فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم September 12, 2008, 02:26 AM
 
العراق - الكويت - إيران ... القصة الكاملة

(1)
(( سوف أنتقم ))
شهد الثامن من أغسطس 1988 نهاية الحرب العراقية الإيرانية ، لكن لم يخطر ببال أحد عندئذ بأن هذا التاريخ سوف يشكل بداية أزمة الخليج في عام 1990 1991 .
وكان قيام طهران أولاً باقتراح وقف لاطلاق النار كافياً لاعتبار العراق المنتصر في ذلك النزاع الذي امتد ثماني سنوات وحصد أرواح ما يقرب من مليون من البشر . والواقع أن العراق خرج من الحرب قوياً ولكن الحرب استنزفت موارده . وكان لا يزال أقوى دولة في المنطقة : 55 فرقة مقابل عشر فوق عام 1980؛ مليون جندي مدرب تدريباً جيداً ؛ 500 طائرة و5500 دبابة . لكن الكارثة المالية لم تكن تقل ضخامة . فعندما بدأت الحرب كانت لديه مدخرات قدرها ثلاثون بليوناً من الدولارات . وعندما انتهت كانت ديونه قد بلغت مئة بليون دولار . ولهذا السبب لم يترك صدام حسين مناسبة واحدة إلا واغتنمها ليقوم بابلاغ جميع زواره الأجانب الذين كان يستقبلهم في قصره الفخم وسط بغداد أنه كان خلال الأعوام الثمانية الماضية " الدرع الواقي للأخوة العرب من التهديد الفارسي " وأنه يتوقع أن تقوم " أكثر الأقطار العربية ثراء وهي السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالعون والمساعدة في تسديد كامل ديوننا " .
في التاسع من آب عام 1988 ، غداة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران أخذت الكويت قراراً بزيادة انتاجها النفطي ، مخالفة بذلك الاتفاقات المعقودة في اطار منظمة الأوبيك . وقد تم التركيز الكويتي في تحقيق هذه الزيادة الانتاجية على آبار الرملية الواقعة في المنطقة الحدودية المتنازع عليها مع العراق والتي كانت موضوعاً في السابق لمناقشات دبلوماسية صاخبة .
واعتبر صدام حسين مبادرة الكويت إلى زيادة انتاجها من النفط استفزازاً وخيانة ومن شأنه أن يزيد أزمة زيادة الانتاج وانخفاض الأسعار حدة وأن يؤدي إلى انخفاض دخل العراق الذي يعتمد في 90 % من موارده على النفط بمقدار 7 بلايين دولار أو ما يساوي فوائد ديونه . وكان هذا بمثابة خنقه ببطء .
من ناحية أخرى لا يمكن تصور بلدين هما على طرفي نقيض كالعراق والكويت . ففي العراق تتركز السلطات في شخص حاكم مطلق التصرف يعيش هوس أحلام السلطة والقوة . وفي مواجهة العراق ، البلد المتقشف الذي يعد 18 مليوناً من البشر يعانون مختلف أشكال الحرمات ، تتربع إمارة الكويت على الثروة والوفرة حيث يتقاسم ما يوازي الألف من أفراد أسرة آل الصباح الحاكمة المناصب المختلفة إضافة إلى السلطة والأرباح وكأنهم أعضاء مجلس الإدارة في أي شركة من الشركات المزدهرة . أما الاستثمارات الكويتية في الخارج فكانت تتجاوز 100 مليار دولار وتؤمن للإمارة حوالي 6 مليارات من الدولارات سنوياً ، أي أكثر من عائدات البترول ذاتها . وكان على رأس المستفيدين من هذه العوائد 000 , 700 شخص يحملون الجنسية الكويتية . أمام غير الكويتيين من فلسطينيين وإيرانيين وباكستانيين وغيرهم البالغ عددهم حول 000 , 200 ,1 شخص والذين يديرون اقتصاد البلاد فلم يكن نصيبهم منها إلا فتات الموائد.
والمال في الغالب يجعل صاحبه متعجرفاً أعمى البصيرة . وهذا هو ما أصاب زعماء الكويت وجعل بالتالي وقوع المأساة أمراً حتمياً . لقد عجزوا عن قراءة النذر بوقوعها فكانت الحرب المأساوية .
وقبيل ظهر 12 فبراير عام 1990 يوم ذكرى مولد الرئيس أبراهام لنكولن وصل جون كيلي إلى بغداد . وكان في أواخر الأربعينات من عمره متوسط الطول شعره أسمر وتتميز حركاته بالهدوء والرزانة .وهو دبلوماسي محترف متخصص في الشؤون الأوروبية . ولم يحتل في الشرق الأوسط سوى منصب واحد وهو سفير بلاده في لبنان وكانت هذه هي زيارته الأولى للعراق وبوصفه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط .
كان الطقس بارداً وسفيرة الولايات المتحدة في العراق إبريل غلاسبي تنتظره عند سلم الطائرة بصحبة اثنين من المسؤولين العراقيين . وكانت غلاسبي ذات الملامح البارزة والوجه الصارم قد انخرطت في السلك الدبلوماسي بعد تخرجها من جامعة جون هوبكنز وتتكلم العربية بطلاقة . واحتلت عدداً من المناصب وخصوصاً في تونس ودمشق قبل أن تتولى إدارة الشؤون الأردنية والسورية واللبنانية في وزارة الخارجية . وكانت عازبة وتعيش في بغداد مع أمها وكلبها ، ولم تكن حتى مجيء كيلي قد ظفرت بمقابلة خاصة مع صدام حسين .
كانت تقارير الإدارة الأميركية عن الزعيم العراقي تدور حول ثلاثة محاور رئيسية : أولا قدرته ورغبته في أن يصبح الزعيم الحقيقي للعالم العربي وثانياً إعجابه الشديد بجمال عبد الناصر وسحر زعامته وحبه في أن يكون مثله وثالثاً تقاربه مع الغرب . وكانت هذه النقطة الثالثة برأي كيلي ومستشاريه الأكثر أهمية . فعندما هاجمت القوات العراقية إيران عام 1980 كان النظام البعثي يعتبر من أقوى حلفاء موسكو في المنطقة . وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 رئس العراق جبهة الرفض التي استهدفت عزل القاهرة ومعاقبتها على تقاربها مع الدولة اليهودية . وفي ذلك الوقت كان العراق ملجأ لأكثر الجماعات الفلسطينية الإرهابية عنفا وفي مقدمتها أبو نضال ورجاله .
على أن العراق خرج من حرب السنوات الثمانية مع إيران أقرب إلى الغرب من أي وقت مضى . إذ كان اقتصاده أكثر ارتباطا بالأقطار الغربية منه بالاتحاد السوفييتي ، وفي ترسانة أسلحته من الغرب وخصوصاً من فرنسا لا تقل حجما عن الأسلحة السوفييتية . ودفع هذا كله الأميركيين إلى المجازفة بأموالهم في العراق بوصفه قوة ضخمة تعمل على الاستقرار في المنطقة .
استقبل صدام حسين جون كيلي بعد ظهر الثاني عشر من فبراير 1990 . وكانت المقابلة هي الأولى مع أحد الرسميين الأميركيين منذ زمن بعيد . وبادر المبعوث الأميركي مضيفة ، خلال تبادل التحيات ، بقوله : " انتم قوة اعتدال في المنطقة وتتمنى الولايات المتحدة إقامة أوثق العلاقات مع العراق " .
لقد سرّ صدام حسين بهذا الاطراء وغمره شعور بالفخر، كما قال لدى سماعه ذلك ، وقام بعد ساعات من المقابلة بنقل ما دار فيها إلى عدد من زعماء الدول العربية وكان أول من اتصل به هاتفياً هو الملك الأردني حسين .
وبهذا أبلغ كيلي الرسالة الأولى من سلسلة طويلة من الرسائل المبهمة والمتناقضة التي سوف تكون لها نتائج خطيرة .
وفي 15 فبراير وبعد المقابلة بثلاثة أيام بثت اذاعة " صوت أميركا " برنامجاً قالت إنه يعكس وجهة نظر الحكومة الأميركية وأهابت فيه بالرأي العام العالمي أن يتحرك ضد الدكتاتوريين الذين يحكمون في مختلف اقطار العالم . وذكرت العراق وأدانت صدام حسين بوصفه أسوأ دكتاتور في العالم . فغضب الرئيس العراقي غضباً شديداً . ولم ينفع معه الاعتذار الذي قدمته واشنطن عبر سفارتها في بغداد . ورفض قبول القول بأن إذاعة " صوت أميركا " قد تعبر عن رأي يخالف الرأي الرسمي ، وإذ جاء هذا الحادث بعد أطراء كيلي عليه مباشرة فقد اتخذه صدام دليلاً على أن الأميركيين يقومون بلعبة مزدوجة .
ومما رسّخ قناعته هذه ، قيام وزارة الخارجية الأميركية ، يوم 21 فبراير بنشر تقرير عن حقوق الإنسان خصّت العراق بعدد من صفحاته تجاوز 12 صفحة وصفت فيها الحكومة العراقية بأنها أسوأ منتهك لحقوق الإنسان ، وأشارت إلى ممارسة هذه الحكومة المتكررة للتعذيب والاعدامات السريعة دون محاكمة .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد لأن لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأميركي أرادت ، بعد صدور هذا التقرير ، تبني قرار يدين " العراق لخرقه الفاضح لحقوق الإنسان " مما دفع بإدراة الرئيس بوش إلى الاحتجاج على هذه الخطوة والحؤول دون تبنيها من قبل مجلس النواب .
وكشفت جميع هذه الاشارات المتناقضة عن أن الادارة الأميركية لم تكن مهتمة اهتماماً جديا بما يحدث في الشرق الأوسط ، وأن العراق والمنطقة ليسا بين أولوياتها . فالرئيس بوش وزملاؤه ، وعلى الأخص جيمس بيكر وزير الخارجية كانوا يركزون اهتمامهم وطاقتهم في الحوار الأميركي السوفييتي وفي تفجر الديمقراطية الرائع في أوروبا الشرقية .
وفي 23 فبراير 1990 وصل صدام إلى عمان . وبقي مسار الرحلة وموعد الوصول سراً حتى اللحظة الأخيرة . فخوفاً من الاغتيال ركب طائرة خاصة بلا إشارات مميزة . أما الطائرة التي كان يستخدمها في الرحلات الرسمية فكانت قد هبطت في عمان قبل ساعات وعلى متنها زملاؤه وحرسه . وعندما استقبله الملك حسين كان يبدو قلقاً ومتوترا . وكان قد جاء إلى عمان للمشاركة في احتفالات الذكرى السنوية الأولى لمجلس التعاون العربي . وفي حين أن الملك حسين كان يعلق آمالاً كبيرة على المجلس الذي كان يضم العراق والأردن ومصر واليمن ، فان صدام حسين لم يكن يعيره اهتماما خاصاً . والواقع أن لم تثر أيضاً اهتمام العرب والصحفيين الأجانب في عمان . ومما يذكر أنه لم يكن بوسع أحد عندئذ أن يتنبأ بما سيقال في الاجتماع وخصوصاً وراء الكواليس .
وألقى صدام خطاباً شديد اللهجة تنبأ فيه بأن تراجع قوة موسكو سوف يطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس القادمة على نطاق لم يسبق له مثيل . قال " ألا تقوم واشنطن الآن بمساعدة اليهود السوفييت على الهجرة إلى إسرائيل ؟ ألا تقوم كذلك بتسيير دورياتها في الخليج بالرغم من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ؟ " وقال صدام في خطابه الذي أذيع من عمان بأن دوافع أميركا واضحة . قال : " إن البلاد التي ستمارس أكبر نفوذ في المنطقة وتهيمن على الخليج وبتروله سوف توطد تفوقها كقوة عظمى لا تُنافس . وهذا يبرهن على أن أهل الخليج وسائر العرب الآخرين في غفلة عما يجري وأن المنطقة ستحكم وفقاً لمشيئة الولايات المتحدة . وستقوم هذه بتحديد سعر البترول بشكل يخدم مصالحها لا مصالح الآخرين ".
كانت رسالة صدام لزملائه واضحة وهي أن هيمنة العراق على الخليج لا هيمنة الولايات المتحدة هي التي تخدم مصالح العرب على أفضل وجه .
على أن ما قاله صدام أثار غضب الرئيس المصري حسني مبارك حليف أميركا الرئيسي في المنطقة . فالقاهرة كانت تتلقى سنوياً من واشنطن أكثر من ملياري دولار على شكل مساعدات .
واقترح صدام في خطابه أن تسحب أرصدة البترول المستثمرة في الغرب لتغيير السياسة الأميركية . وقال : " ليس هناك مكان بين العرب الأخيار للجبناء الذين يذهبون إلى أنه ينبغي أن يترك أمر اتخاذ القرارات لقوة عظمى هي الولايات المتحدة وأن على الجميع الرضوخ لها .
خرج مبارك ، الذي اعتبر هذه الكلمات هجوماً شخصيا عليه ، من القاعة ولحق به الوفد المصري . وقال الملك حسين الذي بدت على محياه علائم القلق كان قد تبعه بعد وقت قصير :
لا يمكن السكوت على كلام كهذا . سوف أعود إلى مصر .
وفي محاولته تلطيف الأجواء ، اقترح الملك حسين تنظيم لقاء مع الرئيس العراقي لازالة سوء التفاهم . فرفض مبارك أول الأمر هذا الاقتراح بشدة ثم عاد واقتنع بالحجج التي قدمها الملك الأردني . وهكذا اجتمع الثلاثة مساء 24 في القصر الهاشمي حيث كان الملك حسين يقطن قبل مصرع زوجته الملكة عالية إثر حادث تحطم طائرة هليكوبتر . كان جو اللقاء متشنجاً شديد الوطأة . وبدل أن يحاول صدام حسين تهدئة الأمور أعلن مطالب محددة وتكلم بلهجة لا مجال للمسايرة فيها وأشار إلى 30 مليار دولار من الديون التي كانت العربية السعودية والكويت قد منحتها للعراق خلال الحرب مع إيران . وقال : " إذا لم يلغوا تلك الديون ويقدموا لي 30 مليار دولار إضافية سوف أقوم بالانتقام . "
ولما استبد الغضب بمبارك قال : " إن مطالبك غير معقولة . وسوف تخلق متاعب كثيرة . " ثم خرج من الاجتماع وعاد إلى القاهرة . فاضطر الملك حسين إلى الغاء اليوم الثاني من مناقشات المجلس .
على أن خطاب صدام أثار موجة عارمة من الاعجاب والاستحسان لكنه في الوقت ذاته أثار القلق وخصوصاً في الكويت والسعودية اللتين كانتا تخشيان قيام بغداد بهجوم مباغت بالصواريخ يتبعه اجتياح شامل أو القيام بسلسلة من الأعمال الارهابية تستهدف أفراداً من الأسرتين المالكتين .وفي الرياض ، بادر المسؤولون السعوديون إلى الإتصال بشعبة وكالة الاستخبارات المركزية فيها وأبلغوها تهديدات صدام حسين . وقامت هذه الشعبة ، بدورها ، بنقل المعلومات إلى مركز القيادة العامة في لا نغلي قرب واشنطن . ولكن لم يصدر أي رد فعل من الادارة الأميركية . وكانت النتيجة العملية الوحيدة هي قرار وكالة الاستخبارات المركزية بوضع العراق تحت الرقابة الدائمة وتكثيف عملية جمع المعلومات حوله . وقد واجهتها في تحركها هذا صعوبة الركون إلى مصادر معلومات جديرة بالثقة . لأن السيطرة التامة على قنوات السلطة في بغداد كافة كانت معقودة بحزم لصدام حسين ولأفراد أسرته عن طريق البوليس السري الذي يتمتع بحضور كثيف وفعالية كبيرة . وكان وليم كيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد ريغن قد اعترف بأنه ليس للوكالة عميل ماهر واحد في العراق وأن الوضع لا يزال على حاله .
وفي تلك الأثناء كانت العواصم العربية الرئيسية تتداول تقريراً سرياً حول الوضع الاقتصادي في العراق وضعه مصرفي من أصحاب النفوذ في الشرق الأوسط .
يستهل المصرفي تقريره بالتذكير بالفترة من 1972 إلى 1980 أي السنة التي شهدت بداية الحرب ضد إيران ويشير إلى ارتفاع عائدات البترول العراقية فيها من مليار إلى 25 مليار دولار. ويضيف أن الوضع في بداية 1990 لم يكن يبشر بالخبر . ثم يقول :
" إن صورة السبعينات البراقة تلاشت وحل محلها وضع اقتصادي مظلم ، وخراب واسع في جميع أنحاء البلاد ، وضياع الأمل بالنسبة للأجيال القادمة .
ترى هل هناك ما يمكن عمله لتغيير هذا الواقع المؤلم ؟ يحزنني أن أقول إنه في ظل الحكومة الحاضرة لا بد وأن يسير الوضع من سيء إلى أسوأ . "
ثم يشير صاحب التقرير إلى أن تراكم الديون وعجز بغداد حتى عن دفع فوائدها " سوف يحمل الحكومة على انتهاج سياسة متهورة خطرة فتقبل على الاستدانه بفائدة تبلغ 30 % في السنة . ويكشف التقرير عن حقيقة تثير الدهشة وهي أن العراق كان في عام 1989 أكبر مستفيد في العالم من " برنامج المجتمع الأميركي لتقديم التسهيلات المالية " الذي يستهدف بيع المنتجات الزراعية الأميركية في الخارج .
ولعل أكثر فقرات التقرير أهمية هي الفقرة الأخيرة التي تنبأت بكثير من وضوح الرؤية بوقوع ما وقع بالفعل . فقالت " إن صدام حسين يدرك الآن تماماً حقيقة وضعه المالي " . فما هي الخيارات المتاحة له في العراق ذاته ؟ إنها محدودة جداً . لكن الكويت موجودة دائماً على بعد أمتار من حشود قواته المرابطة على شط العرب . والعراق بحاجة إلى منفذ إلى مياه الخليج المفتوحة .
وكانت هناك دلائل على المصاعب التي تواجهها بغداد في كثرة من مشروعاتها الطموحة والمتعثرة مثل بناء شبكة من الطرق تحت أرض بغداد ومن أكثر من 800 , 1 ميل من السكك الحديدية وبناء سدين مائيين الكترونيين .
* * *
وهناك مراقب آخر للخلافات المتفاقمة داخل " الأسرة العربية " التي كان صدام كثيراً ما يشير اليها في خطاباته وأحاديثه الخاصة وهو الملك حسين ، فخلال حكمه الذي امتد 37 عاما ولفت الأنظار بضعفه من ناحية وبقدرته على البقاء من الناحية الأخرى كان اكثر إحساساً من أي شخص غيره بالمؤشرات التي تنذر بالأزمات الوشيكة . كان يدرك أن تعرض المنطقة لهزة سياسية أخرى قد تعرض وجود بلاده ذاته للخطر . فالأردن الذي يضم ثلاثة ملايين من السكان 60 % منهم من الفلسطينيين ويفتقر إلى الموارد يمكن إزالته عن الخريطة بسهولة . وقال الملك حسين لأحد زائريه بصوت رزين لا أثر فيه للانفعال :
" إنني أشعر بتزايد التوتر على نحو شبيه بما حدث قبيل حرب عام 1967 . ولم أشعر خلال السنوات الأربعين الماضية بأن المنطقة بلغت مفترق الطرق الذي تشهده الآن " .
وكان الملك حسين يتحدث ووراءه صورة لصدام حسين .
كان الرئيس العراقي حليفا وفي الوقت ذاته مصدر قلق للملك حسين ، إذ كان شريكاً لا يمكن للأردن الضعيف أن يسيّره وزعيماً قد يزعزع توازن القوى الهش في المنطقة بطموحاته المعلنة.
وبعد فشل لقاء عمان في 24 فبراير اقترح الملك على الرئيس العراقي أن يقوم بنفسه بجولة تشمل دول الخليج في محاولة منه للسعي إلى اتفاق بين الكويت والعربية السعودية والعراق . وبالفعل قام في 26 فبراير برحلة استغرقت ثلاثة أيام وشملت مختلف عواصم المنطقة وأجرى خلالها محادثات مكثفة مع الزعماء الخليجيين ، ثم عاد إلى عمان في الأول من آذار منهوك القوى . وفي صباح الثالث من آذار اتصل به صدام حسين وقال . " الطائرة في طريقها إليك أنا في انتظارك ببغداد " .
اجتمع الرجلان أربع ساعات قدم خلالها الملك حسين تقريراً مفصلاً عن جولته ، وسرعان ما تبين ان المفاوضات وصلت إلى الطريق المسدود ، لأن الملك الهاشمي لم يتلق أي اشارة إيجابية من زعماء الخليج فيما يتعلق بأهداف صدام حسين الثلاثة : تسوية الخلافات الحدودية مع الكويت وبالأخص حقول الرملية الغنية التي تقع في المنطقة المتنازع عليها . الموافقة على تأجيره جزيرتي وربة وبوبيان اللتين تؤمنان له منفذاً على الخليج ، وتسوية مشكلة الديون المتراكمة على العراق خلال الحرب مع إيران .
وأبلغ الملك حسين الرئيس العراقي أن أمير دولة الكويت يرفض المفاوضات المباشرة حتى يعترف العراق رسمياً بسيادة واستقلال الكويت . ومن الجدير ذكره هنا ان حكومة بغداد كانت قد اعترفت عام 1963 باستقلال الكويت إلا أن مجلس الثورة لم يلبث أن الغى هذا القرار .
لم يظهر الغضب على وجه صدام حسين الذي كان جالساً على كنبة واسعة ومريحة ، يشعل بين الحين والآخر سيجارة ، ويتابع باهتمام شديد ما يقوله الملك الهاشمي كما لو كان يتوقع تلك النتيجة السلبية .
وعند نهاية الاجتماع عبر صدام عن جزيل شكره لزائره على الجهد الذي بذله ، وأبلغه أنه يأمل " مع الوقت أن تسود الحكمة والارادة الطيبة بالنسبة لهذا المسألة " ولم يكن من الأمور العادية صدور مثل هذه الكلمات الرصينة التي تغلب عليها روح التوفيق عن رجل عود زملاءه على الخوف من نوبات غضبه ( وكان حسني مبارك الذي لم يُخف نفوره من صدام قد وصفه أمام عدد من الزعماء العرب بأنه " مضطرب الشخصية " ) .
ولم تكد تمضي ثلاثة أيام على عودة الملك حسين حتى دعا صدام جميع أعضاء القيادة العليا إلى اجتماع سري وأمرهم بأن يضعوا الخطط لحشد القوات على الحدود مع الكويت .
وسرعان ما اشتد التوتر . وفقد الكويتيون بعد النظر الذي كانوا يتحلون به . فبالرغم من أن الفرق العراقية لم تكن قد تحركت بعد باتجاه الحدود فإن مسؤولاً كويتيا كبيراً أسر للأردنيين خلال مروره بعمان بأن " صدام حسين لا يريد الجزيرتين وحدهما بل الكويت برمتها " .



(2)
( تاريخ يسوده العنف )
ظلت لندن طوال قرن من الزمن تعتبر الخليج أرضا بريطانية تتيح لها السيطرة على الطريق إلى الهند والشرق الأقصى . وتضافر عزم بريطانيا الواضح على أن لا يكون لغيرها نفوذ في المنطقة مع دهاء دبلوماسييها على زرع بذور النزاع الحالي .
وحتى الحرب العالمية الأولى كان العراق والكويت يشكلان جزءاً من الامبراطورية العثمانية . والواقع أن الكويت بمساحتها الصغيرة البالغة حوالي 000 , 10 ميل مربع كانت تابعة لولاية البصرة . وفي عام 1913 وبينما كان يشتد قرع طبول الحرب في أوروبا وقع الانجليز والأتراك اتفاقية تمنح الكويت الحكم الذاتي . وفي خضم الحرب التي قاتل فيها الأتراك إلى جانب الألمان اعترفت لندن بامارة الكويت وبحدودها واستقلالها عن الامبراطورية العثمانية .
على أن تجزئة هذه الامبراطورية الذي أوجد لبريطانيا حليفاً استراتيجيا لم ترض العراقيين الذين انكروا حرمانهم من منفذ إلى الخليج وفقد منطقة لم يسبق أن كانت تتمتع بوجود مستقل .
ثم إنه كان هناك سبب آخر لغضب العراق الذي وقع عام 1918 تحت الانتداب البريطاني . ففي عام 1925 أجبرت حكومة بغداد على توقيع اتفاق مع كونسورتيوم ضخم للشركات باسم شركة البترول العراقية (lpc ) . وأكدت الاتفاقية على أن الشركة ستظل بأيدي البريطانيين وعلى أن يكون مديرها من رعايا بريطانيا وأن يظل الامتياز نافذاً إلى عام 2000 وهكذا أطلقت يد الشركة في استغلال أكبر حقل للنفط في التاريخ والحصول على أرباح خيالية .
والواقع أن الكيان العراقي كان كياناً مصطنعاً كالكويت وكحدود الدول في المنطقة . ففي أعقاب اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الغنائم من الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا جرى إنشاء العراق من ثلاث ولايات تركية وهي بغداد والبصرة والموصل . وقد لخص أحدهم هذا الوضع تلخيصا رائعا بقوله : " لقد كان العراق من صنع تشرتشل الذي خطرت له فكرة جنونية وهي الجمع بين حقلي نفط متباعدين وهما كركوك والموصل وذلك بدمج ثلاث فئات من الناس وهي الأكراد والسنة والشيعة . "
وربما كانت هذه الولادة الصعبة غير المتوازنة هي التي جعلت من تاريخ العراق الحديث سلسلة متواصلة من أعمال العنف . وفي عام 1958 أطاحت الثورة بالحكم الملكي الموالي للغرب وقتلت الجماهير الغاضبة الملك فيصل ورجمت رئيس وزرائه نوري السعيد وقضت عليه . وبعد ذلك بسنتين نجا عبد الكريم قاسم زعيم الثورة بصعوبة من محاولة لاغتياله . وكان بين الذين حاولوا اغتياله شاب في الثانية والعشرين من عمره وهو صدام حسين الذي استطاع الهرب إلى سوريا بالرغم من إصابته بجروح .
وفي عام 1962 رفعت الجماهير الغاضبة رأس قاسم على منخس وطافت به الشوارع . وفي عام 1968 استولى حزب البعث على السلطة . وكان هذا انتصاراً لصدام الذي اعتبر رجل النظام القوي . وبالرغم من أنه احتل منصب نائب رئيس مجلس الثورة فإنه كان أقوى رجل في البلاد .
وكان ولا يزال يسيطر على مختلف دوائر الأمن ثلاثة من اخوته غير الاشقاء وهم برزان وسبوي ووثبان . أما صهره حسين كمال المجيد فكان المسؤول المباشر عن المذابح التي تعرض لها الأكراد وعن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين . وهو مفتاح كل مشتريات الدولة من السلاح ويتقاضى عمولة على كل صفقة . ويقال إن مكاسبه من شراء 120 من صواريخ سكود عام 1987 بلغت ستين مليون دولار .
كان يجمع بين هذه المجموعة الصغيرة المتربعة على سدة الحكم لا دمها فقط بل ودم الآخرين . فعُدي الابن البكر لصدام ظل يضرب حارسا من حراس أبيه أمام ضيوفه حتى قضى عليه . فغضب صدام وهدد بقتله . فطلبت زوجته ساجدة من أخيها عدنان خير الله وزير الدفاع التوسط لدى صدام . وبالرغم من أن هذا عفا عن ابنه فلم يغفر إطلاقا لوزير الدفاع مع أنه صهره وقريبه . فأمر بقتله . لكن قيل إنه قتل بحادث تحطم طوافة .
إن العنف هو سلاح صدام حسين الرئيسي . وعندما بلغ قمة السلطة احتفل بالمناسبة بإعدام 21 من أعضاء وزارته وبينهم واحد من أقرب أصدقائه إليه وقال عنه " كان أقربهم إليّ لكنه ابتعد عني " .
* * *
وبعد سنة دعا عددا من وزرائه وزملائه إلى سجن بغداد المركزي لكي يشكلوا فريق إعدام . وكان ضحايا هم من السجناء السياسيين . وكانت هذه طريقته في جعل من تحدثهم انفسهم بمعارضته يرون ما سيحل بهم . ووصف هذا المشهد بعبارة شديدة السخرية بقول : " إن اولئك الأشد إخلاصاً هم الذين نكتشف أنهم مذنبون " .
لم يكن صدام في الأصل جندياً . لكنه يكن للجيش إعجاباً شديداً مشوبا بالحذر فهو يريد له أن يكون قوياً ولكن مطيعاً في الوقت ذاته . ويحب أن يظهر في زي قائد الجيش لكن الضباط الكبار يشعرونه بالنقص ويعتبرونه مدعياً . وهذا هو السبب في الاكثار من تطهير الجيش على نطاق واسع . وخلال الحرب العراقية الإيرانية أشيع أنه جرى إعدام كثرة من كبار قادة الجيش . وقال بصراحة : " لم يعدم سوى قائدي فرقتين وقائد وحدة ميكانيكية . وهذا أمر عادي في الحروب .
ومع هذا انبرى له أحد الضباط في اجتماع للقيادة العليا وأخذ ينتقد خطته الهجومية . فاستمع صدام إلى انتقاداته ثم سحب مسدسه الذي يحمله دائما في حزامه وأطلق النار على رأسه .
وفي عام 1988 ، بعد وقف المعارك بقليل ، زج بالمئات من الضباط في السجون وتمّ إعدام العديد منهم فيما بعد . وفي عداد الذين اختفوا إلى الأبد بطل من أبطال الحرب هو الفريق ماهر عبد الرشيد والد زوجة أحد ابنائه .
من ناحية أخرى ، صدر تقرير عن حقوق الإنسان عام 1990 يؤكد واضعوه أن " العراق أصبح في ظل حزب البعث أمة من المخبرين " . وهذا التعريف مؤلم وصحيح في الوقت نفسه لأن 25 % من سكان العراق يعملون لحساب أجهزة الأمن المختلفة . وقد تم تنظيم معظمهم وتدريبهم بواسطة خبراء البوليس السري الألماني الشرقي LA STASI .
وفي حياته الخاصة ، يطلب صدام حسين على الدوام ، وبشكل دوري ، ان يعرضوا عليه فيلمه السينمائي المفضل " العراب " . كما يرتاح إلى مقارنة نفسه بملك بابل نبوخذ نصر الذي حكمها بين 605 و562 قبل الميلاد . وسبب ذلك هو ايمان سلفه هذا بالحكم بالقوة واحتلاله للقدس وتهديمه الهيكل وأسره الشعب اليهودي .
قال نابليون إنه ببني خطط معاركه على أحلام جنوده النائمين . أما صدام حسين فيبدو أنه يضع خططه وأحلامه بفضل ترحيب الديمقراطيات الغربية وتواطئها . ففي 1984 انفق العراق 14 مليار دولار على شراء الأسلحة أي ما يوازي نصف انتاجه الوطني . وبين 1982 و 1985 ، استورد العراق ما يعادل 8 , 42 مليار دولار من الأسلحة . ولم تنخفض مشترياته بفعل وقف إطلاق النار مع إيران . وكانت بغداد خلال السنوات القليلة الماضية أكبر مستورد للعتاد الحربي في العالم واحتكرت لنفسها ما يقارب 10 % من الأسلحة التي بيعت على وجه الأرض .
بعد أن تحالف صدام حسين مع موسكو وعقد معها معاهدة " صداقة وتعاون " في عام 1972 أخذ يقيم علاقات مع الأقطار الغربية لأنها هي وحدها القادرة على تزويده بما يحتاجه . فعندما اعتزم في أواسط السبعينات إنشاء صناعة نووية زوده الفرنسيون بالمفاعل المطلوب ضاربين عرض الحائط بمخاطر الانتشار النووي . ولم يخف صدام رغبته في حيازة أسلحة ذرية . ( وقد أصيبت أحلامه بنكسة في 1981 عندما أغارت الطائرات الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي أوزيراك ) .
وكانت لديه ترسانة ضخمة من الأسلحة الكيماوية التي استخدمها ضد القوات الإيرانية والقرويين الأكراد . وهنا أيضا لعبت المساعدات الغربية دورا أساسيا . وقد أعد الخبراء قائمة بأسماء ثلاثمئة شركة أسهمت بدرجات متفاوتة في تسلح العراق وخصوصا في صنع الأسلحة الكيماوية . وكانت أكثر الشركات نشاطا في هذا الباب ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا والنمسا وبلجيكا . بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت دائما تنفي أنها تزود العراق بالأسلحة فإن كثرة من الشركات الأميركية الخاصة باعت مواد حربية لبغداد عبر شركات أخرى لعبت دور الوسيط .
إن العملية التي كشف النقاب عنها في مطار هيثرو اللندني يوم 28 آذار 1990 اظهرات اتساع هذه التجارة . فقد وضعت الجمارك البريطانية عندئذ يدها على قطع كهربائية لأغراض عسكرية تدخل في تركيب الصاعق الخاص بالقنبلة النووية .وقد تطلبت هذه المصادرة 18 شهراً من التحقيقات المشتركة للأجهزة الامنية البريطانية والجمارك الأميركية . وقد تم صنع تلك القطع في شركة أميركية تقع ضمن ولاية كاليفورنيا وبالتحديد في سان دييغو .
بدأت العملية عندما اتصل وسطاء يعملون لحساب العراق بهذه الشركة فسارع مدراؤها إلى إبلاغ أجهزة الجمارك الأميركية التي دست أحد رجالها بين المفاوضين .
وسارت الإجراءات بشكل طبيعي جداً حتى تم نقل القطع المطلوبة إلى لندن بواسطة طائرة شحن تابعة لشركة TWA حيث بقيت لمدة أسبوعين في عنبر التخزين التابع لمنطقة مطار هيثرو الحرة . وعند نقل البضائع إلى طائرة عراقية تدخلت الجمارك وأوقفت عملية النقل وألقت القبض على خمسة عاملين في شركة الطيران بينهما عراقيان ولبناني وبريطانيان .
وفي سان دييغو ، فقد أدت متابعة خيوط الشبكة إلى القبض على عدد من البريطانيين العاملين في فروع شركات بريطانية في أميركا .
وشكلت القطع المصادرة مفاجأة للسلطات . فمنذ سنة أو سنتين والتقارير تتالى عن اعتزام بغداد صنع أسلحة نووية . فأكدت القطع المصادرة أسوأ مخاوف الخبراء وتساءلوا عما إذا كان العراق قد اقترب أكثر مما توقعوه من صنع القنبلة .
ورد صدام على ذلك بخطاب أشار فيه إلى " القوى المعادية للعرب التي تحاول وقف تقدم العراق " . لقد كان في موقف حرج .
وفي أيلول من العام 1989 هز انفجار ضخم المجمع العسكري للإسكندرية الواقعة جنوبي بغداد حيث يتم تصنيع السلاح الكيميائي . وبالرغم من التعتيم التام على ما حدث فإن صور الاقمار الصناعية للتجسس وما أدلى به بعض الشهود العيان أظهرت ضخامة الكارثة : أكثر من 700 قتيل ومئات المصابين بعاهات دائمة . وفي شباط 1990 حاول أحد الصحافيين التابعين لمجلة الاوبزرفر البريطانية التحقيق في تلك الماسأة . وكان اسمه فرزاذ بازوفت ، من اصل إيراني ويحمل الجنسية البريطانية . ولم يكد هذا الصحافي يبدأ بجمع المعلومات حتى ألقت المخابرات العراقية الرهيبة ، التي يديرها سبوي الأخ غير الشقيق لصدام ، القبض عليه . وبعد ان اتهم بالتجسس لحساب إسرائيل عرض على شاشة التلفاز حيث أدلى باعترافات بدا انها فرضت عليه وانتزعت منه بالقوة . ولقد أدى حكم الاعدام الذي صدر بحقه إلى موجة احتجاج لا في أوروبا والولايات المتحدة فقط بل من قبل بعض المسؤولين العرب .
وبعد أيام قليلة من صدور الحكم اغتنم وزير الخارجية الأردني مروان القاسم فرصة تواجده في تونس للإتصال بطارق عزيز وزير خارجية العراق المشارك بدوره في اجتماع وزراء الخارجية العرب . وقال القاسم لعزيز أثناء مقابلة جرت بينهما على هامش الاجتماعات " إنه لمن الخطأ الفادح ان تقدم الحكومة العراقية على إعدام بازوفت . لأن الصحافة سوف تستغل القضية وسوف تصبح الصورة التي يكونها الغرب عن العراق سلبية جداً " . ومما أثار دهشة مروان القاسم ، الذي يعرف طارق عزيز منذ سنوات ، هو ردة فعل الوزير العراقي الغاضبة والقاطعة والحاسمة " يجب إعدامه وإلاّ سوف يكون في العراق الاسبوع القادم أكثر من 1000 جاسوس " .
وإعدم بازوفت شنقا في 15 آذار 1990 . وأغضبت موجة الادانة لإعدامه صدام الذي لم يستطع أن يفهم كيف أن العرب الذي طالما أظهر تسامحاً كبيراً نحوه انقلب فجأة وأمعن في انتقاده . وهكذا تضافرت قضية بازوفت ومصادرة القطع في مطار هيثرو وتحول كثرة من الأميركيين ضده على اقناع بأن هناك مؤامرة دولية عليه . وهكذا فإن هذا الرجل البسيط الحذر والفخور المصاب بجنون القوة أخذ ينظر إلى العراق بوصفه قلعة محاصرة قادرة على تحدي العالم الذي أمده بقوته.


(3)
( انكم تشنون حربا اقتصادية )
في 2 نيسان ، القى صدام حسين أمام قيادات جيشه خطاباً تم نقله ، بكامله ، على موجات الإذاعة العاملة . وقد كان حاسر الرأس ، يرتدي زياً كاكيا تزينه شارات رتبة الجنرالية . واستغرق خطابه أكثر من ساعة ، إلا أن بعض الجمل التي وردت فيه أذهلت العالم باسره . فبعد أن شرح ما توصل إليه العلماء والباحثون العراقيون في مجال انتاج الأسلحة الكيمائية اضاف : " والله ، إذا حاولت إسرائيل القيام بشيء ضد العراق سوف نعمل على جعل النار تلتهم نصفها … إن الذين يهددوننا بالقنبلة النووية سوف يبادون بالأسلحة الكيماوية ."
ووصلت هذه الكلمات إلى مكتب جون كيلي في اليوم نفسه . فقام سكرتير الدولة المساعد لشؤون الشرق الأوسط بقرائتها أكثر من مرة . وفي كل مرة كان يتملكه شعور بالذهول لقساوة لهجة الخطاب وعنفها . فما كان من هذا الرجل الذي أغدق الثناء على الرئيس العراقي قبل شهرين إلا أن انتقل في الحال إلى مكتب دنيس روس الواقع في أحد الطوابق العليا من بناء وزارة الخارجية . وكان روس يحتل منصب مدير مكتب التخطيط السياسي ومن أقرب المساعدين لوزير الخارجية جيمس بايكر .
رأى كيلي وجوب القيام برد فوري ومباشر يؤكد رفض الولايات المتحدة السماح بتهديدات من هذا النوع . وكان جون كيلي بتقلبه بين الصلابة واللين أشبه بالدكتور جيكل والمستر هايد بالنسبة للعراق .
وسرعان ما توصل روس وكيلي إلى خطة للعقوبات وذهبا إلى مكتب جيمس بيكر في الدور السابع . ولم ينتظرا في الغرفة الخارجية ذات الجدران المكسوة بالواح خشبية داكنة سوى بضع دقائق ، دخلا بعدها على جيمس بيكر وقالا له : " ينبغي علينا أن نرسل إشارة لا غموض فيها وخصوصا فيما يتعلق باتخاذ عدد من الاجراءات في الميدان الاقتصادي . " فما كان من بيكر الذي أزعجته لهجة صدام العدوانية إلا أن وافق على اقتراحهما الذي استهدف ثلاثة أمور بوجه خاص وهي رفض منح العراق قروضا من بنك التصدير والاستيراد ، والغاء " برنامج قروض المجتمع " وأخيرا اتخاذ إجراء لمنع النظام العراقي من استيراد " مواد يمكن استخدامها للأغراض العسكرية " .
وبينما كان الخبراء يعملون على اعداد الصيغة النهائية للخطة قام بوش بالتعبير عن رأيه في تهديدات صدام حسين وهو على متن طائرة البوينغ الرئاسية التابعة للقوات الجوية وذلك في طريقه إلى اتلانتا وانديانابوليس . على أن الكلمات التي استخدمها كانت مبهمة تعكس ارتباكه وعدم اعتباره العراق بين أولوياته . قال : " أعتقد أن تصريحات ( صدام ) سيئة جداً . وسوف أطلب في الحال وبإلحاح من العراق التخلي عن استخدام الأسلحة الكيمياوية لأنها لا تساعد الشرق الأوسط وأمن العراق واقول أكثر من ذلك إنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ، واقترح صرف النظر عن كل ما قيل في استخدام الأسلحة الكيمائية أو البيولوجية " .
وفي 9 نيسان ، اجتمع دنيس روس وجون كيلي في مكتب جيمس بيكر ولحق بهما روبير كيميت سكرتير الدولة المساعد للشؤون السياسية والذي يعتبر في عداد الحلقة الضيقة من مساعدي الوزير . وكان بيكر قد حصل على موافقة بوش المسبقة . وبعد أن تم استعراض خطة العقوبات الاقتصادية بالتفصيل من جديد ، اقرت بشكلها النهائي ، ووقع الاختيار على كيميت للقيام بمهمة التفاوض الشاقة مع مختلف الوزارات والوكالات المعنية لتطبيقها على أن الحزم الذي بدا في الاجتماع سرعان ما تبخر ، وبقيت الخطة حبرا على ورق . أما أسباب الفشل فتكمن في مقاومة البيروقراطية الفدرالية وعدم المتابعة السياسية .
وصدر التحفظ الأول عن وزارة التجارة التي ذهبت إلى أن وقف تقديم القروض من بنك الاستيراد والتصدير سيعاقب رجال الاعمال الأميركيين . وعارض المسؤولون في الوزارة ذاتها الغاء برنامج قروض المجتمع لأنه برأيهم يضايق مزارعي القمح الأميركيين .
أما مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض والمكلف بمتابعة مسائل السياسة الخارجية فأكد دعمه لمبدأ العقوبات ولكنه رفض الإسراع في تطبيقها ودعا إلى التأني . وأيد روبرت غيت الرجل الثاني في المجلس والمساعد السابق لمدير وكالة الاستخبارات الأميركية فكرة التدرج في اتخاذ الاجراءات . وترأس روبرت كيميت فيما بعد اجتماعا عقد في الغرفة الخاصة باجتماعات مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض حضره وكلاء الجهات الحكومية الرئيسية . ولم يخدع الاجماع الذي بدا في الاجتماع أحداً لأن الخطة ظلت حبراً على ورق .
كان الرجل الوحيد القادر على التغلب على التحفظات وفرض آرائه هو جيمس بيكر . لكنه كان منصرفاً بوقته وأفكاره إلى توحيد ألمانيا ورحلاته لمقابلة نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه والتحضير معه لقمة بوش غورباتشوف التي كانت ستعقد في مالطة في شهر مايو / أيار . وكما قال واحد من أقرب زملاء بيكر إليه " فان الرادار في واشنطن لم يلتقط بعد الصاروخ العراقي " .
وهكذا فإن صدام حسين لم يتلق أي إنذار رسمي . والواقع أن صدور عدد من الاشارات المشجعة الأميركية ساعد على زيادة غموض الموقف الأميركي .
وفي 12 نيسان أي بعد ستة أيام من الخطاب العنيف الذي ألقاه صدام وصل وفد يضم خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة روبرت دول ممثل كانساس وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ وهو نفسه الذي فشل في التغلب على بوش في الانتخابات الأولية وذلك في سباقهما على الرئاسة .
وعليه فإنه كان على صدام حسين أن يخاطب رجلا يعتبره مهماً وصاحب نفوذ وتتفق آراؤه مع آراء بوش .
جرى الاجتماع في مدينة الموصل شمالي البلاد قرب الحدود السورية . وحضر صدام وهو يرتدي بزة رمادية أنيقة وربطة عنق قاتمة اللون . وجلس وسط غرفة صغيرة على كنبة مغطاة بالحرير الاخضر وأمامه طاولة زجاجية في حين توزعت المقاعد الباقية بشكل دائري حوله .
بدأ مترجم بقراءة رسالة جلبها الشيوخ وتقول : " إننا جئنا لأننا نؤمن بدور العراق الأساسي في الشرق الأوسط ، فإن سعيكم إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا بد وان يعرض بلدكم لمخاطر جمة بدل تأمين الحماية له . إن مبادرات كهذه تهدد أيضا بلدانا أخرى وتثير اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط . ثم إن تصريحاتكم الأخيرة التي تهدد باستخدام السلاح الكيماوي ضد إسرائيل ، أحدثت دويا في العالم أجمع . . ومن الاجدي بالنسبة لكم وللسلام في الشرق الأوسط ان تعيدوا النظر في مثل هذه المشاريع الخطرة والتصريحات والمواقف التي تستفز الآخرين ."
استمع صدام إلى الرسالة بدون أي انفعال ظاهر . وعند الانتهاء من قراءتها هز رأسه والتفت إلى دول الذي كان يجلس على يمينه وقال بهدوء : " إنني أدرك أن هناك حملة واسعة علينا تشنها الولايات المتحدة وأوروبا . "
كان دول رجلا صلبا في الستين من عمره . قال : " إن بوش ليس مصدر هذه الحملة . وقد قال لنا البارحة إنه ضدها . " وأعاد دول إلى الذاكرة موقف الولايات المتحدة الذي أدان إسرائيل عام 1980 على أثر الهجوم الجوي الذي شنته على المفاعل النووي العراقي . هنا قاطعه صدام حسين وقال : " لقد أدنتموها ، ولكنني اطلعت على تقارير عديدة تفيد ان الولايات المتحدة كانت على معرفة مسبقة بالهجوم " .
وتدخل السيناتور الجمهوري لولاية وايومنغ ، آلان سمبسون وقال : " ان مشكلتكم ليست مع الحكومة أو الشعب الأميركي وإنما مع صحافتنا المتعجرفة التي يصعب إرضاؤها " .
وانتقل دول في حديثه إلى البرنامج المعادي للعراق الذي بثته إذاعة صوت أميركا في فبراير ، وقدم اعتذاره وبلغ صدام ان المسؤول عن البرنامج قد طرد من وظيفته . وختم حديثه بقوله : " اسمح لي أن أذكر أنه منذ 12 ساعة فقط أبلغني الرئيس بوش أن حكومته تأمل في تحسين العلاقات مع العراق وأنه سوف يعارض فرض عقوبات على العراق . وإذا لزم فإنه الأمر سوف يستخدم الفيتو ضد أي قرار مثل هذا ما لم يحدث أي عمل استفزازي " .
وهنا تدخلت السفيرة ابريل غلاسبي التي لزمت الصمت طوال الوقت وختمت الاجتماع بقولها : " إنني كسفيرة أستطيع أن أؤكد يا سيدي الرئيس أن هذه في الحقيقة هي سياسة الولايات المتحدة".
على أنه كانت هناك دوافع انتخابية وراء لهجة المصالحة التي سادت الاجتماع . فأعضاء الوفد كانوا يمثلون ولايات أميركية زراعية . فروبرت دول يمثل ولاية كنساس التي تصدّر كميات كبيرة من القمح إلى العراق . وعلى هذا الاساس تصدرت المصالح التجارية لائحة الاسباب الداعية للاعتدال الأميركي . فالولايات المتحدة الأميركية تبيع بغداد بما يقارب المليار دولار سنويا من القمح والدواجن والذرة . ومنذ 1983 تم تمويل غالبية المشتريات بواسطة قروض بلغت 5 مليارات دولار بضمانة الحكومة الأميركية .
ولخص ممثل كانساس الوضع بجملة واحدة فقال: " نحن نلبي حاجة العراق من الغذاء بأسعار مدعومة " .
ولم يكن لدى أحد رغبة في إفساد تبادل للمنافع من هذا النوع . وعندما استقبل بوش ، في البيت الأبيض ، الوفد العائد من العراق أصغى بعناية شديدة إلى آراء روبرت دول التي يسودها الاعتدال والتفاؤل وسمع منه كلاما عن صدام حسين يصفه بالقائد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر عليه .
وحضر الاجتماع رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت . وكان هذا العسكري الدقيق الملامح والطويل القامة قد تدرج في كواليس السلطة العليا منذ سنوات طويلة . فكانت بداية عمله في البيت الأبيض في عهد نيكسون كمساعد لهنري كيسنجر . وإذ كان هذا العسكري المحترف يميل دائما إلى وزن الأمور والمحافظة على اتزانه فإنه أيد موقف دول الداعي إلى اعتبار العراق وزعيمه دعامتين أساسيتين لاستقرار الشرق الأوسط .
وكمؤشر على هذا الاعتدال انتهز بوش فرص انتهاء شهر رمضان ووجه ( في 25 نيسان ) رسالة ودية لصدام حسين عبر فيها عن أمله " في أن تسهم الروابط بين الولايات المتحدة والعراق في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط " .
وبعد وقت قصير أدلى جون كيلي بشهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ استخدم فيها اسلوباً مختلفا تماما عن الأسلوب العنيف الذي استخدمه في 2 نيسان للرد على تهديدات صدام حسين . قال :
" لا تزال الادارة الأميركية تعارض فرض العقوبات التي توقع على المصدرين الأميركيين وتزيد العجز في الميزان التجاري سوءاً . ثم إنني لا أرى كيف يمكن للعقوبات أن تقوي امكان مماررسة نفوذ مهدئ على أعمال العراق " .
إن هذه الكلمات التي صدرت عن المسؤول عن الشرق الأوسط عكست الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الذي يمكن تلخيصه بالعبارة التالية وهي أنه ليس مطروحا في الوقت الراهن اتخاذ إجراءات اكثر صلابة ضد العراق . وكان جيمس بيكر نفسه قد تحول إلى هذا الاتجاه . فبينما كان في موسكو التقى بالرئيس المصري الذي كان يقوم بزيارة رسمية ، وناقش معه تهديدات العراق . فأشار الرئيس المصري إلى أن التهدئة أفضل وسيلة لنزع فتيل حركات الزعيم العراقي الاستفزازية .
وفي بداية أيار وصلت إلى واشنطن اشارتان تنذران بالخطر . لكن لم يكن أحد من المسؤولين بوزارة الخارجية لأخذهما بعين الاعتبار .
وجاءت الأولى مفاجأة للبيت الأبيض . وكانت عبارة عن رسالة تلقاها من وكالة المخابرات المركزية تقول فيها إن بحوزتها معلومات عن " هجوم عراقي محتمل على الكويت " وكان البيت الأبيض قد تلقى إشارة إلى احتمال وقوع الهجوم ولكن على إسرائيل . وبالرغم مما أثارته معلومات الوكالة من تشاؤم شديد ، فقد بقي الموقف الرسمي كما هو .
وفي هذه الأثناء وصل وفد من الخبراء العسكريين والسياسيين الإسرائيلين إلى واشنطن . وكان في جعبته تحليل قاتم للوضع يقول بأن طبيعة النظام العراقي المعتدلة والإصلاحية الظاهرة ليست سوى ستار من الدخان . ويضيف بأن صدام حسين دأب منذ شهر فبراير على اتخاذ مواقف متصلبة : إذ طالب بانسحاب السفن الأميركية ، وحث العرب مرة أخرى على استخدام النفط كسلاح سياسي ؛ ولم يكتف بالتهديد بمهاجمة إسرائيل حليفة الولايات المتحدة ، بل تحدث عن احتمال استخدام الأسلحة الكيماوية . وختموا تحليلهم بقولهم إن إنهماكه في بناء آلته العسكرية على نطاق واسع دليل آخر على غرائزه العدوانية .
ومن الواضح أنه كانت لدى الوفد الإسرائيلي معلومات نقلوها في 15 نيسان للسفير الأميركي في إسرائيل وليم أ . براون وذلك على مائدة غداء في عيد الفصح . وكان بين الحضور شيمون بيريز زعيم حزب العمل والجنرال ايهود باراك نائب رئيس أركان القوات الإسرائيلية . وبينما كانوا يتحدثون عن تهديد صدام حسين بشن هجمات على إسرائيل بالأسلحة الكيماوية إذا هاجمت إسرائيل العراق قال باراك :
" إن صدام حسين يحاول خدام العالم . فخطته ليست الهجوم على إسرائيل .
عليكم أن تحولوا أنظاركم إلى ما هو جنوب العراق . فالحقيقة هي أن أنظاره مشدودة إليه " .
وواضح أن باراك كان يشير إلى الكويت والإمارات .
لم ينجح الإسرائيليون في جعل الآخرين يشاطرونهم قلقهم . فبعض الذين استمعوا إليهم فسروا التصريحات العراقية بأنها تعبير عن الخوف من غارة إسرائيلية جديدة على مصانع الأسلحة الكيماوية . وشدد البعض الآخر على رغبة صدام في تكريس زعامته للعالم العربي .
لقد غشي واشنطن عمى غريب . فقد اعتبر صدام حسين ضيق الأفق في نظرته إلى العالم . فلم يكن يعرف لغة أخرى غير العربية ، ولم يكن قد قام إلا بزيارة واحدة إلى الغرب . وكان ذلك في عام 1975 عندما ذهب إلى فرنسا لمفاوضة جاك شيراك رئيس الوزراء الفرنسي على شراء مفاعل نووي . ولم يكن يعرف شيئاً عن الولايات المتحدة . وحدث مرة خلال حديثه مع زائر غربي أنه فوجيء عندما علم من هذا الزائر ان الانتقاد البسيط للرئيس الأميركي لا يعد انتهاكاً خطيرا للقانون كما هو الحال في العراق حيث قد يعاقب بالإعدام .
لم يكن في واشنطن من يدرك أن ضيق أفق صدام حسين فيما يتعلق بنظرته إلى العالم هو الذي يجعله خطراً . فقد كان يتصرف مع العالم كما يتصرف في العراق ذاته متجاهلاً القواعد والقيود التي تحكم العلاقات الدولية .
وسبق أن كان لصدام مراقب رائع في واشنطن هو السفير نزار حمدون الذي امضى سنوات طويلة هناك . وكان حمدون دبلوماسياً محترما له صلات بكثرة من كبار المسؤولين الأميركيين . فبعد بداية الأزمة بشهر وصفته جريدة " وول ستريت جورنال " بأنه " افضل سفير اجنبي عرفته الولايات المتحدة . إلا أنه استدعى إلى بغداد في عام 1987 ليصبح نائباً لوزير الخارجية . ولم يكن لخلفه صلاته وحيويته .
ولا بد أنه اتضح لصدام حسين من تبادل الآراء مع المسؤولين مثل روبرت دول ومن مواقف واشنطن المتناقضة أن الزعامة الأميركية غير حازمة وتميل إلى تسوية الأمور ، الأمر الذي كانت له نتائج خطيرة .
وفي 21 أيار حصلت حادثة عملت على ازدياد شدة التوتر . ذلك أن أحد الإسرائيليين قتل سبعة من الفلسطينيين العزل . وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بادرت إلى إدانتها فإن القلاقل عمت الأراضي المحتلة . فالانتفاضة التي كانت تتربص بالإسرائيليين انفجرت بعنف لا مثيل له . ولم يكن من الممكن أن تقع هذه المأساة في وقت أسوأ من الوقت الذي وقعت فيه . فقد وقعت قبل اسبوع فقط من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد لشجب تدفق اليهود السوفييت على إسرائيل بأعداد كبيرة . وفي اعقاب المجزرة استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد اقتراح قدمته منظمة التحرير الفلسطينية لهيئة الأمم المتحدة لإرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة . وأدى هذا إلى انفجار الغضب على أميركا في العالم العربي . وشهد الأردن مظاهرات دموية .
وفي 24 أيار بدا الملك حسين في حفل استقبال أُقيم في حدائق قصره الرائعة في غاية القلق بالرغم من انه طاف على المدعوين وشاركهم الحديث ورحب بكل فرد منهم . وكان يتصرف بإباء ولباقة وكأن ما يجري في المنطقة لا يستطيع النيل من حكمه . لكن هذا لم يخدع أحداً فخلال الحفل ذاته كشف هو نفسه عن مدى تأثره بالأحداث قال : " اعتزم أن أطالب في مؤتمر القمة القادم ببغداد بمساعدة مالية ليس لي فقط ، بل ولمنظمة التحرير . " وكان صدام قد قال له : " اترك الأمر لي . سوف أجبرهم على الدفع " .
* * *
وفي صباح 28 أيار التقي الملوك والرؤساء العرب الممثلون لاحدى وعشرين دولة وهم لا يعرفون ما خبّئ لهم . فما كانوا يعرفونه هو أنهم يجتمعون لشجب تدفق اليهود السوفييت وتأييد تهديد صدام حسين . فمنذ عهد جمال عبد الناصر لم يُظهر زعيم عربي بأنه قادر على نشر الرعب في الدولة اليهودية .
على أن الاجتماع أخذ منحى مقلقا عند نهاية جلسة الافتتاح عندما فاجأ صدام حسين الحضور باقتراح عقد جلسة مغلقة . وحاول الملك فهد معارضة الاقتراح لكنه لم ينجح فاضطر إلى القبول . وطلب صدام أن يقتصر الاجتماع المغلق على الرؤساء والملوك وحدهم دون أعضاء وفودهم لأنه كما قال صدام لا داعي لسماعهم ما سيقال .
وتحدث صدام بكلمات بليغة موزونة لكي يثبت حجته . وبالرغم من أن موضوع القمة كان هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل فقد أصبح من الواضح أن الموضوع الذي أخذ يتحدث عنه هو دول الخليج . قال :
" إنهم يستخرجون كميات هائلة من البترول مما يساعد على الابقاء على أسعارها المنخفضة . وكلما انخفض سعر البرميل دولاراً واحداً ، يخسر العراق بليون دولار في السنة . فأنتم في الواقع تشنون حربا اقتصادية على بلادي " .
وسيطر الذهول على الحاضرين . وكان أول من تصدى للدفاع الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات الذي كان يرتدي عباءة بيضاء موشاة بأسلاك الذهب ، لكنه لم يكن خطيبا موفقا . فأجابه صدام بقوله:
" إنني اشكر الإمارات العربية على موقفها الإيجابي منا . لكنني احذركم من إنني لم انس إطلاقا شحنات الأسلحة والاعتدة العسكرية التي شحنت من دبي إلى إيران خلال الحرب . وسوف يأتي يوم الحساب " .
كان مبارك في هذه الأثناء منحنيا بعض الشيء إلى الأمام يحدق في الطاولة أمامه وهو يشتعل غضبا وبدا القذافي وهو يجول بنظره بين الحضور وكأنه يشاهد شيئا مسليا في حين ان الملك فهد الذي سبق له ان انشأ علاقات ودية مع الرئيس العراقي كان يستمع بكثير من القلق . فقد ادرك على الفور أن ما يجري في المنطقة قد اصبح مصدر خطر كبير.
كان خطاب صدام خليطا مزعجا من المطالب العدوانية والاتهامات المحدودة والنوادر العربية ذات المغزى . وكان يستخدم الكلمات المفخمة والحركات . قال :
" ايها الاخوة دعوني ، أروي لكن اسطورة قديمة قد يعرفها البعض منكم . ذات يوم ، حلت كارثة بقرية صغيرة فطلب من القرويين ان يساهم كل واحد منهم بقدر معين لتعويض الخسائر . وكان يعيش في هذه القرية رجل فقير اتفق السكان على ألا يطلبوا منه المساهمة . ولكن الرجل الفقير ابى ذلك وقال لهم إن الإهانة سوف تلحق به ، وقدم لهم الشيء الوحيد الذي يملكه وهو وعاء من النحاس . والفقير في هذه القمة هو العراق . ولكننا لن نخل بواجباتنا . سوف نمنح الأردن 50 مليون دولار ومنظمة التحرير 25 مليونا . ونحن نريد من وراء ذلك ممارسة الضغط الاخلاقي والمعنوي على كل من تسول له نفسه عدم المشاركة . وانتم تعرفون التضحيات التي قدمناها سنوات في حين لا يحترم الآخرون الاتفاقات المعقودة .
وهنا توجه صدام حسين بحديثه إلى جابر الصباح أمير الكويت الجالس على بعد امتار منه ، وكان النفور يطغى على شعور الواحد منهما تجاه الآخر ، وقال :
" يقضي تقسيم اوبيك للحصص أن لا تتعدى حصة الكويت 5 , 1 مليون برميل يومياً . ولكنها تستخرج باستمرار 1 , 2 مليون برميل ونحن هم الذين يعانون من هذا . إننا نريد العودة إلى الوضع الاقتصادي الذي كان سائدا في عام 1980 قبل الحرب مع إيران . وفي الوقت الراهن نحن بحاجة ماسة إلى عشرة مليارات دولار بالإضافة إلى الغاء 30 مليار دولار من الديون التي منحتنا إياها الكويت والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية أثناء الحرب . والحقيقة أيها الاخوة العرب ، أننا نعيش في فترة أخرى من النزاع … " ثم تغيرت نبرته وقال :
" إن الحرب لا تعني الدبابات والمدفعية والسفن فقط . فقد تأخذ أشكالاً أخرى أقل ظهورا وأكثر عدوانا مثل زيادة انتاج البترول واستخدام التخريب والضغوطات لاستعباد أمة " .
قيلت هذه الكلمات الأخيرة وسط صمت ثقيل خيم على الحضور ، فتدخل الملك حسين وقال : " ينبغي ألا يحصل شيء يضر باقتصاد العراق " .
ثم جاء دور من جرى اتهامهم وعلى رأسهم الملك فهد والشيخ جابر أمير الكويت . لكنهما قالا كلاما مبهما لا اثر فيه للتشجيع أو الوعد بالمساعدة . ومما اثار عجب الحضور هو هدوء الشيخ جابر وعدم مبالاته شبه التامة . بل ان موقفه وموقف وفده الذي انضم إليه بعد قليل كانا ينمان عما هو اقرب إلى الاحتقار لمركز العراق ومطالبه .
لقد تضاعف انتاج الأوبيك ثلاث منذ الحرب الإيرانية العراقية وفي كل مرة بضغط من الكويتيين الذين كانوا ينكرون أمام ممثلي العراق أي دور لهم في ذلك . وكان الكويتيون يحبون أن يصفوا بلادهم بسويسرا الشرق الأوسط متناسين بأن العراق كان يصف بلادهم بأنهم " دولة انشئت من بئر بترول . " ونسوا أيضا محاولة غزو بلادهم عام 1973 عندما اجتاحت العراق شمال الكويت قبل ان يجبروا على التراجع بضغط من العالم العربي . هذا في حين ان المسؤولين العراقيين ينفذون سياساتهم بالاشارة دائما إلى خمسة آلاف سنة من التاريخ المجيد الذي تحيط به هالة من الرومانطيقية .
على ان الكويتيين كانوا رجال اعمال مهرة يعيشون في الحاضر ويركزون اهتمامهم في استثماراتهم الهائلة في العالم . وكانوا يعتقدون بأن ذلك هو اقصى ما يمكن ان تبلغه تهديدات العراق ، وانه يتجاوزها لسبب واحد واضح وهو انه لم يسبق لدولة عربية ان اجتاحت أخرى . ويمكن تلخيص موقفهم بدقة بمثل تشتم منه رائحة الموت وهو " إن العالم الذي يفقد ذاكرته لا بد وان يصبح عالما بلا مستقبل " .
وفي اعقاب خطاب صدام حسين شهدت غرف القصر ودهاليزه مناقشات طويلة جعلت كل شخص من رؤساء الدول والوزراء والدبلوماسيين المستشارين يرى بوضوح شيئا واحدا وهو ان النظام العراقي وزعيمه يمران في فترة صعبة . لكن بعضهم فقط تنبأ بأن الحل الوحيد أمام صدام هو الاستيلاء على الكويت .

__________________
كُن صديقاً للحياه وإجعلِ الإيمانَ رايه

وإمضي حُراً في ثبات إنها كُل الحكايه
رد مع اقتباس
  #2  
قديم September 12, 2008, 02:27 AM
 
رد: العراق - الكويت - إيران ... القصة الكاملة

(4)
(الذئب والحمل )
مضت الأسابيع الأولى التي تلت 30 مايو في هدوء يدعو إلى الاستغراب . فبدا وكأن العواطف والمناورات قد فقدت زخمها .
ففي أواسط شهر حزيران قام أوروبي له مقام رفيع بزيارة لواسنطن أتيح له خلالها أن يتحدث عن المسألة العراقية مع عدد من الأميركيين . وقال فيما بعد " إنه يكن هناك عندئذ من يعتبر العراق مصدرا للتهديد ، وان الجميع كانوا ينظرون إليه بوصفه بالدرجة الأولى سوقا للمنتوجات الأميركية وواحداً من الأقطار القليلة التي تفضل التكنولوجيا الأميركية على منافستها اليابانية ".
وفي نهاية حزيران قام سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي بجولة في بلدان الخليج . وكان حمادي انيق المظهر مهذبا وشيعيا ورعا، واقتصاديا درس في الجامعة الأميركية ببيروت ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة وسكنسن . وقام بزيارته لبلدان الخليج قبل شهر واحد من اجتماع الأوبيك الهام الذي استهدف اقناع زعماء الخليج بالقبول بانتاج كميات اقل من النفط والتقيد بذلك من اجل رفع سعره إلى مستواه العالي السابق . وفي 25 حزيران وصل إلى الرياض حيث حث الملك فهد على تأييد موقف العراق وذلك لأن السعودية كانت في موقع يمكنها من العمل على تطبيق هذه الاستراتيجية .
وكان ابن سعود ، مؤسس المملكة العربية السعودية قد اعترف في عام 1930 أنه " فقير إلى حد لا يملك معه حجرا يركن رأسه إليه . وبعد ذلك بسنتين كان المورد الوحيد للمملكة التي أسسها بتوحيد القبائل البدوية هي رسوم الحج . وكانت هذه تنخفض في بعض السنوات بشكل يجر الدولة إلى حافة الافلاس . ودفعته الحاجة الملحة إلى مناشدة شركات النفط الكبرى وأكثرها بريطانية لاستغلال نفط بلاده وقال لرجل أعمال بريطاني : " سوف أمنحهم كل الامتيازات التي يريدونها مقابل مليون دولار . " وبالرغم من أن هذا المبلغ كان قليلا لدرجة لا تصدق فإن مناشدته لم تجتذب أحداً . فقد كان البترول متوافراً بكميات كبيرة وخصوصا من شركة النفط العراقية ، مما دفع شركات النفط الكبرى إلى الاتفاق على شيء واحد وهو أنه لا بد من إبقاء نفط السعودية في الأرض إذا أريد تجنب زيادة الفائض من النفط . وعليه فإنه لم يكن في شبه الجزيرة العربية شيء سياسي أو اقتصادي يثير الاهتمام .
وفي غضون خمسين سنة دار الزمن دورته وأصبحت السعودية قطباً بتروليا يستطيع بموارده الضخمة انتاج من ثمانية إلى عشرة ملايين برميل في اليوم . ولم يعد من الممكن اتخاذ أي قرار بشأن السياسة البترولية بدون السعودية . على أن الملك فهد ليس بالشخص الذي يتخذ قرارات سريعة أو جذرية . فمملكته مليئة بأصحاب الثروات الخاصة التي تبلغ 150 بليون دولار كسبوها بسهولة وسرعة تنعكسان في السياسات السعودية الإقليمية التي يشوبها الحذر وأحيانا التردد .
والملك فهد كغالبية افراد الأسرة الملكية يعتبر الكويتيين شعبا متغطرسا ينتهز كل فرصة للادعاء بأنه أقدر على التكيف من جيرانه السعوديين وأكثر تأثرا بالحياة الحديثة . وفي حين أن السعوديين كانوا منذ انشاء بلادهم يعتبرونها مسجدا كبيرا ويتجهون بأنظارهم إلى مكة فإن الكويتيين ركزوا أنظارهم في الغرب . وعليه فإن علائم القلق في الكويت لم تكن تزعج الملك فهد ، لكنه كان يعلم أن تهديدات صدام حسين قد تسقط في النهاية جميع الملكيات في المنطقة .
استقبل الملك فهد المبعوث العراقي سعدون حمادي في قصره واجتمع به مدة طويلة واستمع إلى مطالبه بانتباه . وانفرجت شفتا الملك البدين ذي اللحية القصيرة والعينين المتعبتين ( كعيون غالبية أفراد أسرته الذين يعانون من مرض وراثي ) عن ابتسامة لطيفة وحبذ فكرة دعوة الأوبيك إلى اجتماع خاص لإرساء نظام ثابت بين الأقطار المنتجة للنفط . ولكنه أضاف على الفور وباللهجة الودية الهادئة ذاتها أنه لا حاجة للاستعجال . ويمكن لوزراء الدول النفطية بحث المسألة عندما يجتمعون في جنيف في الشهر التالي . وحتى ذلك الحين من الأفضل ترك الأمور على حالها .
وكان الملك بطيئا في كلامه وعمله إلى حد أن الوقت لديه قد يطول إلى ما لانهاية . أما العراقيون فكان الشيء الذي ينقصهم هو الوقت , وعليه فكان من الصعب عليهم قبول رد الملك.
وذكّر سعدون حمادي الملك والشيخ زايد بالبلايين العشرة التي طلبها صدام حسين . لكنهما تهربا من الدخول في صلب الموضوع . وعندما توقف في الكويت طلب الشيء ذاته من الأمير جابر فأجابه هذا بقوله : " لكن هذان غير معقول . فليس لدينا ذلك المبلغ من المال .
وكان حمّادي خلال النقاش يحمل صفحتين مطبوعتين على الآلة الكاتبة فيهما قائمة مفصلة بالأموال الكويتية المستثمرة في العالم والبالغة 100 بليون دولار . وعندما اطلع الأمير على ما فيها اقترح أن يدفع مبلغ خمسمائة مليون دولار ثلاث سنوات كصدقة على العراق ، وقال : " دعونا نتحدث أولا عن الحدود . وعندما نوقع الاتفاق نتحدث عن الأمور الأخرى " .
ولم يكد سعدون حمادي يصل إلى بغداد حتى بلغه أن وزير النفط في الكويت صرح بأن بلاده سوف تواصل إنتاج كمية النفط الاضافية حتى أكتوبر . وأدى هذا التصريح ورفض السعودية الدعوة إلى عقد اجتماع خاص للأوبيك إلى اقناع صدام حسين بأن هناك كما قال لأحد زملائه " محاولة لتركيع العراق " .
وفي 16 تموز وصل طارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى تونس للمشاركة في اجتماع القمة الذي دعت إليه جامعة الدول العربية . وطارق عزيز في الستين من عمره وله شاربان كثيفان ونظارتان سميكتان . وهو من المسيحيين القلائل الذين احتلوا مراكز عالية في الجهاز الحاكم . (واسمه الحقيقي يوحنا ) . وهو دمث الطباع ويستطيع تبليغ الرسائل العدائية بلباقة وتهذيب . وإذ كان سفير صدام الذي ينقل أفكاره إلى مختلف الجهات في العالم فقد مثل العراق أكثر المفاوضات دقة سواء في المحادثات مع الأقطار الأوروبية لإعادة جدولة الديون أو في الضغط من أجل الحصول على قروض أخرى لشراء الأسلحة . وكان في هذا كله يعبر عن أفكار صدام ورغباته بحماسة شديدة ومهارة ، وأحيانا بقسوة .
وكان الهدف من اجتماع القمة هو الحصول على تأييد الدول العربية لمنظمة التحرير . فبعد أن حمل عرفات منظمة التحرير على اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً من إسرائيل ويقضي بالاعتراف بها والدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأميركية ، اخذ يشعر مرة أخرى بالعُزلة . وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت المحادثات مع المنظمة رداً على هجوم قام به أبو العباس في 30 مايو على الشاطئ الإسرائيلي . وأبو العباس هذا هو الذي سبق له أن قام بنشاطات مشابهة عندما دبر في عام 1985 خطف السفينة الإيطالية " أكيل لورو " . ومع هذا فإنه ظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني . فأصرت الولايات المتحدة على أن يقوم عرفات بطرده وشجب هجومه ، ولكنه لم يفعل .
ومما أغضب عرفات عدم حضور دول عربية كثيرة الاجتماع المقرر في ذلك اليوم لكن حضور طارق عزيز لم يكن مفاجئا . فرئيسه صدام كان قد لعب دوراً مهما في إقناع عرفات بتبني الاعتدال والدخول في محادثات مع الولايات المتحدة. وهاجم عرفات في خطابه بعض الدول التي لم تشارك في الاجتماع وخصوصا السعودية ومصر . وختم خطابه بقوله :
" إن القضية خطيرة ولكن كثرة من الدول العربية لا تكترث لها . ترى ما الذي تفعله ؟ هل تقوم بتحديد أسعار البطاطا " .
قال عرفات هذا وخرج من القاعة وانتهى الاجتماع . فذهب طارق عزيز إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي وقال له : " لقد أحضرت معي مذكرة مهمة ينبغي توزيعها على الأعضاء . ولا بد من الاجتماع في صباح الغد " فوافقه القليبي والتقى وهو خارج بمروان القاسم ممثل الأردن فأخبره عن المذكرة وقال :
" نحن مقتنعون بأن بعض الدول تتآمر بالفعل علينا . ولكن اود أن أقول لك بأن بلادي لن تركع وأن نساءنا لن يجبرن على التحول إلى حومات وأن اولادنا لن … يحرموا من الطعام " .
وصدم مروان القاسم ، وقال لعزيز : " حاذر أن تقع في الشرك الذي نصب لك " . ولم يقل عزيز شيئا وخرج .
وفي صباح 17 يوليو حضر طارق عزيز إلى مكتب أمانة الجامعة ومعه سفير العراق إلى تونس ، وقدم المذكرة للقليبي الدبلوماسي التونسي المتزن الذي يبدو كمفكر خجول . وجاءت المذكرة صدمة له لأنها كانت في حقيقتها اعلان حرب حقيقية على الكويت . فالشكوى فيها لم تقتصر على تجاوز الحد في انتاج النفط بل تجاوزت ذلك إلى اتهام الكويت بإقامة نقاط عسكرية على الأراضي العراقية وسرقة ما يساوي 4 و 2 بليون دولار من النفط الذي تستخرجه من حقل الرميلة العراقي . واتهمت المذكرة الكويت والإمارات العربية صراحة بأنهما ضالعان في " مؤامرة صهيونية استعمارية على الأمة العربية " .
وقرر القليبي أن يحاول التريث في توزيع المذكرة . وقال لعزيز بأنه في حاجة إلى 24 ساعة يجري خلالها مشاورات مع الكويت والسعودية قبل أن يقوم بتوزيعها . وأضاف أنه يرغب في أن يتحدث إلى صدام . فقال عزيز : " ليس باستطاعتك التحدث إليه الآن لأنه في طريقه إلى القاء خطاب سوف يشتمل على بعض التهديدات الموجودة في المذكرة . ولم يعلم بذلك إلا في وقت لاحق من ذلك اليوم . والواقع أن طارق عزيز لم يكن هناك للمفاوضة ، بل لتنفيذ أوامر صارمة من صدام . فانتهى الاجتماع .
وبعد أن خرج عزيز قام على الفور بإرسال نسخة من المذكرة للسفارة الكويتية بتونس . وبعد ذلك بساعة اتصل السفير الكويتي بالقليبي وسأله عما إذا كان سيوزع المذكرة . فاجابه القليبي بأنه ليس أمامه خيار آخر . وطلب من السفير أن يبلغ ذلك إلى وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح وأنه يود أن يتحدث مع أمير الكويت وولي العهد .
وعندما تسلم الشيخ صباح المذكرة أصابه كما يقول شاهد عيان ذهول شديد فالعراقيون يتهمونه بأنه عميل يتقاضى أموالا من الأميركيين . فقرر أن يلغي جميع مواعيده .
* * *
منذ أواخر شهر مايو أخذ العاملون في أسواق هونغ كونغ وسنغافورة المالية يحسون بتحركات غير عادية . فمكتب الاستثمارات الكويتية بلندن وهو هيئة مقرها لندن وتدير استثمارات الكويت العالمية الضخمة كان قد أخذ يبيع بعض ممتلكاته الكبرى بلا سبب ظاهر . ولم تكد تمضي بضعه أيام على اجتماع تونس الذي ابتدأ في 19 يوليو بدأ المكتب عملية تصفية كاملة لاستثماراته الآسيوية وتحويلها إلى سيولة نقدية . وكان رجال الأعمال الكويتيون يتصرفون بسرعة وبكثير من الحكمة لكي لا تتسرب أخبار أعمالهم فتحدث ما يشبه الانهيار في الأسواق التي تحتل الأموال الكويتية فيها موقعا مهما .
* * *
وفي 17 يوليو وبينما كان طارق عزيز مجتمعا مع الشاذلي القليبي كان يجري الاحتفال بالعيد السنوي للثورة العراقية . واعتلى صدام حسين المنصة وحوله أعضاء مجلس قيادة الثورة بزيهم العسكري . وجرت العادة كلما ظهر الرئيس أمام الجمهور أن يضرب حصار شبه كامل على بغداد . لكن تدابير الأمن في ذلك اليوم كانت أشد من أي وقت مضى . قال صدام في خطابه الذي أذيع فيما بعد :
" يعود الفضل إلى اسلحتنا الجديدة في أن الامبرياليين لن يستطيعوا بعد الآن شن هجوم عسكري علينا . ولهذا اختاروا شن حرب عصابات اقتصادية بمساعدة عملائهم من زعماء دول الخليج . فسياستهم التي ترمي إلى الابقاء على أسعار البترول المنخفضة خنجر مسموم مغروز في ظهر العراق " .
وفي ذلك اليوم نفسه بدأت طلائع القوات العسكرية العراقية بالتحرك باتجاه الحدود الكويتية . وفي وقت متأخر من بعد ظهر 18 تموز اجتمعت الوزارة وبدا التوتر على وجوه الوزراء وهم يخرجون من سيارات الليموزين والشمس تنحدر نحو المغيب . فالتهديد كان هناك ، ولا يبعد سوى بضعة أميال ، وتمثل في دبابات ت 62 التي كانت في طريقها إلى بلادهم . ولكن بالرغم من شعورهم بالخطر كان أكثرهم يفضل أن لا يصدق بأن وقت الانقاذ قد فات .
كان آخر من وصل هو الأمير جابر يرافقه ولي العهد ورئيس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح . وكان الأمير قد عاد لتوه من السعودية حيث عرض الملك وساطته . فتداول في الأمر مع رئيس وزرائه قبل الاجتماع . ورأى كل منهما أن العراق قد يهاجم الكويت لكنهما اعتقدا أن العملية ستنحصر في المنطقة الحدودية المتنازع عليها . وعليه فإنه لم يخطر ببالهما أن الكويت مجرد فاصلة على وجه الزوال .
كان الغرض من اجتماع الوزارة الاتفاق على صيغة الرد على مذكرة طارق عزيز التي اتهم فيها الكويت بسرقة ما قيمته 4 , 2 بليون دولار من النفط العراقي . لكن الكلمات التي ألقيت لم تكشف عن القلق والفوضى الكبيرين اللذين كان كل منهم يشعر بهما . كان أول المتكلمين هو الشيخ علي خليفة الصباح وزير النفط السابق ووزير المالية الحالي المغامر الذي يتصرف كرجال البنوك الغربيين ويتمتع بالاحترام في الأوساط المالية الدولية . قال :
" أعتقد أن العراق يحاول إنقاذ اقتصاده ويحمل دول الخليج مسؤولية فشله . لكن ينبغي أن لا نخدع انفسنا . فالعراق لن يتغير حتى بعد اجتماع الأوبيك في جنيف . وسوف يتواصل التصعيد".
وهز عدد من الوزراء رؤوسهم علامة على موافقتهم على ما قاله . لكنه تقدم باقتراح أقل واقعية فاقترح أن يصدر الحل عن مجلس التعاون الخليجي ، وهو هيئة دفاعية تضم الكويت والإمارات العربية المتحدة وعُمان وقطر والبحرين والسعودية أي جميع الدول التي وصفها العراق بأنها اعداء له .
وأصر بعض الوزراء كالوزير المسؤول عن البرلمان والوزير المسؤول عن شؤون الوزارة على أن الغرض الوحيد للتهديدات العراقية هو " ابتزاز المال بل ابتزاز الكثير منه من الكويت ." حتى ان أحدهم أضاف يقول : " علينا أن نحتفظ بهدوئنا . " وذهب سليمان المطوع وزير التخطيط إلى حد القول بأن المذكرة " علامة ضعف من السهل الرد عليها " .
على أن هذه الآراء لا تمثل وجهة نظر الأغلبية الذين عبر عن رأيهم وزير الدفاع عندما قال : إنه لا يكفي أن نرفض اتهامات العراق بقولنا إن العراقيين حشدوا قواتهم على الحدود . فكان ما ينبغي معرفته كما قال الأمير هو مدى جدية التهديد العراقي . وقال الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير الشؤون الخارجية الذي أذهلته مذكرة طارق عزيز وما جاء فيها من اتها مات " إن العراق قد يهاجم الكويت وإن الوضع على الحدود متفجر ، وإننا نجري محادثات مكثفة مع إخواننا في مجلس التعاون الخليجي " .
كلمة واحدة كانت على كل لسان : المفاوضة . كانت الأمل الأخير لتفادي الكارثة . لكنهم نسوا الاجتماعات الكثيرة بين مبعوثي العراق والكويت ورفض الكويتيين من حين إلى آخر ولكن بكل حزم مطالب العراقيين . وعلى أي حال فإن ولي العهد قال :
" أعتقد أن العراقيين قد يقومون بعمل عسكري ولكن العملية سوف تنحصر في الحدود في منطقتي الرتقة وأم قصر " .
وعندما أشرف الاجتماع على نهايته كان الحاضرون قد شعروا بالاطمئنان ولم تُلفت نظرهم كثيراً أهم كلمات قيلت في الاجتماع وهي كلمات وزير الدفاع الذي قال :
" ليست المذكرة العراقية سوى البداية . فالله وحده يعلم إلى أي حد سوف يذهبون . فمسألة أسعار النفط لا تخرج عن كونها حجة . فالواقع أن العراق هو الذئب ونحن الحمل " .
وعندما تحول المجتمعون إلى مناقشة الجوانب الاقتصادية اختلطت عليهم الأمور فهل كان عليهم أن يستجيبوا لطلب العراق عشرة بلايين دولار وإلغاء جميع الديون ؟
لم يتخذوا قرارا بشأن هذا الموضوع بالرغم من أن الوضع لم يكن يحتمل التأجيل . وعهد إلى الشيخ صباح الأحمد بالدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي وذلك للدعوة إلى جامعة الدول العربية . لكن لم تتخذ أية إجراءات عسكرية .
وفيما كان الاجتماع منعقداً تلقى الشاذلي القليبي في تونس رسالة تبلغه أن الحكومة الكويتية سترسل إليه طائرة سويسرية خاصة لتنقله إلى الكويت للاجتماع بزعمائها . وحال وصوله إلى الكويت دعي إلى القصر لمقابلة الأمير . وأبلغه الأمير أنه فوجئ تماما بمذكرة طارق عزيز التي كانت قد قدمت له بتونس قبل أيام . ثم قال :
" ما هي المشكلة ؟ إن المذكرة قاسية ، ولا صحة لما ورد فيها . لقد قدمنا لصدام حسين الكثير من المال والنفط خلال الحرب مع إيران " .
وفيما بعد قال أحد رجال الأمير للقليبي بأن الكويت قدمت إلى العراق خلالها 17 بليون دولار وكانت تزوده ب 000 , 300 برميل من النفط يوميا . وقيل له أيضا إن هذه المعلومات لم تنشر من قبل خوفا من غضب إيران وخلق المشكلات . وعند نهاية الاجتماع قال الأمير للقليبي : " حاول أن تحل المشكلة . نحن على استعداد لحل المشكلة بطريق الحوار " .
وقرر القليبي أن يقوم بزيارة بغداد . لكن بينما كان يهم بمغادرة الفندق علم أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية في طريقه إلى العاصمة العراقية . فقرر أن يبقى في الكويت ثقة منه بأن الأمير سعود الفيصل سوف يتوقف في الكويت ويخبره بما جرى في اجتماعاته مع صدام حسين .
لكن الذي لم يُطلع الكويتيون القليبي عليه هو شيء آخر كانوا يفكرون فيه . فمن المرجح أنهم كانوا يعتقدون بأن الورقة الأخيرة في أيديهم هي دعم الولايات المتحدة لهم . ذلك انهم اولا لم ينسوا أن الأميركيين سمحوا لهم خلال الحرب العراقية الإيرانية أن يرفعوا الأعلام الأميركية على ناقلاتهم . وأن ذلك كان بمثابة دليل على وقوفها إلى جانبهم . وهناك وثيقة غريبة مؤرخة في 22 نوفمبر 1989 يدعي العراقيون أنهم عثروا عليها في وزارة الخارجية الكويتية في أعقاب استيلائهم على الكويت . لكن بيتر ايرنست الناطق باسم وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) أصدر في 30 تشرين أول 1990 تصريحا وصف فيه الوثيقة بأنها مزورة . لكنه اعترف في تصريحه بأن الشيخ الصباح نائب مدير أمن الدولة الكويتية قام في نوفمبر 1989 كما تقول الوثيقة بزيارة للقاضي وليم وبستر مدير الوكالة . على أن الحكومة العراقية واصلت القول بأن الوثيقة صحيحة . ومهما يكن من أمر صحتها فإنها وثيقة طريفة .
إن هذه الوثيقة عبارة عن مذكرة قيل إن فهد أحمد الفهد مدير أمن الدولة الكويتية أرسلها إلى وزير الداخلية وتقول الفقرة الخامسة منها :
" إتفقنا مع الجانب الأميركي على أهمية الاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في العراق لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لرسم الحدود المشتركة . وقد أطلعتنا وكالة الاستخبارات المركزية على وجهة نظرها حول الوسائل المناسبة للضغط قائلة بأنه لا بد من إرساء التعاون بيننا على نطاق واسع بشرط أن يجري تنسيق النشاط على المستويات العليا " .
ويشير مدير أمن الدولة أيضا أنه قام بزيارة لوانشطن استغرقت ستة أيام . ( 12 18 نوفمبر ) وعقد خلالها عدة اجتماعات سرية للغاية مع كبار المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الذين عبروا عن عدم رضاهم عن أداء الحرس الأميري المكلف بحماية الأمير . وكان الأمير قد تعرض لمحاولات لاغتياله . وتقول المذكرة بان الوكالة أيدت استعدادها لتدريب 123 شخصا تختارهم السلطات الكويتية لكي يقوموا بعد ذلك بحماية الأمير وولي العهد .
ترى هل تجاوز الكويتيون الحد لأنهم كانوا على يقين من أن واشنطن لن تتخلى عنهم ؟ كان زعماؤهم واثقين من الدعم الأميركي منذ زمن طويل وخصوصاً منذ عام 1987 أي منذ أواسط فترة الحرب العراقية الإيرانية عندما رفعت الأعلام الأميركية على ناقلاتهم لحماتيها .
وفي ذلك الوقت تماماً أعلن البرلمان العراقي قراره الذي اتخذ بالإجماع برئاسة صدام حسين مدى الحياة .
* * *
في 24 تموز وصلت أخبار إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) مفادها أن فرقتين عراقيتين غادرتا قواهما للتمركز على الحدود الكويتية .
وفي صباح ذلك اليوم وصل حسني مبارك إلى بغداد في مهمة وساطة . ولم يكن اختيار الجامعة العربية له الأفضل نظرا للشكوك المتبادلة بين صدام حسين وبينه . ومهما يكن من أمر فإن صدام حسين قال له :
" لن استخدم القوة … لن استخدمها قبل استنفاد جميع الإمكانات عبر المفاوضات . لكن يا أخ مبارك لا تقل هذا للكويتيين لأنه لن يزيدهم إلا غروراً " .
وفي اعقاب هذا مباشرة غادر مبارك العراق إلى الكويت حيث أبلغ بعض ما سمعه إلى الأمير . قال له : " لا تقلق يا صاحب السمو فقد سمعت من صدام نفسه أنه لن يرسل قوات وأنه لا يعتزم مهاجمة الكويت ." وهكذا فإنه لم يضف إلى ذلك عبارة " قبل إستنفاد جميع الامكانات عبر المفاوضات " . ونقل مبارك العبارات المجتزأة ذاتها لواشنطن .
* * *
وفي 25 تموز استدعى صدام ابريل غلاسبي السفيرة الأميركية . ولما كانت قد أبلغت بموعد المقابلة قبل ذلك بساعة فقط فإنه لم يكن لديها الوقت الكافي لإبلاغ وزارة الخارجية بواشنطن والتزود بتعليماتها . وأدخلت السفيرة على الرئيس العراقي في الساعة الواحدة بعد الظهر . وبدا عليها التوتر وهي تهم بإجراء مقابلتها الخاصة الأولى معه . وجاء الحديث الذي جرى بينهما مفاجئا وحتى مزعجا . واستطاعت شبكة " إي بي سي " الحصول على تسجيل للحديث الذي يعتبر وثيقة كبرى بالنظر إلى ما يشتمل عليه من دلالات بعضها غير عفوي ولكن تستحق أن نوردها *
حضر المقابلة طارق عزيز . واستهلها صدام بالترحيب بغلاسبي ودعاها إلى الجلوس قائلا : " لقد استدعيتك لإجراء حوار سياسي شامل معك ، وفيه رسالة موجهة إلى بوش " . قال صدام :
" تعلمين انه لم يكن هناك علاقات بيننا وبين الولايات المتحدة إلى عام 1984 . كما أنك تعرفين الظروف والأسباب التي أدت إلى قطع العلاقات . على أن قرار استئناف العلاقات اتخذ عام 1980 أي خلال الشهرين اللذين سبقا حربنا مع إيران .
" وعندما بدأت الحرب ولتجنب أي سوء تفسير أجّلنا إقامة العلاقات على أمل أن تنتهي الحرب في الحال .
" فلما تبين أن الحرب ستطول ، وللتأكيد على أننا دولة غير منحازة ، كان من المهم أن نعيد إقامة علاقاتنا بالولايات المتحدة . وكان هذا في عام 1984 .
" ومن الطبيعي القول بأن الولايات المتحدة ليست كبريطانيا مثلا . ذات العلاقات التاريخية مع الشرق الأوسط ، بما فيه العراق . ثم إنه لم تكن هناك علاقات بين العراق والولايات المتحدة بين عامي 1967 و 1984 . ويمكن للمرء أن يستنتج أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى تفاهم تام مع العراق حول كثرة من الأمور . على أنه عندما جرى استئناف العلاقات كنا نأمل في تفهم أفضل وفي تعاون أفضل لأننا أيضا لا نفهم خلفيات كثرة من القرارات الأميركية.
" وتعامل أحدنا مع الآخر خلال الحرب وعلى مستويات مختلفة أهمها مستوى وزيري الخارجية . وكنا نأمل في تفاهم مشترك أفضل وفي فرصة أكبر للتعاون وذلك لفائدة شعبينا وباقي الأمم العربية . لكن هذه العلاقات أصيبت بشروخ . ووقع الأسوأ منها في عام 1986 وبعد سنتين فقط من إرساء تلك العلاقات خلال ما يعرف " بإيران غيت " التي وقعت سنة احتلال إيران لشبه جزيرة الفاو .
" ومن الطبيعي القول بأن قدم العلاقات وتعقد المصالح المتبادلة قد يمتصان الأخطاء . لكن عندما تكون المصالح محدودة والعلاقات حديثة العهد فإن التفاهم يصبح سطحيا وقد تؤدي الأخطاء إلى نتائج سلبية . وقد يحدث أحيانا أن يكون تأثير الخطأ اكثر خطورة من الخطأ ذاته .
" وبالرغم من ذلك فإننا قبلنا اعتذار الرئيس الأميركي عبر موفده عن " إيران غيت " وأزلنا جميع الشوائب . وينبغي علينا أن لا نستعيد الماضي إلا عندما لا تكون الأخطاء الماضية وليدة والصدفة.
" وتزايدت شكوكنا بعد تحرير الفاو . فقد أخذت وسائل الإعلام الأميركية تدس أنفها في سياسة بلادنا . ودفعتنا الشكوك إلى التساؤل عما إذ كانت نتيجة الحرب وتحريرنا لبلادنا قد أقلقا الولايات المتحدة .
" وكان من الواضح لنا أن تحريرنا لبلادنا لم يرُق لبعض الجهات في الولايات المتحدة . وليست أشير بهذا إلى الرئيس الأميركي نفسه بل إلى جهات معينة على صلة بدوائر الاستخبارات ووزارة الخارجية باستثناء وزير الخارجية . وبدأت بعض الجهات تعد دراسات بعنوان " من سيخلف صدام حسين ؟ " وأخذت تتصل بدول الخليج وتثير مخاوفها من العراق وتقنعها بعدم تقديم المساعدات الاقتصادية له . ولدينا شواهد على نشاطها هذا .
" لقد خرج العراق من الحرب وعليه دين قدره 40 مليار دولار . ولا يشمل هذا المبلغ المساعدات التي قدمتها الدول العربية . ومما يذكر أن بينها دول لا تعتبر المساعدات دينا مع أنها تعلم كما تعلمون أنتم أنه لولا العراق لما كانت لديها تلك المبالغ ، ولما كان مصير المنطقة على النحو الذي نراه .
"وبدأنا نواجه سياسة تخفيض أسعار النفط . ثم رأينا الولايات المتحدة التي تتحدث دائما عن الديمقراطية لا تعير وجهة نظر غيرها أي اهتمام . ثم بدأ الإعلام الرسمي الأميركي حملته على صدام حسين . واعتقدت الولايات المتحدة أن الوضع في العراق كالوضع في بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا . لقد أثارت هذه الحملة قلقنا ولكننا لم نبادر إلى الرد لأننا كنا نأمل أن تتاح الفرصة لصانعي القرار في أميركا للوقوف على الحقائق ومعرفة ما إذا كان للحملة الإعلامية أي تأثير شعب العراق . كنا نأمل في أن تبادر السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن علاقاتها مع العراق . فالعلاقات الجيدة تساعد على تجاوز الخلافات .
" لكن عندما تقضي السياسة المرسومة بتخفيض سعر النفط بدون سبب تجاري معقول ، فإن ذلك يعني شن حرب أخرى على العراق . فالحرب العسكرية تقتل الناس بإسالة دمائهم ، والحرب الاقتصادية تدمر إنسانيتهم بحرمانهم من فرصة التمتع بمستوى حياتي لائق . وإننا كما تعلمون نزفنا انهاراً من الدم في الحرب التي دامت ثماني سنوات لكننا لم نفقد إنسانيتنا . وللعراقيين الحق في العيش بكرامة ولا نسمح لأحد بأن ينال من كرامتهم أو من حقهم في الاستمتاع بمستوى حياتي عال .
" لقد كانت الكويت والإمارات على رأس واضعي هذه السياسة التي استهدفت النيل من مكانة العراق وحرمان شعبها من المستويات الحياتية العالية . وأنتم تعلمون أن علاقاتنا مع الإمارات والكويت كانت قبل ذلك جيدة . وفوق هذا كله وبينما كنا غارقين في الحرب أخذت الكويت تتسع على حساب أرضنا ".
* * *
وهنا أخذ صدام يشير بوضوح إلى الكويت بوصفها هدفه الرئيسي . قال :
" قد تقولون بأن هذا مجرد دعاية . لكنني الفت نظركم إلى الوثيقة التي تحدد خط الدوريات العسكرية الذي يشكل الحدود التي صدقت عليها جامعة الدول العربية عام 1961 . لقد نصت الوثيقة على أنه لا يجوز اختراقها .
" اذهبي وشاهدي بنفسك ما يجري . سترين دوريات الحدود والمزارع والمنشآت النفطية الكويتية قائمة في أقرب نقطة من الحدود وذلك لإثبات أن تلك الأراضي كويتية .
" ومنذ عام 1961 والحكومة الكويتية مستقرة ، في حين أن الحكومة العراقية تعرضت لتعديات كثيرة . وحتى بعد عام 1968 (الذي استولي فيه البعث على الحكم ) وطيلة عش سنوات كنا غارقين في مشكلاتنا مثل مشكلة الأكراد في الشمال ومشكلة حرب أكتوبر وغيرهما .
" إننا نعتقد أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تفهم أن الشعب الذي يعيش في رخاء وأمن اقتصادي يمكنه أن يتوصل إلى تفاهم معها حول المصالح المشتركة المشروعة لكن الشعب الجائع والمحروم اقتصاديا لا يستطيع ذلك .
" إننا لا نقبل تهديدا من أحد لأننا لا نهدد أحداً . ونقول بوضوح بأننا نأمل في أن لا تكثر الولايات المتحدة من الأوهام وأن تسعى إلى كسب الأصدقاء لا إلى زيادة أعدائها .
" لقد قرأت تصريحات أميركية عديدة عن أصدقائها في المنطقة . وبالطبع من حق الجميع ان يختاروا أصدقاءهم ولا اعتراض لدينا على ذلك . ولكنكم تعرفون جيداً انكم لستم الذين حميتم هؤلاء الاصدقاء خلال الحرب مع إيران . وأستطيع التأكيد لكم أنه لو اكتسح الإيرانيون المنطقة لما كان في استطاعة القوات الأميركية وقفهم إلا باستخدام الأسلحة النووية .
" ما اقوله لا يهدف إلى التقليل من شأنكم وانما انا آخذ بعين الاعتبار العوامل الجغرافية وطبيعة المجتمع الأميركي التي ترفض التضحية بأكثر من عشرة آلاف قتيل في المعركة الواحدة .
" تعلمون أن إيران قبلت بوقف اطلاق النار . ولكن لم يحصل ذلك بسبب قصف الولايات المتحدة لمنشأة نفطية إيرانية واحدة ، وانما حصل بعد تحرير الفاو . أهكذا يكافأ العراق لأنه ساهم في تامين استقرار المنطقة وقام بحمايتها من مدِّ لا مثيل له ؟
" ثم ماذا تعني أميركا عندما تقول الآن بأنها ستحمي أصدقاءها ؟ ليس لذلك معنى سوى التحامل على العراق .
" أقول لكم بوضوح إننا سوف نحصل على كل حق من الحقوق الواردة في المذكرة . وقد لا يحدث هذا الآن أو خلال شهر أو بعد سنة لكننا سنحصل عليها كلها . لسنا بالشعب الذي يتخلى عن حقوقه . فليس هناك حق تاريخي أو حاجة تبرر قيام الإمارات والكويت بحرماننا من حقوقنا . وإذا كانت هاتان الدولتان في حاجة إلى ذلك فنحن أحوج منهما إليه .
" ينبغي أن يكون لدى الولايات المتحدة تفهم أفضل للوضع . وعليها أن تذكر اولئك الذين تريد أن تقيم معهم علاقات وأن تقول من هم أعداؤها . وعليها أن لا تعتبر أحدا عدوا لا لسبب إلا لأنه يختلف معها في الرأي حول النزاع العربي الإسرائيلي .
" إننا نفهم بوضوح قول أميركا بأنها تريد تأمين تدفق سهل للنفط . ونفهم أميركا عندما تقول بأنها تسعى إلى صداقة دول المنطقة ، وترغب في تعزيز المصالح المشتركة . لكن ما لا نفهمه هو أن تقوم أميركا بتشجيع بعض الجهات على الحاق الضرر بمصالح العراق .
" إن الولايات المتحدة تريد أن تضمن تدفق النفط . هذا مفهوم . لكن ينبغي عليها أن لا تستخدم أساليب ثم تنكرها . إن ذلك من قبيل ليّ العضلات والضغط . فإذا استخدمتم الضغط فسوف نستخدم الضغط والقوة .
" إننا نعلم أنه باستطاعتكم إلحاق الضرر بنا حتى ولو لم نهددكم . لكن باستطاعتنا أيضا أن نلحق الضرر بكم ففي وسع كل شخص أن يسبب ضررا يتناسب مع قوته وحجمه . ليس باستطاعتنا أن نزحف على بلادكم لكن باستطاعة الأفراد من العرب الوصول إليكم .
* * *
وهنا ضرب صدام حسين بالمجاملات الدبلوماسية عرض الحائط وأخذ يهدد الولايات المتحدة بموجة من الهجمات الارهابية . ولكي يجعل الأمور أكثر وضوحا قال :
" في استطاعتكم المجيء إلى العراق ومعكم الصواريخ والطائرات لكن لا تدفعونا إلى الحد الذي لا نعود عنده نهتم بما يحدث . وعندما نشعر بأنكم تريدون جرح كرامتنا وحرمان العراق من فرصة تحقيق مستوى حياتي أفضل فإننا لن نأبه لشيء وسيكون خيارنا الموت . ولن نخاف عندئذ إذا أطلقتم مئة قذيفة مقابل كل قذيفة من قذائفنا . فالحياة بلا كرامة لا قيمة لها .
* * *
وكان هذا تهديداً للرئيس بوش بأن صدام حسين مستعد لمحاربة أميركا بالرغم من أنه كان يعلم أنه يرجح أن يخسر المعركة . وأضاف يقول :
" ليس من المعقول أن يًطلب من الشعب العراقي نزف أنهار من الدم خلال الاعوام الثمانية الماضية ثم يُقال له : عليك الآن أن تقبل بعدوان الكويت والإمارات العربية والولايات المتحدة وإسرائيل . نحن لا نضع جميع هذه البلدان في سلة واحدة . ومما يؤذينا ويزعجنا أن تكون هناك خلافات بيننا وبين الكويت والإمارات . لكن ينبغي أن يكون الحل في الإطار العربي وعبر العلاقات الثنائية المباشرة . نحن لا نضع الولايات المتحدة أيضا في خانة الأعداء . نحن نضعها في الموقع الذي نريده لاصدقائنا ونبذل الجهد كي تكون في عداد أصدقائها . ولكن تصريحاتكم المتكررة في العام الماضي تظهر جليا ان أميركا لا تعتبرنا اصدقاء لها ، حسنا ، فهم أحرار فيما يفعلون .
" وعندما نبحث نحن عن الصداقة فإننا نطلب الشرف والحربة وحق الاختيار . وكما نريد التعامل مع غيرنا على مستوانا ، نتعامل مع الآخرين على مستواهم . نحن نأخذ مصالحنا ومصالح الآخرين بعين الاعتبار ونطلب من الغير مقابلتنا بالمثل . ماذا يعني استدعاء وزير الدفاع الصهيوني ، هذه الأيام ، إلى الولايات المتحدة الأميركية ؟ وما هو معنى التصريحات النارية لإسرائيل مؤخراً ؟ وماذا يعني تكاثر الحديث عن الحرب إلى درجة لا مثيل لها ؟ " .
* * *
يبدو واضحا أن الرئيس صدام كان لا يزال يعاني من صدمة ضرب مفاعل اوزيراك النووي . فلم يتردد عن الإفصاح عن مخاوفه من هجوم إسرائيلي وشيك وربما بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وقال :
" نحن لا نريد الحرب لأننا نعرف ما تعنيه . لكن لا تدفعونا إلى اعتبارها الحل الوحيد للعيش في كرامة وعلى مستوى حياتي لائق .
" نحن نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلاح النووي . ولكننا مصممون على العيش بكرامة أو الموت حتى آخر فرد فينا. ولا نعتقد أنه يوجد شخص واحد في العالم لا يفهم ما أعنيه . نحن لا نطلب منكم حل مشاكلنا . لقد قلت إن المشاكل العربية تحل بين العرب وإنما المطلوب منكم عدم تشجيع أحد على فعل لا يقوى على تحمل عواقبه . ولا أعتقد بأن صداقة العراق تؤذي أحدا . وفي رأيي أن الرئيس بوش لم يقترف أخطاء مع العرب ، مع اعتقادي بخطأ تجميد الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . ويبدو أنه اتخذ هذا القرار لتهدئة اللوبي الصهيوني أو أنه كان جزءا من استراتيجية ترمي إلى استيعاب الغضب الصهيوني قبل إعادة الحوار من جديد مع منظمة التحرير . وأتمنى ان يكون الاستنتاج الثاني هو الصائب . على أننا سنظل نعتبره قرارا خاطئا .ترى متى سيأتي الوقت الذي تمتدحون العرب فيه مرة واحدة مقابل كل ثلاثة تصريحات تصدرونها لإرضاء الصهيونية . ومتى ستسعى البشرية إلى حل أميركي يقيم التوازن بين حقوق مئتي مليون من البشر وبين حقوق ثلاثة ملايين يهودي .
" نحن ننشد الصداقة ولكننا لا نجري وراء أحد من أجلها , وكذلك فإننا نرفض العدوان المسلح أيا كان مصدره . وإذا جوبهنا بالعدوان فإننا سنقاوم . وهذا حقنا سواء أجاء العدوان من أميركا أم من الإمارات أو الكويت أو إسرائيل . لكنني لا أضع هذه الدول على مستوى واحد . فإسرائيل اغتصبت الأرض العربية بمساعدة الولايات المتحدة . ثم ان الكويت والإمارات لا تؤيدان إسرائيل , وعلى أي حال فإنهما تظلان عربيتين . لكن عندما تحاولان إضعاف العراق فإنهما انما تساعدان بذلك الأعداء وللعراق الحق عندئذ في الدفاع عن نفسه " .
* * *
وهنا ولكي يزيد من كلامه أعاد إلى الذاكرة حدثين سابقين من شأنهما أن يساعدا الولايات المتحدة على التفكير ، فقال :
" التقيت في عام 1974 بإدريس ابن الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البرازاني . وجلس عندئذ على الكنبة ذاتها التي تجلسين عليها الآن . جاء عندئذ ليطلب مني تأجيل تطبيق الحكم الذاتي في كردستان العراقية الذي اتفق عليه في 11 مارس 1970 . وكان جوابي له : " إننا مصممون على الوفاء بالتزاماتنا . وعليكم انتم أيضا أن تلتزموا بالاتفاق . " وعندما أحسستُ بأن لديه نوايا عدوانية قلت له : " بلغ تحياتي لأبيك وقل له بأن صدام حسين يقول ما يلي . " ثم أطلعته على ميزان القوى مدعما بالإحصائيات تماما كما فعلت مع الإيرانيين في رسائلي المفتوحة لهم خلال الحرب وختمت حديثي معه بتلخيص العواقب بجملة واحدة وهي " إذا حاربنا فإننا سننتصر " أتعرفين لماذا ؟ شرحت له جميع الأسباب بما فيها السبب السياسي . فالأكراد ( في عام 1974 ) كانوا يعلقون الآمال على خلافاتنا مع شاه إيران . وكان سبب النزاع مع إيران هو مطالبها في شط العرب . ولم نكن على استعداد للقيام بتنازلات . لكن لو أجبرنا على الاختيار بين
نصف شط العرب وبين العراق كله فإننا نتنازل عن شط العرب للحفاظ على العراق كما نريده .
" ونحن نأمل أن لا تدفعوا الأحداث إلى الحد الذي نجد فيه أنفسنا مضطرين إلى تذكر الاختيار الذي اضطررنا له في علاقاتنا مع إيران . وبعد اجتماعنا مع ابن البرازاني تنازلنا عن نصف شط العرب ( بموجب اتفاق الجزائر عام 1975 ) . وتوفي البرازاني ودفن خارج العراق وخسر الحرب .
* * *
ثم توجه صدام بحديثه إلى السفيرة وقال :
" نأمل في أن لا ندفع إلى هذا . فكل ما يقف في طريق علاقاتنا مع إيران هو شط العرب . فإذا كان علينا أن نختار بين شط العرب والعيش بكرامة فإننا سنفاوض معتمدين على الحكمة التي أظهرناها عام 1975 . وكما أن البرازاني أضاع الفرصة التاريخية فسوف يضيع الآخرون فرصتهم .
* * *
وختم صدام هذا السرد التاريخي بقوله بدون مجاملة :
" وفيما يختص بالرئيس بوش آمل أن يقرأ هذا بنفسه وأن لا يترك في أيدي إحدى عصابات وزارة الخارجية التي استثني منها وزير الخارجية وكيلي لأنني أعرفه وتبادلت الرأي معه .
* * *
وأخيرا استطاعت غلاسبي أن تجيب فقالت :
" أشكرك أيها السيد الرئيس ، إنه يسر أي دبلوماسي أن يجتمع بك ويتحدث معك . إنني أفهم رسالتك بوضوح . لقد درسنا التاريخ وعلمونا أن نقول : " الحرية أو الموت " .
" أعتقد انك تعلم جيداً أننا شعب كانت لنا تجربتنا مع المستعمرين .
" يا سيدي الرئيس ، ذكرت خلال هذا الاجتماع أشياء كثيرة لا أستطيع التعليق عليها نيابة عن حكومتي . لكن إذا سمحت فسوف أعلق على نقطتين . لقد تحدثت عن الصداقة ، وأعتقد أنه اتضح من الرسائل التي بعثها رئيسنا أنه بمناسبة اليوم الوطني يؤكد …
* * *
وهنا قاطعها الرئيس قائلا: " لقد كان لطيفا وظفرت كلماته بتقديرنا واحترمنا . " فقالت غلاسبي : " كما تعلمون فإنه طلب من الادارة الأميركية رفض اقتراح تطبيق العقوبات التجارية ." فقال صدام وهو يبتسم : " لم بعد في أميركا ما يمكننا شراؤه سوى القمح . فكلما أردنا شراء شيء آخر قالوا لنا إن بيعه محظور عليهم . وأخشى أن تقولوا لي يوما : " إنكم ستصنعون البارود من القمح " . وهنا سارعت غلاسبي إلى طمأنته بقولها : لدي تعليمات مباشرة من الرئيس الأميركي تقضي بالسعي إلى إقامة علاقات أفضل مع العراق . " وهنا تساءل صدام حسين : " لكن كيف ؟ ونحن أيضا راغبون في ذلك لكن الأمور تجري على نحو يناقض رغبتنا . " فأجابت غلاسبي بقولها :
" كلما واصلنا المحادثات كلما قل احتمال حدوث ذلك . فمثلا أشرتم إلى قضية المقال الذي نشرته وكالة الإعلام الأميركية . لقد كان الأمر محزنا وقد م لكم اعتذار رسمي بشأنه " .
وهنا مال صدام نحوها بطريقة ساحرة وقال : " كان موقفكم كريما . ونحن عرب يكفينا أن يقول لنا أحدهم : ( آسف . لقد أخطأت) وتعود الأمور إلى مجاريها . لكن الحملة الإعلامية استمرت وحفلت بكثرة من القصص . ولو كانت هذه القصص صحيحة لما أغضبت أحدا . لكن ما نستخلصه من استمرارها هو أن هناك تصميم على ( إفساد علاقاتنا ) . ووافقت غلاسبي على ما قاله ومضت تقول :
" لقد شاهدت بنفسي برنامج ديان سواير على قناة ( أي بي سي ) وما حدث فيه رديء ويفتقر إلى الموضوعية . إنه صورة حقيقية لما يحدث في الاعلام الأميركي حتى السياسين الأميركيين أنفسهم . تلك هي أساليب الإعلام الغربي . ويسرني انكم تضمّون صوتكم إلى أصوات الدبلوماسيين الذين يواجهون وسائل الإعلام بشجاعة . إن ظهوركم ولو لدقائق قليلة في وسائل الاعلام يساعد على فهم الشعب الأميركي للعراق ، ويعزز التفاهم المتبادل ولو كان الرئيس الأميركي يملك رقابة على الاعلام لكان عمله أسهل .
" إن الرئيس بوش يا سيدي لا يريد إقامة علاقات أفضل وأعمق معكم فحسب ، بل وإسهامكم في السلام والرخاء في الشرق الأوسط . والرئيس بوش رجل ذكي . ولن يقوم بإعلان حرب اقتصادية على العراق .
" ما تقوله صحيح . وأنت مصيب في قولك إننا لا نريد أسعارا أعلى للنفط . لكنني اطلب منك أن تنظر في إمكان عدم تقاضي أسعار باهظة للنفط " .
فقال الرئيس صدام بلهجة ودية :
" نحن لا نريد أسعارا عالية جدا . ودعيني أذكرك بأنني في عام 1974 أوحيت لطارق عزيز بفكرة المقال الذي كتبه منتقدا سياسة الابقاء على أسعار النفط المرتفعة . وكان أول مقال عربي يعبر عن ذلك الرأي " .
وتدخل طارق عزيز لأول مرة وقال : " إن سياستنا في منظمة الأوبيك تعارض في القفز المفاجئ للأسعار " . فقال الرئيس :
" إن 25 دولار للبرميل ليس بالسعر المرتفع " . فقالت السفيرة :
" لدينا كثرة من الأميركيين الذين يريدون سعرا أعلى لأنهم من المناطق التي تنتج النفط " . وكان
هذا هو الضوء الأخضر الثاني الذي جعل صدام حسين يعتقد أن السفيرة ، ومن خلالها الرئيس بوش ، يوافقان على طلبه رفع الأسعار . فقال صدام :
(( كان السعر في إحدى المراحل 12 دولارا للبرميل الواحد . وتخفيض الميزانية العراقية بمقدار 6 7 كارثة )) فأجابت السفيرة :
(( أعتقد أنني أفهم هذا . لقد عشت هنا سنوات . وأنا معجبة بجهودكم الخارقة لبناء بلادكم . أعرف أنكم بحاجة إلى الاموال . إننا نفهم ذلك . ورأينا هو أنه ينبغي إتاحة الفرصة لكم لاعادة بناء بلادكم . لكن ليس لنا رأي في نزاعات العرب فيما بينهم مثل نزاعكم مع الكويت حول الحدود.
" لقد كنت في السفارة الأميركية بالكويت في أواخر الستينات . وكانت تعليماتي تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية التي لا شأن لنا فيها . لقد أصدر جيمس بيكر أمرا إلى الناطق الرسمي للتأكيد على ذلك . إننا نأمل في أن تحلوا القضية بالوسائل المناسبة عبر القليبي أو الرئيس مبارك . وكل ما نرجوه هو حلول سريعة لهذه القضايا " .
( وهذا ضوء أخضر آخر فيما يتعلق بالخلافات حول الحدود مع الكويت ) .
وأضافت غلاسبي :
" هل لي ياسيادة الرئيس أن أتحدث عن صورة هذا كله في أذهاننا ؟
" في تقديري بعد خمس وعشرين سنة من الخدمة في هذه المنطقة أنه ينبغي أن تظفر أهدافكم بتأييد اخوانكم العرب . وأنا الآن أتحدث عن النفط . لكنك يا سيادة الرئيس خضت حربا مريرة مؤلمة . وأقول بصراحة إنني الآن لا أرى سوى قواتكم المحتشدة في الجنوب . وذلك في الاحوال العادية ليس من شأننا . لكن عندما يحدث هذا في إطار ما قلته في عيدكم الوطني ، وعندما نقرأ التفصيلات الواردة في رسالتين من الإمارات والكويت هي بعد التحليل الدقيق بمثابة عدوان عسكري على العراق عندما نقرأ هذا لا بد وأن يساورنا القلق . ولهذا السبب تلقيت تعليمات تطلب مني أن أسألكم بروح من الصداقة لا بروح من المواجهة عن نواياكم .
" إنني في هذا لا أعدو وصف قلق حكومتي . ولا أعني أن الوضع سهل لكن قلقنا مجرد قلق " .
فقال الرئيس صدام :
" نحن لا نطلب من الناس أن لا يشعروا بالقلق عندما يكون السلام على المحك . فذلك شعور إنساني نبيل نشعر جميعا به . ومن الطبيعي أنكم بوصفكم قوة كبرى أن تشعروا بذلك . لكن ما نطلبه هو أن لا تعبروا عن قلقكم على نحو يمكن أن يحمل المعتدي على الاعتقاد بأن عدوانه يظفر بالتأييد .
" نريد التوصل إلى حل يضمن لنا حقوقنا ولا يحرم الآخرين من حقوقهم . وفي الوقت ذاته نريد من الآخرين أن يعلموا أن لصبرنا حدودا فيما يتعلق بأعمالهم التي تضر بحليب أطفالنا ومعاشات الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال الحرب ، ومعاشات اليتامى الذين فقدوا والديهم .
" نحن كدولة لنا الحق في الازدهار . لقد أضعنا فرصا كثيرة بسبب الحرب ، وعلى الآخرين أن يقدروا دورنا في حمايتهم . وحتى هذا العراقي ( وأشار صدام إلى المترجم ) يشعر بالمرارة كسائر العراقيين . لسنا معتدين ولا نقبل العدوان . لقد ارسلنا مبعوثين ورسائل مكتوبة . وفعلنا كل ما بوسعنا عمله فطلبنا من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أن يعقد مؤتمر رباعية . لكن الملك اقترح اجتماعا لوزراء البترول . وقبلنا . وجرى الاجتماع في جدة كما تعلمين . وتوصل المجتمعون إلى قرارات لا تعبر عما اردناه . ومع ذلك قبلناها .
" وبعد الاجتماع بيومين فقط أصدر وزير النفط الكويتي تصريحا يناقض الاتفاق . وبحثنا المسألة خلال قمة بغداد . وأخبرت الملوك والرؤساء بأن بين اخواننا من يشنون علينا حربا اقتصادية وأن بعض الحروب لا تستخدم فيها الأسلحة وأننا نعتبر هذا النوع من الحرب عملا عسكريا موجها ضدنا . فإذا ضعفت قدرة جيشنا ، وإذا عادت إيران إلى الحرب فإنها قد تحقق الأهداف التي عجزت عن تحقيقها في الماضي . ثم إن ضعف قدراتنا الدفاعية قد يشجع إسرائيل على مهاجمتنا . قلت هذا أمام الملك والرؤساء العرب ولم أذكر اسمي الإمارات والكويت لأنهما كانا في ضيافتنا.
" وكنت قبل ذلك قد أرسلت مبعوثين لتذكيرهم بأن حربنا ضد إيران اشتملت على الدفاع عنهم . وعليه فإنه ينبغي عليهم أن لا يعتبروا الأموال التي قدموها لنا ديونا . لقد فعلنا أكثر مما كانت الولايات المتحدة ستفعله مع من يهاجم مصالحها .
" وتحدثت عن هذه المسألة مع عدد من الدول العربية الأخرى وشرحت الوضع لأخي الملك فهد عدة مرات عبر المبعوثين والهاتف . وتحدثت مع أخي الملك حسين ومع الشيخ زايد بعد مؤتمر القمة . ورافقت الشيخ زايد إلى الطائرة عندما كان في الموصل ، فقال لي : " انتظر حتى أصل إلى بلادي " . لكن ما حدث بعد وصوله هو صدور تصريحات في غاية السوء لا عنه وانما عن وزير نفطه.
" وبعد اتفاق جدة بلغنا أنهم يتحدثون عن الالتزام بالاتفاق لمدة شهرين فقط يقومون بعدها بتغيير سياستهم . والآن قولي لنا : ماذا كان سيفعل الرئيس الأميركي لو وجد نفسه في موقف كهذا . لقد ذكرت أنه كان من الصعب على أن اتحدث عن هذه القضايا علنا . لكن علينا أن نخبر الشعب العراقي الذي يواجه المصاعب الاقتصادية عن المسؤول عن ذلك ."
وإزاء هذه الكلمات القاسية فضلت غلاسبي تغيير الموضوع فقالت : " لقد قضيت أربعة أيام في مصر . " فقال صدام :
" الشعب المصري لطيف وطيب وعريق .ويفترض في دول النفط أن تساعده لكنهم لؤماء إلى حد لا يتصوره المرء . ومن المؤلم الاعتراف بذلك . والعرب يكرهون بعضهم بسبب جشعهم . " فقالت السفيرة :
" إنك تساعدنا يا سيدي الرئيس لو شرحت لنا تقديرك للجهود التي بذلها إخوانك العرب وما حققته " . فقال الرئيس "
" فيما يتعلق بهذا الموضوع اتفقنا مع الرئيس مبارك على قيام رئيس وزراء الكويت بالاجتماع مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في السعودية لأن السعوديين بادروا إلى الاتصال بنا بفضل جهود الرئيس مبارك . وقد اتصل مبارك بي قبل قليل وأبلغني موافقة الكويتيين على الاقتراح . " فقالت السفيرة بارتياح " تهانينا ! "
فواصل صدام كلامه قائلا :
" سوف يعقد اجتماع بروتوكولي في السعودية ، ثم ينتقل المجتمعون إلى بغداد لإجراء مناقشات أعمق بين الكويت والعراق مباشرة . ونأمل في أن يتغلب بعد النظر والحرص على المصالح الحقيقية على جشع الكويتيين . " فسألته السفيرة : " هل لي أن أسألك متى تتوقع أن يصل الشيخ سعد إلى بغداد ؟ " فأجاب الرئيس :
" أعتقد أنه سيصل يوم السبت أو الاثنين على أبعد تقدير ( 28 أو 30 ) تموز وقد أبلغت الأخ مبارك أن الاتفاق سيتم في بغداد يوم السبت أو الاحد . وأنت تعرفين أن زيارات مبارك كانت دائما تبشر بالخير " فقالت السفيرة "
" هذه أخبار جيدة ، تهانينا " وهنا توقف صدام حسين عن اللعب بأوراقه وقال :
" ابلغني أخي مبارك أنهم ( الكويتيين ) في خوف شديد . وقالوا إن القوات العسكرية على بعد عشرين كيلو مترا فقط من خط الجامعة العربية ( الحدود ) . فقلت للرئيس المصري إنه بغض النظر عمن هناك وسواء ، أكانوا من البوليس أم حرس الحدود أم الجيش ، وبغض النظر عن عددهم وعما يفعلونه يمكنك أن تطمئن الكويتيين وأن تعدهم بالنيابة عنا بأننا لن نفعل شيئا إلى أن نجتمع بهم . فإذا وجدنا عندما نجتمع بهم أن هناك أملا فلن يحدث شيئا . ولكن إذا تعذر التوصل إلى حل فسيكون من الطبيعي أن لا يقبل العراق بالموت حتى ولو كانت الحكمة فوق كل شيء وهذه أخبار جيدة " فقال طارق عزيز : هذا للصحافة وحدها ."
على أن كل ما بقي في ذهن غلاسبي من المقابلة هو هذه الخاتمة المتفائلة ونسيت التهديدات والانذارات التي أطلقها صدام حسين خلال حديثه . واستأذنت السفيرة بعد أن طمأنت الرئيس العراقي مرة أخرى إلى أن رسالته ستصل إلى الشخص الموجهة إليه . قالت :
" أعتزم الذهاب إلى الولايات المتحدة يوم الاثنين القادم ( 30 تموز ) . وآمل أن اجتمع مع الرئيس بوش في واشنطن خلال الاسبوع القادم . وقد خطر ببالي أن أؤجل سفري بسبب المصاعب التي تواجهنا . وعليه فإنني سأسافر يوم الاثنين ."
وأخيرا تبادلت هي وصدام التحيات والتمنيات .
* * *
أمضى الشاذلي القليبي 48 ساعة في الكويت بانتظار وصول وزير الخارجية السعودي لإبلاغه ما جرى في اجتماعاته ببغداد لكنه تركها وهو يشعر بالإحباط لأن الوزير لم يظهر . وعندما انتهت مقابلة غلاسبي للرئيس صدام توجه طارق عزيز بعد أن حضر المقابلة إلى فندق الرشيد لتناول الغداء مع القليبي الذي كان قد وصل إلى بغداد في ذلك اليوم . وفيما كان عزيز ينفث دخان سيجاره ويشرب كأسا من الويسكي واصل التصلب الذي أظهره في 17 تموز عندما سلمه المذكرة.
تحدث عزيز عن المؤامرات التي ضد العراق وقال بأن الولايات المتحدة ضالعة فيها . وقال : " إن عدالة موقف العراق شيء مؤكد " ، وأضاف بأن على الاسرة الحاكمة في الكويت أن ترحل وأنهم يسرقون النفط ويحاولون تدمير الشعب العراقي .
كان القليبي قد سمع حسني مبارك يقول للكويتيين والأميركيين بأن صدام حسين قال له لن يكون هناك عزو للكويت . فسأل القليبي طارق عزيز : " ماذا قال صدام حسين لمبارك ؟ "
أجابه عزيز وهو ينفث دخان سيجاره : " لا أعرف ما الذي قاله له . لكن ما أعرفه هو أن كل شيء يعتمد على اجتماع جدة في 31 يوليو مع الكويتيين . فكل شيء يتوقف عليه . "
وفي مساء ذلك اليوم توجه القليبي إلى الكويت لابلاغ الأمير .
في 26 تموز وهو اليوم الذي اكتشفت فيه المخابرات احتشاد أكثر من 000 ,30 جندي عراقي على حدود الكويت قام القليبي بإبلاغ أمير الكويت وولي العهد ووزير الخارجية الكويتيين ما جرى في اجتماعه ببغداد . فساور القلق الزعماء الكويتيين ولكنهم ظلوا مقتنعين بأن الغزو لن يقع . وذكر القليبي اجتماع القمة بجدة في 31 يوليو . فقيل له بأن السعوديين والمصريين سوف يعملون على انجاحه .
لكن ما لم يعرفه القليبي خلال وجوده في هذه الاجتماعات هو أن الأمير تلقى في اليوم ذاته رسالة هامة من الملك فهد يرحب هذا فيها بحضوره إلى جدة في 31 يوليو للمشاركة في مؤتمر جدة . وجاء فيها :
" في الوقت الذي اتطلع فيه إلى هذا الاجتماع الأخوي أود أن أقول بأنني على يقين تام من أن حكمتكم وبعد نظركم سوف يحققان أهدافنا بمشيئة الله ويرسخان الحب والتفاهم بين الدولتين الشقيقتين ."
ومن الواضح أن الملك قصد التأكيد للأمير على أهمية توصله في مؤتمر الكويت إلى اتفاق مع العراق . لكن الأمير كان قد قرر عدم حضور المؤتمر مما أغضب صدام حسين فيما بعد . ودون ملاحظة على رسالة الملك فهد إليه يطلب فيها من أخيه الشيخ سعد ولي العهد أن يمثله في ذلك المؤتمر . وورد في الملاحظة قوله :
" ينبغي أن نحضر الاجتماع وفقا للشروط السابقة . ومن المهم أن لا ننسى مصالحنا ، وعليه فلا تأبه لما قد يقوله لك السعوديون والكويتيون عن الأخوة والحفاظ على التضامن العربي فلكل طرف مصالح عليه أن يرعاها . إن السعوديين يريدون إضعافنا واستغلال تنازلاتنا للعراقيين وذلك لكي نقدم لهم تنازلات في المنطقة المنزوعة السلاح . أما العراقيون فيريدون تعويض خسائر الحرب من مواردنا . ولن نستجيب لمطالب أي منهما … وذلك أيضا هو موقف أصدقائنا في مصر وواشنطن ولندن . ونتمنى لك حظا سعيدا ."
وبعث الأمير برسالة إلى الملك فهد يشكره فيها على دعوته ويبلغه بأن أخاه سيمثله ويبدو فيها في غاية التفاؤل بقوله :
" دعني اشكرك وأثني على مجهودك الأخوي وحكمتك وبعد نظرك . ونحن على يقين من اجتماعنا برعايتكم ودعمكم سوف يؤدي بمشيئة الله إلى النتائج المرجوة والى التخلص من المصاعب والى المتبادلة والحب للجميع . "
وكانت الرسالتان والملاحظة لولي العهد مؤشرات هامة على أن قمة جدة لن تنجح .
* * *
وفي 27 تموز ارسلت وكالة المخابرات المركزية الأبيض صورا جوية لحشود متزايدة من الرجال والتعاد . فبادرت واشنطن إلى تحذير الكويت ومصر والسعودية . لكن ردود هذه الدول على التحذير أجمعت على استبعاد فكرة الغزو وتحدثت عن " ابتزاز عراقي " للحصول على جزيرتين كويتيتين في الخليج وعلى حقل نفط متنازع عليه . وشاركتهم الرأي وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي .
وفي 18 يوليو أخذت تقارير وكالة الاستخبارات المركزية تبدو أكثر دقة وتنذر بالمزيد من الخطر . إذ ذكرت أن الرئيس العراقي أنشأ خطوط إمداد واسعة لقواته العسكرية المتمركزة على الحدود ، كما أشارت بوجه خاص إلى العدد الكبير من الشاحنات الذي يوفر الدعم اللوجستي . وكان وليم وبستر مدير الوكالة مقتنعا بأن مثل ذلك الدعم اللوجستي ضروري إذا كان الغرض من العملية مجرد الترهيب .
وأخذت وكالة الاستخبارات تتلقى معلومات جديدة في كل ساعة تقريبا . وكان مصدر اكثر هذه المعلومات هو من وكالة الأمن القومي .
كانت هذه الوكالة التي تفوق وكالة الاستخبارات كثيرا في حجمها وميزانيتها أكبر وأحدث مركز للمعلومات في العالم . وهي تقوم في " فورت ميد " بالقرب من واشنطن وتتألف ، كالدماغ البشري ، من منطقتين : منطقة اليمين المسماة " كاريبون " ومنطقة اليسار " لودستون " . وكانت لديها أجهزة كومبيوتر ضخمة قادرة على استيعاب 200 مليون كلمة في الثانية أي ما يعادل 2500 من الكتب التي يحوي كل واحد منها 300 صفحة . وبفضل مراكز التنصت التابعة لها والموزعة في أرجاء العالم وأقمار تجسسها ، كانت قادرة على التقاط الأحاديث السرّية وعلى تحديد تحركات الفرق العسكرية ، مهما صغرت ، في كل نقطة من الأرض . وهي بفضل محلليها ورياضييها ومترجمي رموزها ، وكلهم من أفضل الجامعيين الأميركيين ، تستطيع حتى معرفة دقائق حديث يجري في غرفة مقفلة وذلك بقياس الكتروني لذبذبات زجاج النوافذ بواسطة أشعة غير مرئية .
في 28 تموز نفسه ، قابل ياسر عرفات صدام حسين الذي طلب منه الذهاب إلى الكويت وقال له : " تحدث مع الأمير وأبلغه أنه إذا دفع عشرة مليارات دولار مقابل استثماره حقل الرميلة النفطي على الحدود ، فسوف اسحب بعض قواتي " .
ولم يقل حقل صدام حسين لعرفات بأنه لا يعتزم غزو الكويت .
* * *
وفي 29 تموز وصل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى الكويت . واضطر إلى انتظار ساعات طويلة قبل مقابلته الأمير . وما أن بدأ عرفات بعرض الاقتراح العراقي حتى قاطعه الأمير جابر بفظاظة : " لا أريد النقاش في هذا الموضوع . فخلال ثمانية وأربعين ساعة سأكون في طريقي إلى جدة لعقد قمة مع العراق ولنتكلم بدلا من ذلك عن الهجرة اليهودية السوفييتية إلى إسرائيل ".
كان الاحتقار والجفاء يطغيان على لهجة الامير . وبالرغم من المهانة التي شعر بها عرفات فإنه لم يستطع أن يقول شيئا . فالكويت كانت الممّول الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية .
وعند نهاية الاجتماع حاول عرفات العودة إلى الاقتراح العراقي ولكن الامير قاطعه من جديد : " قلت لك بوضوح ، لا أريد الخوض في الموضوع " .
"عليكم دفع مبلغ عشرة ملايين دولار . فالعراقيون خطرون . وأنت تعلم أنني أنا من الكويت وعشت فيها عدة سنوات . حاولوا أن تحلوا المشكلة . " فأجاب الأمير سعد : " أنا ذاهب إلى جدة . " فقال عرفات :
" لا تذهب خالي الوفاض . اقترح حلاً . " فأتى الأمير بحركة تدل على الضجر وقال : " القرار الأخير للأسف ليس بأيدينا " . وكان من الواضح أنه في غاية القلق بسبب تطور الأحداث على ذلك النحو . فسأله عرفات : " هل أنتم مستعدون لمجابهة عسكرية " . فهز سعد رأسه وقال :
" لا لسنا أقوياء كالعراق . ونحن لا ننوي القتال " .
* * *
وبحلول 30 تموز صار بمقدور وكالة الاستخبارات المركزية تكوين صورة تقديرية واضحة للحشود العراقية قرب الحدود الكويتية : 000 , 100 ( مئة ألف ) جندي عراقي بينهم قوات النخبة التابعة للحرس الجمهوري ، 300 دبابة و 300 مدفع ثقيل . وكانت واشنطن لا تزال تلتزم الصمت .
ولم يقطع حبل الصمت إلا عندما دخل جون كيلي في اليوم التالي مبنى الكابيتول ليدلي بشهادته أمام لجنة الشرق الأوسط الفرعية التابعة لمجلس النواب . وبعد أن أدلى بها أجاب بهدوء على الأسئلة التي وجهت إليه وخصوصا أسئلة النائب لي هاملتون الذي قال :
" ورد في الصحف تصريح لوزير الدفاع ريتشارد تشيني يقول فيه إن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الكويت إذا هوجمت . فهل هذا هو ما صرح به ؟ هل يتفضل السيد كيلي بتوضيح هذا الأمر ؟ " فرد كيلي بقوله :
" لا أعرف التصريح الذي تشير إليه . ولكنني واثق من موقف الحكومة من هذه القضية . ليست هناك معاهدة بيننا وبين دول الخليج . هذا واضح . ونحن ندعم استقلال وأمن جميع الدول الصديقة في المنطقة . ولنا قوات بحرية في المنطقة منذ عهد ادارة ترومان وذلك لأن استقرارها يخدم مصالحنا . ونحن ندعو إلى حل سلمي لجميع النزاعات ونعتقد بوجوب احترام سيادة كل دولة في الخليج " . فقال لي هاملتون :
" وماذا سيكون موقفنا من استخدام القوات الأميركية إذا تجاوز العراق مثلا الحدود الكويتية ؟ فرد كيلي بقوله :
" هذا سؤال افتراضي لا أستطيع التعرض له . واكتفي بالقول بأن هذا سيكون موضع اهتمامنا الشديد ولكني لا أستطيع الخوض في ميادين الافتراض " . فسأله لي هاملتون :
" لكن إذا حدث شيء من هذا فهل يكون موقفنا صحيحا إذا قلنا بأنه لا توجد معاهدة أو التزام يوجب استخدام القوات الأميركية ؟ " فأجاب كيلي :
" هذا صحيح تماما " .
وأذاعت محطة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) تصريحات كيلي وسُمعت في بغداد . وعليه ففي هذا الوقت الحرج وعندما السلم والحرب في الميزان أرسل كيلي إشارة إلى صدام يمكن اعتبارها تعهدا بعدم تدخل الولايات المتحدة .
ولا يوجد في تاريخ الدبلوماسية الأميركية الحديث سوى خطأ واحد في الحسابات مثل هذا وذلك عندما قال دين أتشيسون وزير الخارجية للكونجرس عام 1950 بأن " كوريا الجنوبية ليست في مجال الدفاع الأميركي . " وفي اعقاب ذلك قامت كرويا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية .
وفي اليوم ذاته غادر ثلاثة من المسؤولين العراقيين بغداد إلى جدة للاجتماع بالوفد الكويتي ومواصلة المفاوضات . وكان هذا الاجتماع آخر خيط رفيع يربط العالم " بمنطق السلم " وكان هذا الخيط على وشك الانقطاع . وقبل موعد الاجتماع بثلاث ساعات فقط أعلن أمير الكويت بأنه لن يحضره وأن ولي العهد سوف يمثله فيه .
وكان لهذا النبأ وقع " الإهانة القاتلة " على صدام حسين ، وقرر هو الآخر عدم الذهاب إلى جدة وإرسال عزت إبراهيم الرجل الثاني في حزب البعث .

__________________
كُن صديقاً للحياه وإجعلِ الإيمانَ رايه

وإمضي حُراً في ثبات إنها كُل الحكايه
رد مع اقتباس
  #3  
قديم September 12, 2008, 02:33 AM
 
رد: العراق - الكويت - إيران ... القصة الكاملة

(5)
(( إنها البداية فقط ))
كان مؤتمر جدة حدثا مضطربا مأساويا أدى إلى الحرب لأنه لم يكن بمقدور أحد أن يتجنبها . كما أنه لم يكن لدى أحد رغبة في ذلك .
واجتمع الوفدان في غرفة بمركز المؤتمرات الحديث في العاصمة السعودية في الساعة السادسة من مساء 31 تموز .
وضم الوفد الكويتي الشيخ سعد ولي العهد ورئيس الوزراء ووزير العدل الذي كان قد أظهر حكمة وبعد نظر في خطابه في اجتماع مجلس الوزراء قبل ذلك بثلاثة عشر يوما .
وضم الوفد العراقي بالاضافة إلى عزت ابراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل الثاني في حزب البعث سعدون حمادي رئيس الوزراء ، وعلي حسن المجيد ابن عم صدام حسين الذي سوف يُعين بعد ذلك بأسابيع قليلة حاكما للكويت .
وبقي الكويتيون والعراقيون في جدة حتى اليوم التالي أي الأول من أغسطس ، لكن المفاوضات الحقيقية لم تدم على أكثر تقدير أكثر من ساعة ونصف من السادسة إلى السابعة والنصف من مساء اليوم الأول ورفعت الجلسة بعد ذلك وذهب المشاركون إلى الجامع للصلاة .
وحيا الأمير عبد الله ولي العهد السعودي الوفدين لكن لم يكد يبدأ الاجتماع حتى غادر القاعة .
* * *
بدأ العراقيون بالكلام فتلا عزت ابراهيم بياناً مُعدا كرر فيه الاتهامات العراقية للكويت واحدا تلو الآخر . لكن بيانه خلا من أي اتهام محدد . وقرأه ببطء وعناية شديدة وبدون أن يزيد عليه كلمة واحدة . وجاءت لغته غريبة تتخللها التعابير الدينية . وقال أحد الكويتيين ممن حضروا الاجتماع : " لقد ولد لدينا شعورا غريبا . ان عليه مسحة من التزمت بدا معها وكأنه موعظة في أحد الجوامع. "
أحدثت هذه المقدمة في البداية ارتباطا لدى الكويتيين . لكن ما لبث الشيخ سعد ولي العهد أن أخذ يفند بهدوء المظالم العراقية واحدة بعد أخرى . وبالرغم من أن الجو لم يكن قد توتر كثيراً فان احتمال فشل المؤتمر بدا واضحا للجانبين .
قال سعدون حمادي : " إن هذا الاجتماع الذي علقنا عليه الآمال الكبيرة تكشف عن خيبة أمل شديدة . لقد اعتبرناه فرصتنا الأخيرة ، وتوقعنا أن يحمل لنا الكويتيون مشروع حل . كنا على اتصال بهم وشرحنا لهم كل شيء بوضوح . ولكن لم يكن لديهم أي شيء ملموس يعرضونه . ولم يخرج ما كان لديهم من حجج يدافعون بها عن أنفسهم وادعاءات ببطلان اتهاماتنا لهم " .
وقال الشيخ سعد ولي العهد الكويتي : " دار النقاش حول البترول . وقال العراقيون أيضا بأن الكويتيين بدأوا بوضع قوات من الشرطة داخل الأراضي العراقية، وأن الكويت قد غيرت سياستها وأن سياستها الجديدة تعرض مستقبل الامارة للخطر وردت على جميع الملاحظات والأسئلة بطريقة مباشرة " .
في إحدى مراحل الاجتماع انتقل المفاوضان الرئيسان إلى غرفة جانبية وتحدثا لمدة 10 دقائق . ثم سأل عزت ابراهيم ، رئيس الوفد العراقي الامير سعد : " ما رأيكم بدعوة أعضاء الوفدين كي يسمعوا ما عندكم ؟ " فوافق رئيس الوفد الكويتي . وقد بدا الجو غير العدائي السائد متناقضا مع خطورة المواضيع المطروحة .
بدأ الجو بالتوتر عند طرح الأمور المالية . وبالرغم من نفي الفريقين ، فإن الأمور المالية كانت موضع نقاش حاد طويل .
طلب عزت ابراهيم مبلغ 10 مليارات دولار ، وعلى شكل قرض إن استحال تقديمها كهبة . وبعد أخذ ورد وافق ولي العهد على تقديم قرض بمبلغ تسعة بلايين دولار . وأحسّ العراقيون بأن المقصود من إنقاص المبلغ ملياراً واحدا هو محاولة مقصودة لإذلالهم ، فأجابه عزت ابراهيم بقوله : " لا لست مخولا من قبل الرئيس صدام حسين بقبول أقل من 10 بلايين دولار " .
وبعد رفع الجلسة في السابعة والنصف وتأدية الصلاة ، عاد الوفد الكويتي إلى الفندق بانتظار حفل العشاء الذي يقيمه الملك فهد .
يقول عبد الله بشارة أمين سر مجلس التعاون الخليجي الذي حضر المناقشات : " اقترحنا على ولي العهد السعودي تقديم اقتراح يتفق بموجبه الطرفان على النقاط الاربع التالية : وقف جميع الدعايات العدائية في وسائل الاعلام وخاصة العراقية ؛ وانسحاب القوات المرابطة على الحدود بين البلدين ، ثم ، وهذا هو الأهم سياسيا ، اعتماد إجراءات كفيلة بزرع الثقة المتبادلة بين البلدين بواسطة الحوار والزيارات … الخ ، وأخيرا التوصل إلى اتفاق حول الاجتماع المقبل " .
وهكذا تقرر مواصلة المفاوضات في بغداد ، الأمر الذي رسّخ اعتقاد الكويتيين بأن العراقيين لن ينفذوا أيا من تهديداتهم . والواقع أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة الوضع والقلق الدولي المتزايد وجدنا أن النقاط الأربع التي وافق الوفد الكويتي لا تخلو من مسحة خيالية .
وكانت ردود فعل أسواق النفط العالمية على الحشود العراقية على الحدود الكويتية قد بدأت تظهر . ففي ذلك اليوم الذي كان الوفدان يستعدان فيه لمغادرة القصر الملكي السعودي حيث كان الملك فهد في انتظارهم ، ارتفع سعر برميل النفط 45 سنتا وبلغ سعر نفط برنت حوالي عشرين دولاراً.
بدأ تقديم العشاء في التاسعة والنصف . وحضر الملك فهد ومعه الملك حسين الذي كان قد وصل قبل بضع ساعات . وجلس الملك وعلى يمينه ولي العهد الكويتي وعلى شماله عزت ابراهيم . وأحيط الملك فهد قبل جلوسه إلى المائدة علما بمجرى المفاوضات وخصوصا برفض الكويتيين رفع مبلغ القرض من تسعة إلى عشرة بلايين دولار . وساد المكان جو ثقيل حاول الملك فهد جهده أن يخفف من وطأته بالحديث عن مباهج تربية الخيول الأصيلة وتوالدها . لكن تبادل الحديث انقطع . وظل الملك يتحدث وكأنه يتحدث مع نفسه إذ لاذ العراقيون بالصمت وخيم على الكويتيين جو من الكآبة وتشتت الفكر وكان الفريقان يحاولان إخفاء شعورهما بخيبة الأمل بالرغم من أن أحد المفاوضين الكويتيين ادعى فيما بعد بأن العراقيين كانوا في قرارة نفوسهم مسرورين قال : " كانوا على وشك الانتهاء من اجتماع انتهى إلى الجمود . وهذا بالضبط ما كانوا يريدونه " .
وقبيل انتهاء المأدبة التفت الملك فهد إلى ضيوفه وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وأعلن أن السعودية ستدفع البليون دولار المختلف عليه " كهدية من بلادي للعراق وبدون أية شروط " .
فشكره العراقيون بحرارة . وبعد قليل انسحب إلى داخل القصر . ولا بد أنه ظن أن مبادرته كافية لتنفيس الاحتقان لدى الوفدين . وكان هذا أيضا تقدير الملك حسين الذي نهض أيضا وترك الكويتيين والعراقيين وحدهم .
فقال الشيخ سعد لعزت ابراهيم : " قبل أن نضع التفاصيل المتعلقة بالقرض علينا أن نطرح للبحث مسألة أخرى . علينا أن نرسم بالضبط الحدود بين البلدين ويمكننا أن نقوم بذلك الآن وفي هذا الاجتماع . ومن ثم يكون المبلغ بين أيديكم " . فاستولى الغضب على عزت ابراهيم واتهم الكويتيين بسوء النية وسأل ولي العهد الكويتي : " لماذا لم تطرحوا مسألة الحدود في بداية الاجتماع ؟ " .
وجاء جواب ولي العهد الكويتي غريبا . قال : " لم تكن لدينا أوامر من الأمير بمعالجة هذه القضية عند بدء الاجتماع " .

فاشتدت حدة النقاش وقال ولي العهد الكويتي بأن الكويت تلقت تأكيدات من الحكومة البريطانية بأن العراق لن يهاجم . ولا ريب في أن عبارته هذه كانت مؤسفة واستفزازية وقال له عزت ابراهيم : " إننا نعرف تماما كيف نحصل على المال الذي نحتاج إليه منكم ومن السعوديين ".
وعندما قال هذا كان هو وسعد يقفان أحدهما قبالة الآخر وهو يصيح غاضبا . فأجابه سعد : " لا تهددنا . فالكويت لها أصدقاء أقوياء جداً ( ومن المؤكد أنه كان يقصد الولايات المتحدة وبريطانيا ) . ولدينا حلفاء أيضا . وسوف تضطرون إلى تسديد ما عليكم من ديون لنا " .
كانت هذه التهديدات آخر ما صدر عن الطرفين . وافترق الوفدان بدون أن يتبادلا التحيات الرسمية وعادا إلى فندقيهما . وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل والملك فهد غارق في النوم .
وفي العاشرة من صباح الأول من أغسطس وبينما كان سعدون حمادي في غرفته بالفندق تلقى مكالمة هاتفية من وزير خارجية الكويت الذي اقترح إصدار بيان مشترك ، وذكر النقاط التي يرى أن يشتمل عليها . وأصغى حمادي باهتمام . وفوجئ بعبارة وردت فيها وتشير إلى " إحراز تقدم " فقال بأن عليه أن يتصل برئيس وفده .
وذهب سعدون إلى غرفة عزت ابراهيم وأبلغه الاقتراح الكويتي . فقال عزت ابراهيم : " هذا ليس صحيحا . لم نستطع تسوية شيء . لا نستطيع أن نفعل ذلك " .
واتصل حمادي بالوزير الكويتي وأبلغه بأن لكل وفد أن يصدر بيانه ويصرح للصحافة بما يشاء .
وغادر الوفد الكويتي جدة في الساعة الرابعة بعد الظهر . وحال وصوله إلى الكويت توجه ولي العهد إلى مكتب الأمير بقصر بيان الذي شيد عام 1986 ليكون مقراً للمؤتمرات . وكان خلال رحلة العودة يبدو قلقا وقال لاعضاء الوفد : " إنني أرى في الافق شبح الكارثة " .
* * *
في صباح الأول من أغسطس أيضا كان الشاذلي القليبي في القاهرة . وكان قد وصل إليها قبل ذلك بيومين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يهدف إلى العودة إلى وحدة الصف العربي . وعندما أفاق في صباح ذلك اليوم قرأ في أخبار الصباح أن قمة جدة لم تسفر عن أي اتفاق . وكان قبل ذلك على يقين بأن الاجتماع سيسفر عن التوصل إلى اتفاق . فأقلقته الأخبار الواردة من السعودية . فرفع سماعة التلفون واتصل بالشيخ صباح وزير الخارجية الكويتية . فهدأ الشيخ صباح مخاوفه وقال له بأن اجتماع جدة لم يكن سوى اجتماع بروتوكولي وأنه سيكون هناك في الرابع من أغسطس اجتماع آخر ببغداد حيث كما أضاف سيجري التوصل إلى حل . وأعاد القليبي السماعة إلى مكانها وهو يشعر بتفاهة ما سمعه . فأجرى مكالمة ثانية مع الأمير عبد الله بالسعودية ، وسأله عما جرى في اليوم السابق . وجاء الجواب صريحا : " كان أصدقاؤنا العراقيون كالكويتيين في غاية التشدد . وما هذا سوى البداية . فلننتظر ما سيجري في بغداد " .
* * *
وغادر العراقيون السعودية بدون حتى وداع مضيفهم . تركوا جدة قبل الظهر . وبعد أن توقفوا قليلا في المدينة المنورة ( لأن سعدون حمادي كان شيعيا تقيا ) واصلوا رحلتهم ، فوصلوا بغداد في الرابعة بعد الظهر . وتوجه عزت ابراهيم على الفور للاجتماع بصدام حسين الذي كان ينتظره بفارغ الصبر وأطلعه على أسباب فشل الاجتماع بالتفصيل . فاستدعى صدام حسين أعضاء مجلس قيادة الثورة . وقبل مرور نصف ساعة كان قد اتخذ قرار غزو الكويت في تلك الليلة .
* * *
وفي اليوم ذاته ارتفع سعر البترول 60 سنتا ولم يسمع في العبدلي نقطة الحدود الوحيدة بين البلدين والتي تبعد 45 ميلا عن الكويت عن وقوع حوادث . وواصلت السيارات مرورها بشكل عادي .
* * *
وفي اسرائيل شاعت قصة مسلية عن خبير خطوط طلب منه أن يفحص خط صدام حسين لكن بدون أن يعرف أنه خطه . فقال بعد فحصه : " إن كاتب هذا بحاجة إلى مساعدة طبية نفسانية " . وحتى هذا الوقت لم يبد القلق على الاسرائيليين ولم يبدأوا بالتعبئة . ففي ذلك اليوم ذاته تزوج الميجر جنرال أمنون شاهاك رئيس المخابرات العسكرية . وفي حفل الاستقبال الذي أقيم سأله الصحفيون عما إذا كانت البلاد معرضة للغزو العراقي . فاعتبر السؤال مسليا وأجاب بالنفي . وبعد ذلك ببضع ساعات ذهب لقضاء شهر العسل .
* * *
وصل جيمس بيكر إلى اركوتسك ( في قلب سيبريا ) الساعة السابعة مساء ( حسب التوقيت المحلي ) لإجراء محادثات مع نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه . ولم يخطر ببال أي منهما أن هذه المدينة اللطيفة ذات الشوارع العريضة والأبنية الداكنة ستشهد أول اختبار حقيقي للعلاقة الأميركية السوفييتية الجديدة .
فقد صرح جورج بوش وميخائيل غورباتشوف في كثرة من المناسبات أن " عهدا جديدا قد بدأ " . ولم يخطر ببالهما أنها ستبدأ بهذه الطريقة المأساوية . وكانت أخبار ما يجري في الخليج تصل إلى بيكر على خط خاص يصله بواشنطن . فأخذ يشعر بأن الأمور تتخذ منحى خطيراً .
التقى بيكر بشيفارنادزه على عشاء خاص . ومنذ أصبح شيفارنادزه ذو الشعر الأبيض والابتسامة العريضة وزيراً للخارجية قبل ذلك بخمس سنوات أثبت أنه مفاوض رائع . هذا بالرغم من أنه لم يجر إعداده لهذا المنصب . إذ سبق له أن كان ضابطا في المخابرات الروسية (KGB ) ووزيرا للداخلية وزعيم جمهورية جورجيا حيث حكم بطريقة قمعية . وجلس الاثنان في المقعد الخلفي لسيارة زيل التي اخترقت شوارع اركوتسك والإعلام الأميركية ترفرف في وجه الرياح الباردة .
أخذت الاحداث تتوالي بسرعة ، وبدأت الولايات المتحدة تنفض عن نفسها غبار الخمول وتولي تطور الاحداث اهتماما شديداً . وعقد اجتماع في وزارة الخارجية لمديري مختلف الوكالات المعنية ففشل مؤتمر جدة وحجم الحشود العراقية على الحدود أقنع المسؤولين الأميركيين بان هدف صدام ليس مجرد الضغط على الكويت . وتلقى المجتمعون معلومات من وكالة المخابرات المركزية مفادها أن غزو الكويت صار وشيك الوقوع .
وفي البنتاغون عقد الجنرال كولن باول رئيس الأركان اجتماعا مغلقا مع كبار العسكريين في غرفة مجاورة لمقر القيادة العسكرية . وكانت الغرفة هي غرفة المؤتمرات المعروفة باسم ( المصفحة ) هي صومعة نظام الدفاع الأميركي المحصنة ضد أي محاولة للتنصت .
حتى 30 تموز لم يكن البنتاغون يعتبر الغزو العراقي أمرا محتمل الوقوع . فقد ذهب المحللون بأن العراق يفتقر إلى أربع أمور أساسية وهي : نظام للاتصالات ، ومدفعية ، وذخيرة ووسائل لوجستية ضرورية لدعم الهجوم . وبالرغم من توافر هذه العناصر في الأول من أغسطس فإنه لم يتنبأ أحد بالغزو . والواقع أن أحد الحاضرين وهو الجنرال نورامان شوارز كوف عاد إلى مقره في فلوريدا .
وفي تلك الأثناء دعا مضر بدران رئيس الوزراء الأردني إلى عقد جلسة مغلقة للبرلمان وسبق لمضر أن رافق الملك حسين في رحلاته إلى العواصم العربية للوساطة . وكان قبل ذلك بيومين قد زار بغداد والكويت بالتعويض عن خفض أسعار البترول . وهو لا يريد الغاء ديونه فقط . إنه يصر على تجاوز الكويت والإمارات الحد في الانتاج عملا أسوأ من الحرب مع إيران " .
وواصل عرضه لمواقف العراقيين لمدة ثلاث ساعات . وقال أحد الحاضرين فيما بعد : " كان من الواضح أنه يعرف بأن الغزو سيقع في الساعات القليلة المقبلة وأنه أراد أن يهيئنا لذلك " .
ومن المصادفات الغربية أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية علمت بأن الغزو وشيك الوقوع من مصادر أردنية بعد ظهر اليوم ذاته . وعملا بالاتفاقات القائمة منذ عدة سنوات قامت في الحال باخطار المركز المحلي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية .

كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء في واشنطن عندما خرج ريتشارد هاس المدير الأعلى لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي من الاجماع بوزارة الخارجية وعاد إلى البيت الأبيض للاجتماع مع رئيسه الجنرال برنت سكوكورفت . وهناك قدم تقريرا مفصلا عن مختلف بيانات ووجهات نظر الذي حضروا الاجتماع . وتبين شيء واحد وهو أنه ليس هناك إجماع على أن العراق هو مجرد عرض للعضلات لإجبار الكويت على تقديم تنازلات في المفاوضات .
وبعد نصف ساعة غادر سكوكروفت وهاس مكاتب مجلس الأمن القومي بالدور الأرضي وصعدا للاجتماع ببوش في مسكنه بالدور الأول من المبنى الرئيسي . وبينما كان ثلاثتهم يناقشون نتائج الاجتماع ودلالاته رن جرس التلفون وعندما رفع سكوكروفت السماعة سمع صوت روبرت كيميت سكوكروفت أنه تلقى معلومات لم تتأكد بعد عن وقوع أول إطلاق نار بالكويت .
كان كيميت قد اتصل قبل ذلك بوقت قصير ببيكر في اركوتسك حيث كانت الساعة تشير إلى السابعة من صباح الثاني من أغسطس . وبما أن خط التلفون لم يكن مأموناً بسبب امكان التنصت إليه كان عليه أن ينقل معلومات محدودة بعبارة غامضة . لكن بيكر فهم فحوى الرسالة : جميع الدلائل تشير إلى أن الغزو أصبح وشيكا .
وبعد ذلك بنصف ساعة إجتمع بشيفارنادزه للمرة الثانية وأبلغه ما سمعه من واشنطن . قال بيكر : " إن مخابراتنا تقول بأن القوات العراقية المحتشدة على الحدود الكويتية تتلقى الامدادات باستمرار . ومن المتوقع وقوع الغزو . نأمل كبح جماح العراقيين " .
كان وزير الخارجية صديقا لجورج بوش . وكان كلاهما نموذجا صادقا للمجتمع الراقي في الساحل الشرقي وله القدرة على التعبير عن الوقائع الدرامية باسلوب لا أثر فيه للانفعال . وتحدث بيكر عن الأمر مع شيفارنادزه الذي صار يكن له الاحترام بكلمات محسوبة كما لو كان يتحدث إلى زميل له من أيام الدراسة ببرنستون .
واستمع شيفارنادزه إلى بيكر بمزيج من عدم التصديق والاحراج . وأجابه بأن الزعماء السوفييت يعرفون صدام حسين منذ زمن طويل وأضاف وهو يبتسم : " إنه يتعامل معنا . وأنا أثق فيه . ولا أعتقد أنه يعتزم غزو الكويت " .
وفي أعقاب ذلك مباشرة عقدا مؤتمرا صحفيا وهما لا يعرفان أن غزو الكويت قد وقع بالفعل .
كانت الساعة تشير إلى التاسعة عندما تلقى الرئيس بوش وزميلاه معلومات اكثر تفصيلا من دوائر المخابرات تؤكد أبعاد الغزو . إذ لم يكتف صدام باحتلال الحدود بل تجاوز إلى اجتياح البلاد .
* * *
في مدينة الكويت استيقظ ولي العهد في الساعة الواحدة والنصف صباحا ( العاشرة والنصف مساء بتوقيت غرينتش ، والسادسة والنصف مساء بواشنطن ) عندما تلقى مكالمة مقلقة من وزير الدفاع الذي كان يتكلم من مركز القيادة العسكرية يقول فيها بأن صدام يريد الاستيلاء على آبار النفط القريبة من الحدود وربما أيضا على جزيرتي بوبيان ووربة عند مدخل الخليج اللتين كان يطمح إلى الحصول عليهما منذ سنوات .
اتصل ولي العهد سعد على الفور بعدد من افراد الاسرة الحاكمة . وكان الذهول قد سيطر عليهم جميعا . وازدادت حدته عندما أخذت الأنباء ترد بالتدريج عن تحرك مئات الدبابات الثقيلة السوفييتية الصنع من طراز ت 62 إلى الكويت . وكانت على بعد 35 ميلا من العاصمة ترافقها شاحنات تحمل مئات الجنود والعربات المساندة المليئة بالبترول والماء .
* * *
أذاع راديو بغداد بيانا أعلن فيه أن " جماعة كانت تحاول قلب الحكومة الكويتية " . وقبل مضي وقت طويل أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يقول إن المحاولة نجحت وإن " الثوار الشباب يطلبون المساعدة من العراق . وردا على نداء الحكومة المؤقتة الجديدة في الكويت قرر العراق تلبية طلبهم للمساعدة " . وأضاف البيان بشكل محدد : " لقد دعا العراق إلى منع كل إمكان للتدخل الأجنبي في شؤون الكويت وفي مصير الثورة " . وأدانت إذاعة بغداد آل الصباح وقالت " إنهم خونة وعملاء للصهيونية ".
وتم بسرعة تحييد القاعدتين الجويتين الرئيسيتين في الكويت . فاحتلت وحدات المظليين قاعدة أحمد الجابر قرب المطار بدون أية مقاومة .
وقصفت قاعدة علي السالم قرب الحدود السعودية قصفا ثقيلا قبل نزول المروحيات المحملة بالجنود .
وبعد الغزو مباشرة هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية وهي في رحلتها رقم 149 إلى كوالا لامبور في مطار الكويت الذي يبعد ثمانية أميال عن العاصمة . وكانت الطائرة من طراز بوينغ 747 وعلى متنها 367 راكبا وطاقم يتألف من ثمانية عشر شخصا . وبعد هبوطها على المدرج في الساعة الثانية صباحا ببضع دقائق أخذت الطائرات العراقية تقصف المطار بينما كان طابور مدرع يتجه إليه . فوقع المسافرون في الفخ وصار من الممكن تحويلهم إلى رهائن .
ولم يبد الجيش الكويتي المؤلف من 25000 جندي سوى مقاومة ضئيلة لآلة الحرب العراقية .
* * *
في الرابعة صباحا تبين لولي العهد وباقي أسرة آل الصباح أنه لا أمل في وقف الحرب . وكانوا على اتصال دائم بواسطة التلفون بالسفارة الأميركية . وعندما عُلم بأن طلائع القوات أصبحت على بعد بضعة أميال من العاصمة قرر الأمير وأقرب أفراد أسرته إليه مغادرة قصر دسمان المسوّر حيث كان يعيش عدد من أفراد الأسرة الحاكمة . وأخذ أفراد الحرس الأميري مواقعهم حول القصر . لكن لم يكن لدى أي منهم أمل في الدفاع بشكل فعال ضد النيران العراقية . وأخذ الخوف يحل محل الذعر . وصارت تتلو الأوامر أوامر مضادة : فهل كان عليهم مغادرة القصر في الحال أو الانتظار ؟ وهل كان عليهم الاتصال بإحدى القاعدتين الجويتين العسكرية لإعداد طائرة ؟ وكان الأمير قد فقد ثقته بالقوات الجوية ، فقال بأنه يحتمل أن يكون العراقيون قد حيدوها.
ربما كان آل الصباح عندئذ يعيشون في غرف القصر التي تتلألأ أضواؤها اللحظات الأخيرة من عهد امارة دامت قرنين ونصف قرن من الزمن . فبفضل الذهب الأسود والدخل القومي الذي لا يقل عن عشرين بليون من الدولارات كانت الكويت قد أصبحت أغنى دولة في العالم . لكن النفط الذي عاد عليها بالثروة طيلة سنوات أصبح سبب سقوطها . ففي حين أن الجميع كانوا يحسدونها ، فإن المسؤولين فيها فقدوا القدرة على الرؤية ، والرغبة في التوصل إلى حلول وسط . ولم يدركوا أنهم كانوا فريسة سهلة تنتظر من ينقض عليها . وكان صدام حسين بالمرصاد .
وأرعب صوت القذائف من في القصر . وأخذ تبادل نيران الأسلحة الأتوماتيكية يقترب . ولاحت أعمدة الدخان المتصاعدة . وتعرضت المباني والمستودعات لإصابات مباشرة . ولم يعد لدى آل الصباح أدنى شك فيما يحدث : لقد كان قصر دسمان أحد الأهداف وربما الهدف الأول الذي حدده صدام لقواته . إذ كان يدرك أن الاستيلاء على الكويت لن يتم بدون إزالة المسؤولين عن امارة تافهة .
وانهمك الخدم في تحميل عدد من السيارات المتوقفة عند مدخل القصر . وفي الساعة 45: 4 صباحا انطلق آل الصباح ربما لآخر مرة مسرعين بسيارات الليموزين عبر الحدائق الرائعة المحيطة بالقصر . وشق الموكب طريقه عبر الشوارع المهجورة إلا من بعض الوحدات المدرعة المتجهة إلى جبهة القتال الزاحفة عليهم .
كانت جميع التفصيلات قد وضعت وأجريت آخر مكالمة تلفونية قبل الانطلاق مباشرة . فتوقفت السيارات أمام باب السفارة الأميركية حيث كان السفير بانتظارهم فحيا الأمير وحاشيته . وكانت بانتظارهم على بعد خطوات مروحية أميركية متأهبة للانطلاق . ولما لم يكن فيها متسع للجميع فقد استقلها الأمير وولي العهد وعدد من افراد الحاشية ، وتوجه الأخرون بالسيارات جنوبا إلى السعودية . وكانت الحدود على بعد 30 ميلا فقط والطرق إليها لا تزال آمنة . وعندما أقلعت الطائرة بالأمير الذي كان قد أضناه ما مرّ به ويشعر بالانهاك ، ألصق وجهه بزجاج إحدى النوافذ وأخذ يراقب طوابير الجنود العراقيين وهي تدخل ضواحي عاصمته .
وبسبب الفارق في التوقيت فإن اليابان كانت أول دولة صناعية ومالية كبرى تعرف تفاصيل الاجتياح . فبينما كانت الولايات المتحدة تستعد للنوم وأوروبا غارقة فيه ، أخذت اليابان تتابع الأحداث ساعة فساعة . فبالنسبة لليابان التي تستورد 80 % من حاجاتها النفطية من الخليج بسبب عدم توافر المواد الخام فيها ، اعتبرت ما يجري من أحداث مأساوية أمرا في غاية الخطورة . وفي الاسواق حيث تجري عمليات بيع النفط وشراؤه ارتفقت أسعاره كثيرا ، وسرت آثار ذلك إلى الاسواق المالية في الشرق الاقصى كما تسري النار في الهشيم . ولم يلبث ذلك أن انعكس في الثاني من أغسطس على العالم كله .
كان الملك حسين نائما في قصره وسط عمان رن الهاتف الموضوع إلى جانب سريره . فنظر إلى المنبه وهو شبه نائم فوجده يشير إلى السادسة صباحا . وكان وزراؤه والمقربون إليه قد تلقوا منذ زمن طويل تعليمات صارمة بأن لا يزعجوه أو يوقظوه بالتلفون إلا في حالات الطوارئ .
كان صوت المتحدث على الطرف الآخر يطغى عليه الانفعال إلى حد أن الملك لم يعرف للوهلة الأولى صاحبه الذي كان يصرخ : " هل سمعت ؟ هل سمعت ؟ " فأدرك الملك حسين أن المتحدث هو الملك فهد . وكان هذا يتحدث إليه من جدة فأضاف : " لقد غزوا الكويت ولا يبعد الكويتيون سوى بضعة أميال عن العاصمة . عليك أن تتصل بصدام حسين وأن تطلب منه أن ينسحب إلى منطقة الحدود المتنازع عليها " .
حاول الملك حسين تهدئة الملك فهد الذي قد حاول جاهداً الاتصال بصدام حسين . فوعد الملك بالتدخل في الحال .
* * *
عندما نشبت الحرب كان الشاذلي القليبي غارقا في النوم بالقاهرة فلم يستطع حتى ان يسمع جرس التلفون عندما بدأ يدق في جناحه حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا . وحدث عندئذ بالضبط أن عاد مساعده شوقي المرزوق من حفلة فوجد التلفون يرن أيضا في غرفته . وكان المتحدث عبد الرحمن العوضي وزير الصحة الكويتي الذي قال : " أحاول الاتصال بالقليبي ولكنه لا يجيب. أرجو أن توقظه " . فسأله المرزوق : " وهل الأمر خطير؟ فقال العوضي : " اجل وخطير جداً " .
وعندئذ أسرع المرزوق إلى جناح القليبي وأيقظه ووصله بالعوضي . فأبلغه هذا خير الغزو . فقاطعه القليبي : " لا بد أن يكون ذلك للاستيلاء على المناطق الحدودية فقط " فقال العوضي : " لقد اجتاح الكويت بأسرها . ونحن بحاجة إلى عقد اجتماع في الحال لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالجامعة العربية " .
ووضع القليبي السماعة والتفت إلى المرزوق وقال : " إنه يبالغ، إنه يحاول إخافتنا . " فعلق المرزوق على ذلك بقوله إنه يصدق العوضي . على أنهما عندما فتحا الراديو بعد ذلك لم يسمعا شيئا عن الموضوع .
وحوالي السادسة والنصف صباحا استطاع القليبي أخيرا أن يتصل بالأمير فيصل وزير الخارجية السعودية . فقال الأمير : " يا لها من كارثة . انهم يستولون على البلاد ، ولا ريب على البلاد برمتها " . وعندئذ صدق القليبي خبر وقوع الكارثة . فاتصل تلفونيا بمروان القاسم وزير الخارجية الأردنية الذي كان قد غادر القاهرة في الليلة السابقة ، وطلب منه إبلاغ الخبر للملك حسين . وعندئذ قرر مروان القاسم أن يخالف القواعد ويتصل بالقصر بالتلفون بالرغم من عدم وثوقه من الطريقة التي سيُستقبل بها اتصاله . ففوجئ بأن لدى الملك علم بذلك .
وفي السادسة والنصف حاول الملك الاتصال ببغداد . وكانت لديه عدة أرقام توصله عادة بصدام حسين . فطلبها كلها ولكنه لم يوفق في الاتصال به . ولم يستطع الاتصال إلا بطارق عزيز وزير الخارجية .
* * *
لم يعلم صدام شيئا عن محاولات الملك الاتصال به . فقد كان مرابطا في الحصن المنيع الذي بناه قرب بغداد . وكان يتوسط أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار ضباط الجيش وهو يتابع تقدم قواته داخل الكويت . وبحلول الساعة السادسة والنصف كان الغزو قد نجح ، وسيطرة قواته فعليا على البلاد بأسرها ، وبدأت بالقضاء على جيوب المقاومة في العاصمة . ولم يستطع صدام أن يخفي سروره وهو يستمع إلى ما تورده الاذاعات عن أخبار الجبهة . فالدولة التي استولى عليها كانت صندوقا بداخله كنوز خيالية . هذا بالإضافة إلى أنها كانت في نظره جزءا لا يتجزأ من الاراضي العراقية . لكن يرجح أنه لم يدرك أنه بإصلاحه الخطأ الذي اقترفته الدول الاستعمارية كان يتحدى باقي العالم .
* * *
في واشنطن كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من مساء الأول من أغسطس . وفي حوال التاسعة من ذلك المساء توجه ريتشارد هاس وبرنت سكوكروفت مباشرة بعد اجتماعهما بجورج بوش إلى قاعة المؤتمرات في الدول الأرضي . كانت تحيط بها عدة غرف على جدرانها خرائط ضخمة لمختلف المناطق قي العالم . وكانت المعلومات التي ترد إلى البيت الأبيض كل صباح من دوائر المخابرات تنقل على تلك الخرائط . وكانت القاعة مجهزة بالكمبيوترات الاكثر تطورا والتي تمكن من في القاعة من الاتصال فورا بأي بقعة على وجه الأرض .
وأقيم في الحال فيديو للاتصالات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع ( البنتاغون ) ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية ومقر رؤساء الاركان .
وكان المشاركون في الاجتماع إلى جانب سكوكروفت وهاس ، جون روبسون وكيل وزير المالية ، وروبرت كيميت نيابة عن جيمس بيكر ، ووليم وبستر مدير وكالة المخابرات المركزية ، ونائبه ديك كير ، والأميرال ديف جيرميه نائب رئيس الأركان ، وبول ولوفثر وكيل وزير الدفاع .
كان باستطاعة هؤلاء جميعا وكل منهم في مكتبه أن يتحدثوا وأن يتبادلوا ويقارنوا المعلومات بواسطة فيديو الاتصال . وسرعان ما أكدوا من وقوع الغزو ونطاقه . وقام برنت سكوكروفت بتنسيق مختلف الآراء والمعلومات مما أسبغ على الاجتماع ما يتميز به من وكان سكوكروفت يغادر القاعة بانتظام للاتصال بجورج بوش الذي كان قد بقي في مسكنه . وفي الساعة الحادية عشرة اتصل به للمرة الأخيرة قبل أن يذهب للنوم .
اتفق المشاركون على اتخاذ عدة إجراءات منها عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي في الثامنة من صباح اليوم التالي . وتقرر تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية قبل أن يضع الغزاة أيديهم عليها . ولكن تنفيذ القرار كان يستدعي عملية تنسيق فورية على نطاق العالم كله .
وكانت السلطات الكويتية قد جرت منذ عدة سنوات على تخصيص 10 % من دخول النفط من أجل قضيتين : إحداهما ويا لسخرية القدر وقدرها 2 % لتقديم قروض للعراق خلال الحرب مع إيران ، أما ال 8 % الباقية فكانت تحول إلى " صندوق الاجيال المقبلة " الذي يديره مكتب الاستثمارات الكويتية ، وهو شركة قابضة عملاقة مركزها لندن .
وحسب التقديرات كانت القيمة الكلية للاستثمارات التي يديرها مكتب الاستثمارات تبلغ مئة إلى مئة وعشرين بليون دولار . وكان نصيب الولايات المتحدة 10 % من جميع تلك الاستثمارات . إذ كانت الكويت قد استثمرت بين 25 و 30 بليون دولار في أميركا في الأسهم وسندات الخزينة والعقارات . وكانت الكويت المستثمر الأكبر في اسبانيا حيث كان الكويتيون أعضاء في مجالس عدد من الشركات الكبرى وفي بعض الميادين الحساسة كالصحافة والدفاع والمركبات الهيدرو كربونية . ولعب مكتب لندن للاستثمارات دورا حيويا في الحياة الاقتصادية ومجال الأعمال ببريطانيا . فقد كان بحيازته عدد كبير من الأسهم وخاصة أسهم شبكات البنوك والفنادق . ومضى وقت كان بحيازته 22 % من أسهم شركة " بريتش بتروليوم " فاضطر إلى تخفيضها إلى 9 , 9 % بسبب غضب الحكومة البريطانية وموقفها العدائي . وفي ألمانيا كان مكتب الاستثمارات مساهما في كثرة من الشركات الكبرى مثل دملر بنز وهوست . وكانت الكويت أيضا أكبر مستثمر أجنبي في اليابان وذلك في سندات الخزينة والاسواق المالية . ويمكن القول بأن المكتب تمكن هو وفروعه من اختراق الأقطار الرأسمالية الرئيسة بما فيها جنوب افريقيا في غضون بضع ساعات غير صدام ميزان القوى . فباستيلائه على آبار النفط الكويتية صار يسيطر على أكثر من خمس ما ينتجه العالم من النفط . وعلاوة على ذلك كانت الاستثمارات الكويتية كفيلة بتزويد صدام بموارد مالية ضخمة لطموحاته العسكرية ، وبوسائل إضافية لممارسة الضغط على الاقتصاد في الغرب .
* * *
ولمواجهة هذا الخطر تحرك المسؤولون الأميركيون بسرعة . فجرى ايقاظ عدد من المسؤولين الذين يعيشون في واشنطن وضواحيها في منتصف الليل واستدعوا إلى البيتالأبيض. وكان جميعهم من المحامين الذين يعملون في وزارة العدل . ولم يكن أحد مهم يعلم تماما وهو يتقدم نحو ضباط الأمن على باب البيت لماذا استدعي . وفي غضون دقائق عرفوا أن المطلوب منهم هو القيام بأقصى سرعة ممكنة بإعداد وثيقة قانونية يوقعها الرئيس وتجيز تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية على أراضي الولايات المتحدة . وكانت هذه خطوة معادية لبغداد تهدف إلى حماية مصالح الحكومة الكويتية التي أصبحت الآن في المنفى .
وبينما كان المحامون منكبين على عملهم أخذ روبسون وكيل وزير المالية يتصل بالتلفون بحكام البنوك المركزية في العواصم الأوروبية والآسيوية . وعلم غالبيتهم بالغزو عندما فاجأهم روبسون بالاتصال بهم في مثل ذلك الوقت المبكر من صباح اليوم . روبسون يطلب منهم اتخاذ إجراءات مماثلة بأسرع ما يمكن لتجميد جميع الأرصدة قبل أن تأخذ بغداد بزمام المبادرة عبر الوسطاء الذين يهيمنون على الكويت .
وأوقظ جورج بوش في الساعة 45 : 4 صباحا بعد أن تم إعداد الوثيقة . فوقعها وبذلك أصبحت الأرصدة مجمدة بالفعل . وقام مكتب الصحافة بالبيتالأبيضبصياغة بيان يعلن ذلك .
وبينما كان بوش يوقع الوثائق التفت إلى الجنرال برنت سكوكروفت رئيس مجلس الأمن الذي جمع الحضور وقال : " تأكد من قيام وزارة الخارجية بالاتصال بالدول العربية لضمان قيامها بإدانة غزو العراق للكويت " فقال سكوكروفت بانه سيقوم بذلك على الفور .
* * *
اتسع الوقت خلال الجلسة التي عقدت في غرفة المؤتمرات واستغرقت الليل كله لاتخاذ قرار بشأن خطوة أخرى . إذ كان وقت الدهشة لانه لم يكن أحد يعتقد بأن صدام حسين سوف ينفذ تهديداته قد مضى ، وأخذ الحاضرون في الغرفة والمتصلون بها بالفيديو يضعون أسس الرد.
ولم يكن الخيار العسكري قد طرح للمناقشة . لكن الخيارات الدبلوماسية كانت أوضح . فجرى الاتصال بالأمير وزملائه الذين لجأوا إلى السعودية بمجرد وصولهم إلى جدة . وعمل المسؤولون الأميركيون معهم على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة .
وشهد مقر الأمم المتحدة بمنهاتن نشاطا غير عادي لم يعهد في مثل تلك الساعة المبكرة . فأخذت السيارات تفد تباعا وهي تحمل السفراء والوفود . وفي الساعة الرابعة صباحا اتخذ أول قرار بشأن الأزمة العراقية وهو القرار رقم 660 الذي دعا العراق إلى الانسحاب من الكويت بلا شروط ، وإلى اعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو. ولم يمتنع عن التصويت سوى اليمن ، في حين أن الصين وحتى كوبا صوتتا إلى جانب الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا . ورد سفير العراق إلى الأمم المتحدة بأن حكومته استجابت لنداء من " الثوار الكويتيين الشبان " من أجل المساعدة .
ودعا القرار العراق والكويت إلى " البدء في الحال بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما " . ورحب بأية جهود أخرى تبذل في هذا السبيل وخصوصا من قبل جامعة الدول العربية .
* * *
في واشنطن لم يكن أمام سكوكروفت وهاس وغيرهم ممن شارك في الاجتماع الماراثوني الذي استمر من التاسعة مساء إلى الخامسة صباحا سوى ثلاث ساعات للعودة إلى بيوتهم والاستحمام وتغيير ملابسهم . فقد كان عليهم حضور اجتماع مجلس الأمن القومي مع بوش في الثامنة من صباح اليوم التالي .
* * *
وفي اركوتسك وعند تمام العاشرة والنصف صباحا ( أي التاسعة والنصف من مساء اليوم الفائت في واشنطن ) توجه وزيرا الخارجية الأميركي والسوفييتي بعد مؤتمرهما الصحفي إلى المطار ، ليعود السوفييتي إلى موسكو وليتابع نظيره الأميركي رحلته إلى اولان باتور عاصمة منغوليا . أما دنيس روس زميل بيكر فقد رافق شيفارنادزة إلى موسكو.
وتلقى بيكر خلال رحلته اتصالا من واشنطن عبر الخط الخاص وجرى إبلاغه أخبار الغزو بالتفصيل . وفيما كانت طائرته لا تزال في طريقها إلى منغوليا ، وهي دولة حدودية يبلغ عدد سكانها مليونين وتفصل بين الاتحاد السوفييت والصين بعيدا عن الجنون والذعر اللذين على باقي العالم ذهب إلى مؤخرة الطائرة حيث كان يجلس الصحفيون وأخبرهم عما حدث .
وبعد ذلك بساعة هبطت طائرة شيفارنادزة في موسكو . وكان لا يزال يجهل ما حدث . فلم يكد يخرج من الطائرة حتى اندفع نحوه صحفي يعمل بوكالة تاس وسأله :
" ما تعليقك على الغزو ؟ " . وفوجئ وقال : " أي غزو ؟ " . فقال الصحفي " غزو العراق للكويت " .
وارتبك شيفارنادزه ورفض الإجابة على الأسئلة بقوله : " لم تصلني الأخبار ، وأنا ذاهب للتشاور مع المستشارين " ثم التفت فجأة إلى زميله سيرجي تراسنكو وقال بغضب : " جد في الحال ما يحدث " .
أما روس فتوجه مباشرة إلى سفارة الولايات المتحدة واتصل ببيكر واقترح إصدار بيان مشترك سوفييتي أميركي ، لا يدين الغزو فقط بل يدعو إلى عمل مشترك ضد العراق . ووافق بيكر ، واتصل بجورج بوش للحصول على موافقته . فرأى الرئيس أن الفكرة ثاقبة وأعطاه الضوء الأخضر . ثم اتصل بيكر بروس في موسكو وقال : " حضر نص البيان ولكن احرص على أن يكون جيدا " .
واتفق على أن يختصر بيكر زيارته لمنغوليا وأن يتوجه إلى موسكو لاعلان البيان المشترط مع شيفارنادزه . وعهد إلى روس بالتفاوض مع السوفييت حول ذلك . فتحدث روس مع تراسنكو وقال له بأن مثل ذلك البيان سوف يقنع الدول العربية الأخرى بعدم الوقوف إلى جانب العرق ، ويحبط آمال صدام في استغلال التنافس بين الدول العظمى كما كان الحال في الماضي . وتردد تراسنكو في البداية ولكنه بعد أن استشار شيفارنادزة سيأتي إلى موسكو خصيصا لقراءته " .
كان أبو اياد، الرجل الثاني في منظمة التحرير والمسؤول خصوصاً عن شؤون الأمن والمخابرات، نائماً في الفيلا التي يسكن بها في ضواحي تونس. وكانت زوجته التي تعيش عادة في الكويتن قد وصلت قبل وقت قصير . وأيقظتهما مكالمة تلفونية من أفراد أسرتهما في العاصمة الكويتية. وعلما منهم بأن القتال كان يجري غير بعيد من بيتهم . وقت متأخر من الليل في بيته بمنطقة صامد. وكان عرفات على علم بما يجري . إذ كان أفراد أسرته الذين يعيشون في الكويت قد زودوه بأخبار الغزو. فقررا زيارة عدد من العواصم العربية في اليوم التالي .

__________________
كُن صديقاً للحياه وإجعلِ الإيمانَ رايه

وإمضي حُراً في ثبات إنها كُل الحكايه
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
العراق, القصة, الكاملة, الكويت, إيران

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اعمال حماس العراق الكاملة ابو عمر المبارك المواضيع العامه 0 August 26, 2008 09:58 PM
قضية اغتصاب فتاة القطيف - القصة الكاملة خبر عاجل قناة الاخبار اليومية 7 April 3, 2008 04:35 PM
تقرير: إيران اقوى نفوذا من امريكا في العراق مجموعة أنسان أرشيف الأخبار اليومية 6 August 26, 2006 11:46 PM


الساعة الآن 09:59 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر