أجل غير مسمى لجمع المعلومات والحقائق ، غير أن زيارة كتشنر جعلته يطلع على الحقائق عن كثب ويتخلى عن معارضته لإعلان فشل الحملة ، واضطر إلى الموافقة على سحب الجيش من غاليبولي .ويعلق فرومكين قائلاً : (( أدرك اللورد كتشنر أن زملاءه في مجلس الوزراء كانوا يأملون إلا يعود من رحلته إلى الدردنيل ، ولكنه تعمد أن يخيب آمالهم ولدى عودته إلى لندن في نهاية 1915م ،تحدث صراحة إلى رئيس الوزراء عن فقدانه التأييد داخل مجلس الوزراء وعرض أن يستقيل )).

لم يكن رئيس الوزراء اسكويث موافقاً على اقتراح كتشنر ، واقترح حلاً بديلاً وذلك بتخفيف سلطات ومسئوليات وزير الحربية ، وعين الفيلد مارشال وليام روبرتسون كرئيس هيئة الأركان العامة القوات الإمبراطورية ، ومنح سلطات واسعة كانت واقعة ضمن صلاحيات وزير الحربية ، فكسب رئيس الوزراء الجولة مرة أخرى ,وفوت الفرصة على لويد جورج الطامح إلى أن يحل محل كتشنر . بيد أن الوقت لا يزال يتسع لمزيد من المناورات، وحتى أوائل عام 1916م /1334 ظل أنصار الصهيونية داخل مجلس الوزراء يتصرفون بحذر فقد كانوا " يقدرون " الموقف القوي لرئيس الوزراء اسكويث .

وقد ظلت اتصالات الصهاينة مستمرة بإلحاح وكما كتب وايزمان (( لقد أشرنا طويلاً على البريطانيين ، وأعدتها مراراً في مقابلتي مع اللورد روبرت سيسل ( R.Cecil) وكيل وزارة الخارجية … أن فلسطين اليهودية ستكون حامية لبريطانيا وخاصة فيمل يتعلق بقناة السويس ...)).

ويقول وايزمان في مذكراته أن الصهيونية وضعت في حسبانها ثلاثة عراقيل محتملة أمام تأييد بريطانيا لمشروعها كان الثاني من هذه العراقيل أن بريطانيا لن توافق على عزل الروس الذي يعارضون تعامل بريطانيا المفتوح مع اليهود ,ولم يختف هذا الهم إلا بسقوط القيصرية الروسية عام 1917م .

ونظراً لاستنجاد روسيا المتكرر ببريطانيا فقد أُقنع رئيس الوزراء اسكويث بأهمية إرسال وزير الحربية - الذي نجا من رحلته إلى الدردنيل - في رحلة أكثر إثارة وأطول مدة حيث ستستغرق حوالي ستة أشهر إلى روسيا لتنظيم الجيش الروسي .

يصف فرومكين القرار بقوله (( كان تجاوزاً للحدود تكليف الجندي المتقدم في السن والقادم من المناطق شبه الاستوائية ، برحلة بحرية طويلة وخطرة في البحار المتجمدة الشمالية ، ولكن كتشنر قبل مهمته الجديدة ، وهيأ نفسه للسفر ، وفي يونيو 1916م/1334ه ركب كتشنر ( وسكرتيره ) فيتزجيرالد إلى الطراد المدرع هامبشاير بميناء " سكابافلو " باسكتلندا متجهاً إلى ميناء "أركانجل "الروسي ، وفجأة تغير خط السير المرسوم للرحلة بحجة أن المخابرات البحرية قد حلت شفرة ألمانية لا سلكية موجهة للغواصة ( ي 75 ) الباثة للألغام ، وأن المخابرات البحرية " استدلت " من الرسالة المشفرة أنها ستبث الألغام في طريق الطراد الذي يحمل كتشنر ، وزعمت المخابرات أنها تأكدت من ذلك عبر تحليل رسالتين أخريتين )).

أدى ذلك إلى ارتباك في مقر القيادة العامة البريطانية للأسطول في(سكابافلو )- كانت قراءة خرائط الأحوال الجوية التي تبين أن العاصفة ستشتد قد تمت قراءتها على أن العاصفة ستهدأ ، أبحر الطراد رغم خطورة الأحوال الجوية إلى جانب ما ذكر عن برقيات البحرية الألمانية .ورافقت عدداً من المدمرات التي كانت مهمتها الحراسة والمرافقة لوزير الحربية في بداية رحلته ، لكنها أعلنت عدم قدرتها إكمال الرحلة إلى جانب الطراد وسط العاصفة فعادت إلى الميناء بعد ساعتين فقط من بدء الرحلة ، وفيما بين الساعة ( 7.30 ) و ( 7.45 ) اصطدم الطراد بأحد الألغام ، وكما يقول فرومكين (( لكن الحظ الذي حالفه طويلاً وصل أخيراً إلى النهاية )) لدى انفجار اللغم صعد كتشنر وسكرتيره فيتزجيرالد إلى سطح الطراد وادعى أحد الذين نجوا على متن أحد الزوارق أن كابتن الطراد ظل ينادي كتشنر لكن الأخير (( لم يسمعه أو انه لم يلق بالاً إليه )) فقد وقف هادئاً نحو ربع ساعة حتى ابتلعت الأمواج الطراد ومعه كتشنر ، ولعل من الملاحظ أن الأمواج ابتلعت جثة كتشنر ولم يعثر له على أثر في حين وجدت جثة سكرتيره على الشاطئ . أما البحارة الإثنى عشر الذين كانوا على متن الطراد فقد نجوا جميعهم . ويقول ستيوارت (( لم تسبب نكسة في الحرب مثل هذا الذعر في بريطانيا ، كان هلاك أعظم رجالها العسكريين ، الرجل الذي تمثلت فيه العظمة الإمبراطورية نهاية عملية طمست مظاهر المعركة المشرقة مأسوفاً عليها ، إن … الانسحاب من غاليبولي والاستسلام في جنوب العراق … وأمور أخرى شبيهة بهذه,كلها جعلت الحرب رعباً قاتماً)) (1) وقد شكلت لجنة تحقيق للبحث في غرق كتشنر ، فأخفى قائد الأسطول في " سكابافلو " في نهاية عام 1916م/ 1334ه جميع البرقيات التي فيها تحذير المخابرات من علم البحرية الألمانية بمهمة وزير البحرية وأنكر وجودها ،ولم يكتشف أمرها إلا في عام 1985م / 1405ه .

يذكر وليام كار أن كتاب ( ملائكة الجحيم في أعماق البحار ) الذي نشر عام 1932 أكد أن هامبشاير - طراد كتشنر - لم يغرق بألغام أو طوربيدات الألمان ,وإنما جرى عمل تخريبي لها من الداخل وأن الجنرال الألماني أرنج فون لودندورف درس ظروف وفاة كتشنر, وتوصل إلى أن غرق الطراد لم يكن من خلال عمل ألماني .

أفادت الصهيونية من غياب كتشنر ، فمن ناحية كان التخلص منه لوقوفه بقوة أمام هربرت صموئيل وإجهاضه للمشروع الصهيوني في فلسطين ,كما أن مشروعه للشرق الأوسط من خلال بناء عالم ناطق بالعربية يشمل فلسطين تحت العلم البريطاني على غرار الهند يتعارض قطعياً مع المشروع الصهيوني . ومن ناحية ثانية كانت مهمته الخطيرة في تنظيم الجيش الروسي يتنافى بشكل صارخ مع مخططات اليهود الصهيونية لإسقاط القيصرية الروسية بعد إضعافها ,إذ أن تنظيم مثل هذا الجيش يعني زيادة قوة وإطالة أمد الإمبراطورية الروسية .

كانت وفاة كتشنر قبل خمسة أيام فقط من إعلان الثورة العربية التي كان أول من وضع التخطيط لها ، حتى أن بعض المؤرخين نظر إلى هذه الثورة على أنها (( إنجازاً من إنجازات مدرسة كتشنر )) ولكن من المهم أن نذكر أنه بمجرد إعلان غرق كتشنر أصبح لويد جورج وزيراً للحربية. وفي حين لم يستطع لويد جورج إقناع إسكويث بتبديله بكتشنر كوزير للحربية في وقت مازال الأخير على قيد الحياة فقد أرغم إسكويث على ذلك أثر مقتل كتشنر. وكان ذلك هو الخطوة الثانية لإزاحة حكومة إسكويث وإسقاطها حيث بدأ الإجهاز عليها من خلال خطوات أخرى ، وكانت الخطوة التالية حملة صحافية شنتها الصحافة وخاصة مالك مجموعة كبرى من الصحف وهو ألفرد هارمسورت ، وآخر هو فايكونت نورثكليف حيث كان الأخير يسيطر على نصف صحافة لندن وأهمها التايمز والديلي ميل ، فكانت شعار الحملة أن إسكويث وزملائه المدنيين منعوا قادة الجيش والأسطول من كسب الحرب . وقد قام لويد جورج بداية من نوفمبر1916م بتعاون وثيق مع الصحفيين ولوردات الإعلام مثل ديدل وسكوت بالهجوم المنسق على حكومة إسكويث بوصفها عاجزة عن ((خلق مؤسسات وأجهزة فاعلة لمجابهة الحرب)), ثم بدأت حملة تشويه لرئيس الوزراء باتهامه بارتباطاته القوية مع صناعيين وممولين ألمان قبل الحرب ، وأنه غير قادر على اتخاذ القرارات السريعة الحازمة .

وإلى جانب الحملة الصحافية ، بدأت حملة برلمانية قوية بدأها مارك سايكس في مجلس العموم من خلال خطاب شجب فيه شخص وسياسة إسكويث وزعامته وطالب بإنشاء لجنة تضم أربعة من أعضاء مجلس الوزراء لإدارة شئون الحرب وتزامن هذا الهجوم مع المشكلات التي واجهت الحكومة في الميدان الغربي مما بدأ للرأي العام البريطاني بفضل الحملة الصحفية أن الحكومة مسئولة عن الفشل وبدأت الشخصيات تنسق حملتها إلى جانب سايكس فقد التقى به لويد جورج ، وفي اجتماع آخر التقى به اللورد ميلنر - الحاكم العام السابق لجنوب افريقية ومؤيدوه من أصحاب النفوذ مثل رئيس تحرير التايمز جوفري روبنسون .

تزامنت هذه الحملات البرلمانية والصحافية العنيفة ضد إسكويث ،في وقت كانت القوات الألمانية تشن أعنف هجوم لها على الجبهة الغربية المعروف" بهجوم السوم " والتي بلغت خسائر بريطانيا فيه حوالي 420.000 جندي بينهم ابن رئيس الوزراء إسكويث نفسه ( ريموند )، ولحقت هذه الكارثة بهزيمة الجيش البريطاني في غاليبولي وجنوب العراق ، مما جعل هجوم الصحافة له ما يبرره . فاضطر إسكويث إلى إجراء تحقيق في يونيو1916م /1334ه وتكليف تشرشل لإعداد الوثائق حول الموضوع ، حيث أسهم تقرير تشرشل في

سقوط الحكومة الائتلافية , وهنا ظهر ما عرف ب"مجلس الحرب" , وهي مجموعة من 40 عضواً من حزب الأحرار برئاسة فريدريك كولي وكلهم من المقربين من لويد جورج,وكما يقول كينيث إن هذه ((المجموعة مجهولة من قبل المؤرخين)) والتي بدأت تهاجم سياسة إسكويث, واستغلت الجدل الذي كان حامياً حول قانون "الخدمة الإلزامية" الذي يعارضه إسكويث, ولم تفد الحملة المضادة التي قادها بعض الصحفيين المناصرين لرئيس الوزراء والتي هاجمت لويد جورج بوصفه(( متورط في سلسلة من المؤامرات ضد قيادة إسكويث)) ورغم أن ذلك أظهر لويد جورج كرجل معزول داخل حزبه مما هدده بالاستقالة, إلا أن مجموعة كولي أقامت بعض التحالفات مع شخصيات من حزبي المحافظين والعمال .

وفي نهاية عام 1916م/1334ه أخرج إسكويث من السلطة بواسطة تحالف قاده لويد جورج ، وفي جلسة سرية لمجلس العموم اختار إسكويث عدم الدفاع عن نفسه من خلال البحث عن الدعم في المجلس وكانت مجموعة من الوزراء من داخل وزارة إسكويث مثل كورزون وروبرت سيسل وأوستن تشمبرلين قد قدمت مشروع قرار يحث إسكويث على الاستقالة حرصاً على مكانة إسكويث نفسه، و لم يكن هناك ما يبرر التغيير في الحكومة من الناحية التاريخية إلا أنه قيل إن الضرورة ملحة لتحسين التنظيم للآلية العامة للحكومة .

استقال إسكويث وأصبح في المعارضة مع زملائه من حزب الأحرار ما عدا لويد جورج الذي رأس المجموعات التي قامت بمناوراتها لإسقاط سلفه وقال لويد جورج (( إن إيتكين هو الذي جعل بونارلو يقرر تحطيم حكومة إسكويث )) وقد شكل كل من كارسون وبونارلو ، وماكس إيتكين ولورد بيفربروك فيما بعد تجمعاً سياسياً مع لويد جورج وبمساعدة حزبي المحافظين والعمال وعدد من اللبيرالين الذين وصفهم فرومكين (( أصحاب المقاعد الخلفية لمجلس العموم )) شكل منهم لويد جورج حكومته الجديدة , ويرى كينيث أن الاجتماعات التي قام بها لويد جورج مع بونارلو وكارسون(( لم يعطها المؤرخون اهتماماً كثيراً)) والتي أدت في نهاية الأمر إلى سقوط حكومة إسكويث.


2/ سقوط الحكومة الفرنسية :


في ربيع الحرب العالمية الأولى كما رأى البعض أن القتال لن يحسم الحرب, بل إن العاملين الحاسمين هما "المجاعة والثورة", وكما سقطت الحكومة الروسية-كما سيرد تفصيله-بسبب ثورة الشعب الروسي لنقص المواد الغذائية في الأسواق، فقد هدد هذا الجانب جبهات الحلفاء بالانهيار. ويصف ج. فوللر هذه الأزمة بقوله(( كان كل المتنازعين قد أضنتهم الحرب... حتى أن عدوى ثورة مارس الروسية انتشر نحو الغرب... وكانت هذه العدوى السبب في التمرد الذي حصل في الجيش الفرنسي إلى حد كبير)). ومن اللافت للنظر أن التمرد الذي حصل بدأ بتمرد الألوية الروسية التي أرسلتها روسيا لمساعدة فرنسا عام 1916م ضد الهجوم الألماني . وكانت هذه الألوية ذات صلة بفكر تروتسكي قبل طرده من فرنسا,حيث تم قصف هذه الألوية ثلاثة أيام حتى استسلمت ..

ورغم تكرار سقوط الحكومات في فرنسا خلال الحرب كحكومة فيفياني وبريان وريبو , حيث سمح لهذه الحكومات أن تستقيل ,ولكن حكومة بول بانليفيه لم يسمح لها بالاستقالة بل أسقطها البرلمان في نوفمبر 1917م, إذ كانت آخر حكومة يؤيدها السياسيين في فرنسا, حيث لم يتبقى أمام الرئيس الفرنسي لتكليفه رئيساً للوزراء سوى كليمنصو الذي كان مكروهاً من الجميع، وربما كان أهم الأمور التي جعلت منه رئيساً للوزراء وهو بنفس الوقت يشارك به لويد جورج، هو رفضه إنهاء الحرب مع ألمانيا على أساس الحلول الوسط, بل إنه رأى الاستمرار بالحرب حتى سحقها .

ويقول فرومكين (( كانت سلسلة ظروف غير محتملة الظهور هي التي جعلت فرنسا تحتشد وراء زعيم معارض للامبريالية الفرنسية في الشرق الأوسط ، وكانت سلسلة ظروف أشد غرابة هي التي جعلت روسيا أيضاً تساق في الشهر نفسه خلف زعيم هو أيضاً ادعى أنه معارض للامبريالية الروسية في المنطقة)).


3/ سقوط القيصرية الروسية :


كان دخول الدولة العثمانية الحرب ضد الحلفاء، كارثة حقيقة لروسيا فهو قد حرمها من تصدير الحبوب والمواد الغذائية، كما حرمها من استيراد البنادق والمدافع والذخائر بيد أن روسيا رغم كل ذلك ظلت تواصل الحرب بعناد ، حتى أن الخبراء العسكريين كانوا يتوقعون أن روسيا ، بعد أن عززت موقعها الإستراتيجي في الشرق الأوسط من خلال فرض سيادتها على البحر الأسود واحتلال شرقي الأناضول ، والبدء بمد سكة حديد نحو الجبهة في شرقي الدولة العثمانية،توقع هؤلاء الخبراء أن روسيا كانت قادرة على إخراج الدولة العثمانية من الحرب . لولا سقوطها وانهيارها عام 1917م /1335ه . ومما لا شك فيه أن قوة نفوذ اليهود في روسيا الذين كانت الحكومة الروسية تضطهدهم، قد شكلوا عقبة حقيقية أمام مواصلتها للحرب، وتمكنوا في نهاية الأمر من إسقاط القيصرية الروسية .

وقد ذكرنا فيما سبق أن اليهودية العالمية كانت كتلة واحدة تخضع للمرابين اليهود الذين تكتلوا لحماية مصالحهم في الدول الأوروبية التي كانت كثيراً ما تتعرض للاعتداء، حتى ظهرت الكتلة الثانية وهي الشيوعية ( الاشتراكية الدولية ) إثر بيان كارل ماركس وانجلز عام 1848م وكان (( الاتحاد الإسرائيلي العالمي )) الذي يخضع للفرع الفرنسي من أسرة آل روتشيلد قد بدأ نشاطه في روسيا في عام 1873م .وفي عام 1897م / 1315ه ظهرت كتلة جديدة ثالثة هي الصهيونية ، وكان بين هذه الكتل الثلاث صراعاً حاداً للسيطرة واقتسام النفوذ على اليهود والعالم .

ومن غير المعروف كيف ؟ ومتى ؟ تقرر أن يكون نشاط الشيوعية والاشتراكية الدولية في روسيا وأوروبا الشرقية ، في حين تنشط الرأسمالية اليهودية في دول غرب أوروبا وأمريكا ، غير أنه كان واضحاً أن الصهيونية كانت ممنوعة من العمل في روسيا حيث اصطدمت بالأحزاب الشيوعية ولكنها حاولت وفرضت نفسها إلى حين من خلال تعاونها مع الحكومة الروسية، كما كانت ممنوعة من العمل في بريطانيا حيث اصطدمت بآل روتشيلد حتى عام 1902م / 1320ه ,حين سمح روتشيلد لهرتزل بالعمل والاتصال برجال الحكومة البريطانية.

وقبل ظهور الأحزاب الشيوعية بقوة في روسيا كان (( الاتحاد الإسرائيلي العالمي )) قد نظم نفسه في العمل في روسيا منذ عام 1873م/1290ه ، بتأسيس اللجنة المركزية للاتحاد الإسرائيلي في المناطق المتاخمة للحدود على جانبي الحدود بين روسيا وألمانيا والنمسا ، وأسس حوالي 40 مركزاً تخضع لمنطقتين كل منها يرأسها واحد من الحاخامات ،وكان عمل تلك المجالس المحلية الاهتمام " بالقضية الروسية " وكانت تشكل ((سلسلة متصلة الحلقات من مراكز المراقبة على طول الحدود)) من أجل أن تظل هذه المراكز (( تحتضن كل الطرق ، وتراقبها ، وتؤمن لنفسها حرية اجتياز الحدود )) وكان من ضمن مهام هذه المراكز أيضاً القيام بوظائف اقتصادية وسياسية أهمها استخدام عصابات التهريب … وجذب الأشخاص ذوي المراكز الاجتماعية المختلفة للتعاون مع الاتحاد … ))وكان نشاط الاتحاد الإسرائيلي ذو طابع سري .

وقد تبين أن هذا النشاط كان دقيقاً وعملياً ، وتجلت الخبرة التي اكتسبها اليهود ، خلال الحرب العالمية الأولى ، حيث كان اليهود والصهاينة يعملون لصالح كلا المعسكرين ، ورغم صلات الصهيونية العميقة بالقيصرية الروسية ، رغم ما يشوب هذه العلاقات بسبب اضطهاد الحكومة الروسية لليهود ، إلا أن اليهود بما فيهم الصهاينة قد رحبوا بالقوات الألمانية التي احتلت المناطق الغربية من روسيا والتي يكثر فيها اليهود .

وقد وصف تقرير سري ألماني قدم للمستشار الألماني في الشهر الأول من الحرب اللجنة الصهيونية بأنها (( أداة لا تثمن للاستخبارات والتخريب وخصوصاً في روسيا )). وتمكنت الاستخبارات الروسية من رصد مواقف اليهود، ودققت في منشوراتهم التي تصدرها اللجنة الصهيونية، وأصبح لدى الحكومة الروسية الكثير من المخاوف من خيانة حوالي 5-6مليون يهودي على حدودها مع ألمانيا وخطورة هذا الوجود على الأمن القومي الروسي . لذا فقد تقرر طردهم ، فطرد حوالي مليون يهودي .وفي الوقت الذي أضرت هذه القرارات بقضية الحلفاء واستغلت ضدها، فقد استفادت ألمانيا دعائياً من هذا التهجير القسري لليهود.

ولعل الموقف الروسي من تهجير اليهود كان له أثره السلبي المباشر في تغيير الموقف التقليدي للصهيونية المناصرة للقيصرية الروسية ضد الأحزاب الثورية والشيوعية اليهودية, أو تلك التي يسيطر عليها اليهود في روسيا في كافة أجنحتهم ، سواء منها المعتدلة ( البونديين ) أو المتطرفة ( البلاشفة اللينيين ) وأصبحت الصهيونية مع بداية الحرب تحارب القيصرية وتسعى إلى إسقاطها .

وقد كان لليهود سيطرة اقتصادية هائلة على مقدرات الشعب الروسي,وكان القيصر إسكندر الثالث _ وعلى أثر مقتل القيصر اسكندر الثاني عام 1881م / 1298ه والذي تبين أن منفذي الجريمة جلهم من اليهود_ قد قام بوضع قوانين أطلق عليها قوانين مايو الاقتصادية والتي تهدف إلى الحد من سيطرة اليهود على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في روسيا ، وكمقدمة لهذه القوانين أصدر القيصر مرسوماً جاء فيه (( خلال السنوات العشرين الماضية ، استولى اليهود تدريجياً على مختلف فروع التجارة والعمل ، وعلى جزء كبير من الأراضي إما بشرائها أو بحراثتها )) .

وفي مقال في 3 أكتوبر 1902م / 1320ه كتبت مجلة (( الفجر )) الصهيونية تحليلاً لمعطيات غرفة التجارة والصناعة ، وقالت أن اليهود يمتلكون في غرب روسيا وفي الشمال الغربي وفي الجنوب الغربي حوالي ( 2933 ) مصنعاً وورشة من بين (7743 ) مصنع ، تكسب من الرساميل ( 100.962.000) روبل من أصل ( 403.818.500 ) روبل ، بالرغم من أن اليهود وحسب إحصاءات عام 1897م /1315 ه في روسيا لا يشكلون إلا ما نسبته ( 11.5 % ) فقط من مجموع السكان .

ومضى المقال يؤكد أن أعداد اليهود العاملين في المجال التجاري والصناعي كانت هائلة ، فعلى سبيل المثال في مدينة كييف في مطلع القرن العشرين من التجار اليهود من الدرجة الأولى (414) تاجراً بينما لم يتعد عدد التجار المسيحيين من نفس الدرجة أكثر من (18) تاجراً .

وكانت روسيا قد تأثرت منذ بداية الحرب في قدرتها على إنتاج المواد الغذائية وهبط مستوى الإنتاج عن المعتاد بسبب احتياج الجبهات لمزيد من الرجال، وكانت الحبوب تشكل نصف صادرات روسيا, حيث أن الفلاحين يشكلون 80% من المجتمع الروسي ولكن بالرغم من هبوط الإنتاج من معدلاته الطبيعية ، إلا أنها ظلت تنتج من المواد الغذائية أكثر من حاجتها .

وكان اليهود يسيطرون على تجارة الحبوب في سهول روسيا ، وقد كانت أهمية اكتفاء الدولة بالغذاء قد برز كضرورة إستراتيجية من ضرورات الحرب ، فقد تنبأ كاتب بولندي في القرن التاسع عشر Jean de Bloch متصوراً حروب المستقبل ك(( عملية واقفة صامدة من عمليات التقتيل الوحشي الدموي ستكون الغلبة فيها للشعب الذي يستطيع أن يمد نفسه بالطعام مدة أطول )) .ولذلك فإن السيطرة على تجارة المواد الغذائية كانت مهمة لأن يسيطر عليها اليهود .

وحيث كان اليهود والصهيونية راضون إلى حد ما عن الحكومة الألمانية منتظرين دعمها لهم ، وكانت اهتمامات ألمانيا بيهود روسيا وشرق أوروبا تنبئ عن ذلك ، لذلك فقد قام يهودي ألماني هو ولتر راتناو ( Welter Retnau )بتنظيم موارد البلاد الاقتصادية طبق خطة محكمة التنظيم ((ووضعت بدائل لألوان شعبية عديدة من الأغذية ومواد خام ضرورية كثيرة))وقد قام بتنظيم قوي لكافة موارد الصناعة والعمال من أجل التغلب على المشكلات الناجمة عن الحرب والحصار .

وفي الوقت الذي بيّن راتناو أن (( العمليات الحربية تمر بثورتها الصناعية وأصبحت مسألة تمويل ونقل وإمداد على نطاق ضخم ، وبالتالي فإنها تتطلب مركزية في توزيع المخصصات وفي التخطيط والرقابة على الاقتصاد بكامله )) وقد نجحت ألمانيا في مسألة التمويل والنقل والإمداد وفق رقابة على الاقتصاد بكامله ، بينما كانت روسيا تعيش فوضى مخططة ، وكما يقول كيندي عن موقف ألمانيا أثناء الحرب :أما عن ألمانيا ((فما أعجب بلاؤها في الحرب … يعزى جزء من هذا إلى الامتيازات الموضحة آنفاً خطوط مواصلات جيدة ، … وقاعدة صناعية واسعة لتلبية متطلبات حرب شاملة وقفز إنتاجها من الذخائر تحت إشراف دقيق من القيادة العليا والتجار البيروقراطيين الأذكياء أمثال والتر راتيناو )). وكانت روسيا الأقل قدرة بين دول الحلفاء على مواجهة تحديات الحرب العسكرية والاقتصادية والاجتماعية (( بسبب ضعفها في عناصر البنية التحتية ، من أنظمة النقل وأنظمة الاتصالات و الصناعات الهندسية وأسواق رأس المال )) إلى جانب فقدانها الكفاءة في عنصر القيادة ، ورغم أنها تنتج أكثر من حاجتها من المواد الغذائية ، فقد كان النقص (( نتيجة للخلل في النقل والتوزيع ، وهذا الخلل عائد في جانب منه إلى الاختناقات والانهيارات ، ولكنه أيضاً عائد إلى مناورات متعمدة ، المضاربات والاستغلال لجني الأرباح وتخزين السلع )) في ظل عجز كامل للقيادة الروسية وتقصير كبير وإغفال منها لمدى الحاجة للضرب بقوة على أيدي المستغلين في ظل ظروف الحرب . مما ساهم في زيادة الأسعار خلال سنوات الحرب ، وتفاقم الأزمة الاجتماعية .

ولذلك فرغم وفرة الطعام وزيادة المخزون عن الحاجة إلا أن التجار اليهود والرأسماليين الأجانب الذين يسيطرون على تجارة الحبوب والغذاء والذين ينسب لهم الدور الهام في الحركة الثورية الروسية تمكنوا من تخزينه وإخفائه من السوق، فاضطرت الحكومة إلى العمل بنظام تقنين الطعام ، فانتشرت الإضرابات والفوضى ، وهكذا تمكن التجار اليهود من خنق روسيا ، فمن ناحية ارتفعت الأسعار إلى درجة ربوية أدت إلى زيادة مكاسبهم ،ومن ناحية أخرى أثاروا نقمة المجتمع على الدولة استعداداً للانقضاض عليها(( فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً)).

كان الانهيار الروسي أسرع من انهيار دول الحلفاء الأخرى بسبب (( عزلتها الإستراتيجية )) إثر إغلاق المضائق فعجزت الحكومة الروسية عن (( تأمين العون العسكري والاقتصادي الضروري من حلفائها لمواصلة دوران ماكينتها العسكرية )) ونفذت مخازن ذخيرتها، ولم يتمكن صناعي موسكو من تغطية حاجات الجيش ، إلى جانب أن ارتفاع الأسعار الهائل في إنتاج الأسلحة الروسية وكذلك الإنتاج الصناعي والزراعي قد أضر كثيراً بمنظومة المواصلات الضعيفة التي ما كانت قادرة على مواكبة زخم نقل الجنود ، وأعلاف الخيول ، ولذا تراكمت مخازن العتاد على بعد أميال عن الجبهة ,وتعذر نقل المواد الغذائية للمناطق المحتاجة لاسيما في المدن . وقد اختفت من المدن حتى الأخشاب والأحذية على سبيل المثال,

إلى جانب الخبز وتشكلت لجان لغوث الفقراء واللاجئين, وأقرت وزارة الداخلية بأن سكان العاصمة والمدن الكبرى يعانون من الجوع, بيد أن الحكومة لم تكن قادرة على مواجهة الموقف الخطير في وقت كانت تدير به آلة الحرب.

وفي تقرير بعثت به الاستخبارات الأمريكية إلى بريطانيا وفرنسا أكدت أنه منذ فبراير 1916 / 1334ه بدأ الترتيب لثورة في روسيا وراءها عدد من الشخصيات والبيوتات اليهودية وأوردت أسماء المتورطين في هذه القضية ، وقد أكدت مجلة فرنسا القديمة ذلك في عددها رقم 115 عام 1919م/1337ه .

وكان اليهود في روسيا يتوزعون على ثلاث كتل الكتلة الكبرى هم البلاشفة بزعامة لينين وهم الأكثر تطرفاً إلى اليسار، والكتلة الثانية وهم الوسط بالنسبة لليهودية العالمية ، واليمين بالنسبة ليهود روسيا وهي الصهيونية ، أما الكتلة الثالثة فهي في الوسط بالنسبة ليهود روسيا واليسار بالنسبة لليهودية العالمية فهم البونديين أو حزب العمال اليهودي الاشتراكي ، غير أن الكتل الثلاث بما فيها الصهيونية عملت لإسقاط القيصرية أثر سياسة التهجير القسري لليهود في بداية الحرب متفقة في ذلك مع الكتل الأخرى .

اتفقت بعض الأطراف اليهودية الشيوعية مع ألمانيا على إمكانية دعم الثوريين الروس للقضاء على القيصرية الروسية ، وتكلم فرومكين بالتفصيل عن هذه القضية التي أثبتتها الوثائق الروسية والألمانية ، وأن (( مؤامرة تحسين حظوظ لينين )) حيكت خيوطها في استانبول على يد اليهودي بارفوس (دارفوس هو الكسندر إسرائيل هيلفاند ، يهودي روسي زميل للينين قبل أن يفترقا ولد عام 1869 في روسيا عمل على تدمير إمبراطورية القيصر ، وكان يعيش في تركيا ) يقول فرومكين أن منزل بارفوس ( هيلفاند ) في استانبول صار (( ملتقى المتآمرين على القيصر )) غير أنه يرى أن هذا الأمر مثبت بالوثائق بما لا يدع مجالاً للشك فيه ,ويتساءل حول أحداث بيتروغراد في أوائل عام 1917م/1335ه (( هل كانت أحداث بيتروغراد إذن من ثمار المؤامرة التي ولدت في ذهن بارفوس ، شريك جماعة تركيا الفتاة ؟ لقد لعب هيلفاند وهيئة الأركان العامة الألمانية عن طريق عملائهم ومبالغ الذهب التي قدموها دوراً في تحريض الروس على الإضراب والتمرد )) وأن كان - كما يقول - ليس إلى الحد الذي بدا للمخابرات البريطانية (.وذكرت الوثائق الألمانية أن هيلفاند اقترح في اجتماع مع سفير ألمانيا باستانبول في 7 يناير 1915م /1333ه ، أن مصالح ألمانيا متطابقة مع الثوار الروس الذين يعملون على تدمير النظام القيصري وتقسيم روسيا ، وأن على ألمانيا أن تساعده في توحيد هؤلاء الثوار في تنفيذ برنامجه لإسقاط القيصرية الروسية .وبعد يومين أبرق السفير الألماني لحكومته بالاقتراح فدعي هيلفاند إلى ألمانيا وطلبت وزارة الخارجية الألمانية منه أن يقدم اقتراحه مكتوباً ، حيث قدمه في 9 مارس من نفس العام من خلال مذكرة تتضمن خطته ، واختار لينين ومجموعته لتنفيذها لأنهم جديرين حسب رأيه بالدعم الألماني .

ووافقت الحكومة الألمانية ، وسلمت في نهاية شهر مارس هيلفاند مبلغ مليون مارك كدفعة أولى لبدء العمل ، ورغم حذر لينين ورفضه إلا أنه وافق على استلام مبالغ مالية حاول إنكارها بيد أن مراسلات لينين نفسه أثبتت أن إنكاره غير صحيح .وفي الوقت نفسه بدأ هيلفاند بالعمل وبتنظيم الإضرابات والمظاهرات في بطرسبورج التي عدل اسمها إلى بيتروغراد أثناء الحرب ، وتوالت الإضرابات التي قام بها هيلفاند وغيره حتى بلغت في بيتروغراد منذ منتصف عام 1915م/1333ه وحتى فبراير 1917م / 1335ه حوالي (1163) إضراباَ .

وفي 8 مارس 1917م / 1335ه قامت مظاهرات احتفاء بيوم المرأة الدولي ، قادتها النساء احتجاجاً على نقص الأغذية ، وأنضم إليها عدد كبير من العمال حوالي ( 90.000 ) عامل مع العلم أن المصانع اليهودية وحدها، يعمل بها ( 63,515 ) عامل، بينهم ( 35,173) عاملاً يهودياً .

كان عدد العمال المضربين في اليوم الأول في 50 مصنعاً فقط في حين كان يمتلك اليهود في غرب روسيا وحدها حوالي 2923مصنع وورشه، وفي اليوم التالي شمل الإضراب أعداداً

أكبر من العمال (200.000 ) عامل وتطور الإضراب إلى إضراب شامل ، فانضم إليه أربعة كتائب من الجيش وتمرد الحرس القيصري مما زاد من عجز الشرطة,وشل ميل عام للتمرد يد الحكومة وأقعدها عن العمل، ورفض موظفو التلغراف وغيرهم أن يستأنفوا أعمالهم وقبل ثلاثة أسابيع من تصديق الكونجرس الأمريكي على إعلان الحرب ضد ألمانيا كان مجلس الدوما يرفض أمراً من القيصر بالإنفضاض ، فانتخبوا حكومة مؤقتة برئاسة الأمير لفوف Lvov الذي كان كيرينسكي ( Alexander Kerensky ) أبرز أعضائها ,والذي أصبح بعيد ذلك رئيساً للوزراء وذلك في 14 مارس 1917م / 1335ه فاضطر القيصر نقولا الثاني إلى التنازل عن العرش لصالح أخيه ميخائيل, الذي اعتذر عن قبول العرش فأصبحت روسيا جمهورية .

وفي هذه الأثناء تم ترتيب وضع قطار ألماني مغلق تحت تصرف لينين والبلاشفة المتواجدين في سويسرا ، من قبل هيلفاند وهيئة الأركان العامة الألمانية وفي أبريل 1917م/1335ه انطلق لينين بدعم من الألمان مقابل سحب بلاده من الحرب مع ألمانيا حيث بدأ بالثورة ضد حكومة كيرينسكي الذي هو من أصل يهودي. والاسم الحقيقي للينين هو فلاديمير إيليس أوليانوف من أصل روسي متزوج من يهودية ، غير أن دراسة أمريكية للكاتب الأمريكي لويس فيشر ، يؤكد أن لينين هو من أصل يهودي واسمه الحقيقي ( زيدربلوم ) وقد صدرت هذه الدراسة عام 1965م ويقطع وايزمان الشك باليقين في مذكراته حيث يقول مبيناً مدى ضخامة الصراع بين الكتلتين وأصل لينين (( وفي سويسرا عرفت لينين وبلكتوف وتروتسكي وكان كل هؤلاء يهوداً ، إلا أنهم كانوا كلهم يحتقروننا نحن دعاة الصهيونية وكانوا يقولون أن اليهودي الروسي يجب أن يصلح روسيا وطنه لا أن يهرب منها ، … وكنت أنا أبادلهم احتقاراً باحتقار وكرهاً بكره … )) وكان تروتسكي قد هاجم زميله لينين واصفاً أساليبه بأنها ((كاريكاتير فج لعدوانية البروليتاريا التي انتهت بكارثة)),وقد دافع لينين عن اتهامه باليعقوبية قائلاً (( إن اليعقوبي الذي اتحد قلباً وقالباً مع تنظيم البروليتاريا التي تعي مصالحها الطبقية هو الديموقراطي الاجتماعي الثوري)).

كانت الصهيونية حتى إعلان الإطاحة بالحكومة القيصرية تعمل بجد من أجل هذا الهدف وبالتنسيق مع كل القوى اليهودية في روسيا، ولكن حين أعلن القيصر تنازله في 15 مارس وقف الصهاينة إلى صفوف المؤيدين للحكومة المؤقتة ، فحكومة كيرينسكي اليهودي تعارض الشيوعية والبلشفية ، التي تسعى إلى دمج اليهود بالمجتمع الروسي ، وهو ما يجعل كيرينسكي الديمقراطي يتفق مع برنامج الصهاينة .

عبر الصهاينة عن استعدادهم لدعم كيرينسكي ،وعرضوا على الهيئة الحربية تشكيل قوات يهودية قوامها (100.000) يهودي وإرسالها إلى الجبهة تحت راية الصهيونية البيضاء والزرقاء، وتحت شعارات مثل " من أجل روسيا حرة "" من أجل الديمقراطيات المتحدة " " من أجل فلسطين اليهودية المستقلة " وقالت المنظمة الصهيونية أنه " انطلاقا من وحدة المصالح ووحدة جبهة الحلفاء، تجد القوات اليهودية تضع نفسها تحت أمرة القيادة الحربية العليا " .

وطالب مؤتمر صهيوني عقد في 16-18 يوليو 1917/1335ه دعوة المؤتمر الصهيوني لعموم روسيا بالانعقاد والبحث في عدة موضوعات ،أهمها وضع الأسس اللازمة للحكم القومي الذاتي ، وتحديداً أشكال ضمان حقوق الأقلية اليهودية ، وتأمين الحقوق القومية الوطنية لليهود في بولندا وفلسطين ورومانيا . كما عقد المؤتمر الصهيوني السابع لعموم روسيا، وأرسل مندوبا إلى بريطانيا لإقامة علاقات مع الحكومة البريطانية وحثها على الاعتراف بشرعية ادعاءات الصهيونية بفلسطين ، مقابل استخدام " نفوذ اليهودية الروسية " لمنع الحكومة الروسية من الخروج من الحرب والبقاء في صف الحلفاء .وكان هذا العرض العاجل من أجل مساندة ضغوط وايزمان لاستصدار تصريح بلفور ، قبل أن تتغير الوقائع على الأرض وتسقط حكومة كيرينسكي .

نجحت ثورة لينين(ثورة أكتوبر) ، وتم القبض على كيرينسكي وحكومته المدعومة من قبل الصهاينة وأصبح الصدام بين اليهودية الشيوعية والصهيونية أمراً محتماً ، فقد كانت الشيوعية تتبنى برنامجاً يقضي بتحويل روسيا إلى أرض الميعاد لليهود ودمج اليهود في المجتمع الروسي ، في حين تتبنى الصهيونية مشروعاً مناقضاً ففلسطين هي أرض ميعادها , فعجز الصهاينة عن توحيد اليهود تحت مشروعهم ، وأعلن لينين خلافه معهم ، وكتب يقول: أن الفكرة المركزية الصهيونية حول وجود أمة يهودية من نوع خاص ، فكرة كاذبة ورجعية (( من حيث مغزاها السياسي فالمسألة اليهودية هي كالتالي : الانصهار أو العزلة ؟ وفكرة " القومية " اليهودية ذات طابع رجعي واضح, ليس فقط عند أنصارها الدائمين ( الصهاينة ) بل وحتى عند أولئك الذين يحاولون قرنها بأفكار الاشتراكية الديمقراطية ( البونديين ) أن فكرة القومية اليهودية تتناقض مع مصالح الكادحين اليهود)) .

ازداد نشاط الصهيونية بعد ثورة 1917م/1335ه ، وكانوا يطمعون في إقامة دولتهم ضمن نطاق روسيا ، وشاركت الصهيونية في الثورة المضادة للشيوعية واشتركوا مع البونديين في تنظيم تمرد الموظفين وقدموا مساعدات لثورة الحرس الأبيض ، فرأت الشيوعية البلشفية أن علاقاتها مع الصهيونية وصلت إلى نقطة اللا عودة , فحين حاولوا عقد مؤتمر صهيوني بموسكو في 3أبريل عام 1919م / 1337ه وحضرة 109 من الوفود الصهيونية ألقى القبض على بعضهم وفر البعض خارج روسيا حيث لجأ الصهاينة إلى العمل السري .

وفي الوقت الذي حسم الصراع في روسيا لصالح الشيوعية ، فإن الصهيونية بدورها قد نجحت في بريطانيا وأمريكا وبنفس التاريخ , وذلك في تصريح بلفور الذي يدعم تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين في مرحلة يبدو أن كتلتي الصهيونية والرأسمالية اليهودية قد توصلتا إلى نوع من التفاهم حول الخطوط العريضة وأن ظل الخلاف حول التفاصيل .

لقد تم إسقاط كافة حكومات الحلفاء التي دخلت الحرب حكومة اسكويث في بريطانيا وعدد من الحكومات في فرنسا والقيصر وحكومته في روسيا .
__________________
كُن صديقاً للحياه وإجعلِ الإيمانَ رايه

وإمضي حُراً في ثبات إنها كُل الحكايه
رد مع اقتباس
  #5  
قديم March 12, 2009, 01:45 PM
 
رد: المؤامرة ... بين الحقيقة والتكذيب

شكوا جزيلا شباب
رد مع اقتباس
  #6  
قديم March 12, 2009, 01:53 PM
 
رد: المؤامرة ... بين الحقيقة والتكذيب

شكرا على المجهود
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المؤامرة, الحقيقة, بين, والتكذيب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحقيقة حبيب666 المواضيع العامه 3 February 22, 2011 04:55 AM
من هو جحا؟ إعرف الحقيقة chaoui 1 شخصيات عربية 12 August 24, 2010 12:50 AM
ساعة الحقيقة ،، براءة الترحيب بالاعضاء الجدد ومناسبات أصدقاء المجلة 22 December 16, 2008 01:28 AM
غموض الحقيقة!! ؟ابوخالد؟ كلام من القلب للقلب 4 July 29, 2008 08:48 PM
أين الحقيقة ahlem كلام من القلب للقلب 4 January 16, 2007 02:00 PM


الساعة الآن 05:33 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر