فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم June 30, 2019, 12:46 PM
 
Smile «المعري» بين الزندقة والتجديد بقلم ماهر حسن


«المعري» بين الزندقة والتجديد
بقلم
ماهر حسن

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، وهو كما نعلم شاعر شهير وأيضا من مجددي القرن الخامس الهجرى، وهو مولود عام 363هـ، وتوفى عام 449 هـ، واكتسب لقبه من انتسابه إلى (معرة النعمان)، وهى قرية في شمالي الشام بين حلب وحمص، ولم يكد يبلغ الرابعة حتى أصابه الجدري فأفقده بصره أو كاد وقد ظهر في آثاره التنوع والدراية الواسعة بالعلوم، وقضى شبابه في عصر مضطرب؛ فقد كان الحمدانيون يحكمون شمالي الشام في ذلك العهد حكما مزعزعا لوقوعهم بين الفاطميين الذين كانوا يتقدمون من الشمال، ولم تكن هذه الظروف ملائمة على الإطلاق للأدب.. ومع أن عصر سيف الدولة الزاهر كان قد انقضى، فالنهضة الأدبية التي بدأها ذلك الأمير لم تكن قد خفتت بعد، وكانت شهرة الشام الأدبية عظيمة آنذاك.

درس أبوالعلاء في حلب وطرابلس وأنطاكية على تلاميذ النحوى «ابن خالويه» وغيرهم من علماء الشام، وكان يتجه بدراساته إلى احتراف المديح، كالمتنبي مثلا، وقد وصلت إلينا بعض مدائحه في «سعد الدولة الحمداني»، لكنه سرعان ما ترك أشعار المديح؛ تحسبا منه ألا تطال كبرياءه بشيء من المهانة، فقال في مقدمة (سقط الزند): «لم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبا للثواب»، وكان عند عودته إلى المعرة- يعيش من معاش سنوى قدره ثلاثون دينارا تدفع له من مال محبوس، ومن الأجور التي كان يدفعها بعض الطلاب الذين اجتذبتهم شهرته الفائقة، لما كان له في مسقط رأسه من مكانة، وانتخاب مواطنيه له للرد نيابة عنهم. وقد بقى في المعرة حتى 401 هـ حتى استقر رأيه، لأسباب مجهولة، على أن يعيش في بغداد، ولكنه قفل راجعا بعد عام وسبعة أشهر إلى موطنه وعن هذا قال: إن مرض أمه وحاجته إلى المال هما السببان اللذان دفعاه إلى العودة، ويبدو أن السبب الأخير، بعيد الاحتمال، فقد كان له أصدقاء ذوو نفوذ يستطيعون أن يمدوا له يد المعونة، إذا احتاج الأمر إلى ذلك إلا أن زيارته لبغداد تدل على مرحلة دقيقة في حياته، وحيث كان إلى ذلك الوقت قد عرف بأنه عالم متبحر وشاعر متأثر بأسلوب المتنبي الذي كان مفتونا به، ولم تظهر موهبته الفريدة إلا في آثاره المتأخرة التي كتبها بعد عودته إلى المعرة (اللزوميات) و(رسالة الغفران)، وقد استوعب في بغداد كثيرا من الآراء والتأملات الخارجة على مذهب أهل السنة التي يتميز بها هذان الكتابان
وقيل أن وفاة أمه تركت فيه بالغ الأثر، واعتزل الناس، وعاش في كهف أخذ نفسه فيه بالتقشف: لا يأكل لحم الحيوان بل لا يتناول البيض واللبن، ولعل هذا كان سببا في وصفه بـ«رهين المحبسين» ووفد عليه الطلاب ليقرأوا عليه وأمضى نحو أربعين عاما في عزلة لم يخلد فيها إلى الكسل وكان نتاج هذا قائمة مصنفات كثيرة ألفها معظمها خلال هذه المدة، إلى أن توفى عام 449هـ (1058م).
أما مجموعة أشعاره الثانية (لزوم ما لا يلزم)، فإنها تتميز بآراء جريئة، وتعرف هذه المجموعة عادة باسم «اللزوميات» إشارة إلى الصعوبة الفنية التي التزمها في القافية، ولأبى العلاء مؤلف آخر مشهور هو (رسالة الغفران)، وهى رسالة كتبها بأسلوب منمق وأهداها إلى رجل يدعى على بن منصورالحلبى. وقد عرض المؤلف الشعراء الزنادقة الذين غفر لهم، ومن هنا اشتق اسم الرسالة، والذين رفعوا إلى الجنة، فيما يمكن وصفه«الكوميديا الإلهية» أو هي في الحقيقة قصة جريئة خلط فيها الجد بالهزل، وهي تحتوى إلى جانب هذا على قدر كبير من المعارف المتنوعة، وعلى حديث عن الزنادقة بنوع خاص، مع شواهد من أشعارهم، والنظر في طبيعة معتقداتهم.
وقد حدث جدل طويل حول عقيدة أبى العلاء المعري في حياته، وإن لم يعدم من يدافع عنه، فقد عده الكثيرون من معاصريه زنديقا، وشاعت عنه هذه الصفة منذ ذلك الوقت، والشواهد على ذلك من مصنفاته الغامضة المتناقضة، غير هجومه الشديد على ابن الراوندى في رسالة الغفران، كما أنه أخذ بعقيدة أهل السنة في إعجاز القران وهو- وإن بدا أنه تحدث في بعض شعره في اللزوميات، كما يتحدث المسلم الورع- فليس هناك مذهب إسلامي لم يسخر منه وقد فسر هذا على عدة وجوه، وكان أعجبها الفرض الذي يقول إن أفكاره كانت مقيدة بصعوبة القافية التي التزمها في أشعاره، وليس أمامنا إلا القول بأنه كان في أعماقه متشككا، وأن معظم أقواله تدلل على هذا، والراجح أن الفقرات التي تدل على إيمانه، كان يقصد بها ذر الرماد في أعين النقاد، أو ربما كان في بعض الأحيان يضع شكوكه موضع الشك، ويهاجم مرارا وتكرارا أولئك الذين يستغلون استعداد العامة لتصديق الخرافات بقصد اكتساب السلطة والمال، وكان ينظر إلى الفناء على أنه خلاص سعيد من الحياة الفانية، وقد حمله تشاؤمه الشديد على الاعتقاد بأن الإثم كل الإثم، إنما هو إنجاب الأبناء وتعريضهم لجميع ألوان الشقاء التي يتعرض لها كل حي.
وتبدو الجوانب التجديدية عند أبى العلاء في أعمال العقل، حيث يرى أنه يجب على كل شخص أن يتبع ما يلهمه إياه العقل، وهو خير إلى الحقيقة. وهذا معنى التنوير بأجلى معانيه، وعلى هذا كان أبوالعلاء المعرى الشاعر الفيلسوف المفكر المجدد مثلًا حيًا لأبناء الحضارة العربية الإسلامية.


المصدر
__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المعري

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأشعري بين مذهبين بقلم ماهر حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 June 30, 2019 12:38 PM
شمس الأئمة والإخوان بقلم ماهر حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 June 30, 2019 12:29 PM
تحميل كتاب ابوحيان التوحيدى بين الزندقة والابداع للدكتور محمد عمارة Yaqot روايات و قصص منشورة ومنقولة 0 May 22, 2014 02:23 PM
انا عضو قديم لكن جديد من حيث الجديد والتجديد ذهانى الترحيب بالاعضاء الجدد ومناسبات أصدقاء المجلة 5 October 10, 2013 04:10 AM
المعجم الوسيط بين المحافظة والتجديد وضوح الكلمة أرشيف طلبات الكتب 3 February 18, 2011 12:13 AM


الساعة الآن 03:15 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر