فيسبوك تويتر RSS



العودة   مجلة الإبتسامة > الموسوعة العلمية > تحميل كتب مجانية > الأخبار الثقافية وعروض الكتب

الأخبار الثقافية وعروض الكتب جديد الكتب في الأسواق واخبارها ومتابعتها والمناقشات والاصدارات الجديدة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم June 3, 2018, 02:32 AM
 
Smile «المصري اليوم» تنشر صفحات من السيرة الذاتية لأشهر ثنائى فى الأوساط الاقتصادية

«المصري اليوم» تنشر صفحات من السيرة الذاتية لأشهر ثنائى فى الأوساط الاقتصادية

«الشيخ جودة».. الميكانيكى وراعى الغنم الذى تزوج بنت الأكابر وأصبح وزيراً للتموين

كتب: مصباح قطب
تاريخ عجيب من الشقاء والمعاناة والحب والعناد والتفوق. هذا ما يقوله كتاب «حكاية مصرية»، الذى سيصدر قريبا، للدكتور جودة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، ورفيقة دربه أستاذة الاقتصاد الدكتورة كريمة كريم، ابنة عضو مجلس الشيوخ الوفدى، وربيبة مدرسة الراهبات الألمانية.
حكاية إنسانية درامية شائقة ومثيرة.. مبكية ومفرحة وملهمة.. تنقل جودة من العمل بالزراعة إلى رعى الغنم ثم إلى حفظ القرآن، تمهيدا للالتحاق بمعهد أزهرى ثم تمرد على المعهد قبل دخوله بأيام بسبب علقة من شيخه- وهو قريب له - لمجرد أنه طلب منه تفسير الآية «سنسمه على الخرطوم»، نهره الشيخ وضربه بعنف طالبا منه أن يحفظ فقط «ورجله فوق رقبته».. عمل والد جودة- الأمى- بالكامب الإنجليزى ثم بشركة كهرباء فرنسية بالقاهرة وكاد يدفع جودة إلى ترك الدراسة الثانوية ليعمل بها خراطا لولا تدخل والدته. جودة ابن قرية ميت العز-دقهلية، عاش على الضنك فى قاهرة المعز لكنه أصبح الثانى على الثانوية العامة والأول على دفعته فى كلية الاقتصاد، وقد صافح الرئيس عبدالناصر مرتين فى عيد العلم عامى 1960 و1964 خلال الدراسة بالكلية، وقع من أول نظرة فى حب ابنة قيادة وفدية كبيرة وهى الدكتورة كريمة على كريم التى تحتاج إلى راتب كراتبه وهو معيد فقط لتأكل به شيكولاتة، لكن تم زواج الراعى والآنسة التى لم تعرف يوما كيف يعد كوب الشاى، واحتاجت إلى دليل عندما سافرت مع زوجها إلى كندا لتعرف منه أن الأرز يغسل قبل الطهى وأن المكرونة لا. فى كندا تعرضا لمؤامرة من أستاذ صهيونى حتى يعودا إلى مصر فاشلين، وعمل جودة ميكانيكى سيارات ومساعد جناينى ومنظم مرور أمام مدرسة أطفال وبائع موسوعات، وعملت بنت الأكابر مساعد طباخ وبائعة مقشات بيد خشبية وموزعة إعلانات سلع، كل ذلك بكبرياء، تأبى طلب العون من أى أحد ولو كان من أسرة كريمة! وأخيرا عادا ظافرين بالدكتوراه انتصارا على الصهيونى وعلى نفسيهما، إذ رفضا الجنسية الكندية ورفضا أيضا العمل بالتدريس هناك مع أن راتب الواحد منهما بمصر سيكون 1/ 50 مما عرض عليهما هناك. هى حقا أشياء لا تشترى وهما حقا نوع من البشر لا يمكن أن يبيع ذرة من تراب بلده أو من ضميره العلمى بكنوز العالم. المؤلفان اختصا «المصرى اليوم» بصفحات التكوين فى الكتاب قبل أن يرى النور.

كانت حقول ميت العز فى دلتا النيل بمحافظة الدقهلية تفوح برائحة زهور البرتقال والمشمش والخوخ مع تباشير الربيع. وكانت أصوات الطيور تنطلق فرحة بالربيع القادم وبدء دورة جديدة للحياة. وعلى بعد مئات الكيلو مترات فى صحراء العلمين كانت هناك أصوات من نوع آخر. إنها أصوات مدافع إلانجليز/ مونتجومرى، والألمان/ روميل، فى المعركة التى كانت تدور على أرض مصر. لكنها أصوات مرعبة تنذر بالدمار والموت. وبين تباشير الحياة القريبة ونُذر الدمار البعيدة، جاء المولود الثانى للعائلة، وكان ذلك فى العاشر من إبريل 1942، كانت الأحوال الصحية فى ريف مصر وقتذاك صعبة للغاية بسبب الفقر والجهل والمرض، ذلك الثالوث الرهيب. ولذلك مات المولود الأول للأسرة بعد شهور من ولادته. ولأن الذرية- الأولاد - هم رأس مال الأسر الفقيرة فى ذلك الوقت، فقد كان موت الأبناء مصابا أليما إضافة إلى كونها خسارة فادحة، أى صدمة للقلب وللجيب. هكذا تلقت الأسرة خبر موت الابن البكرى، فكان رد فعلها التلقائى أن نذرت الأم أن تسمى مولودها القادم باسم أحد الأولياء فى قرية قريبة اسمه «سيدى الشيخ جودة»، على أمل أن يمد الله فى عمره. وهكذا اكتسب المولود الجديد اسمه من سياق مجتمعه ـ فى معادلة دقيقة بين الحياة والموت، والاختيار والقدر. «جودة» كان هذا هو اسم المولود الثانى للأسرة والأكبر بين أبنائها الثمانية بعد فقدان مولودها الأول...

كانت العائلة فى الأصل من ذوى الأملاك فى ميت العز، ولديها أطيان مكنتها من أن تعيش ميسورة الحال. إلا أنها تأثرت بتقلبات الأيام ومفعول الميراث وتحولات الاقتصاد والسياسة. فتحولت إلى عائلة فقيرة ممتدة تكابد العيش بفلاحة مساحة من الأرض كانت موضوعا للتفتت المتسلسل من جيل إلى جيل، بمفعول الاحتياجات البيولوجية ومقتضيات الشريعة الإسلامية. وإلى جانب الزراعة، اشتغل أعضاء الأسرة ـ ومنهم الغلام ـ بتربية الماشية ورعى الأغنام. وبعد أن ضاقت الأرض بذراعيها، ارتحل والد الطفل إلى التل الكبير للعمل فى الكامب - معسكر قوات الاحتلال الإنجليزى هناك- وكانت تلك مقدمة لهجرة الأسرة الصغيرة إلى القاهرة طلبا للرزق بعد ذلك بسنوات...

بعد أن صار الطفل غلاما، مارس أنواع العمل الزراعى فى فلاحة أرض الأسرة الممتدة، فعرف كيف ينقل «التراب» من الغيط إلى المنزل، ليستخدم فى ردم أرضية الزريبة عندما تتشبع بفضلات المواشى الصلبة والسائلة. ويقوم بصرف المجارى من الخزان الخاص بها عندما يمتلئ، ثم ينقل «السباخ» (السماد البلدى) من زريبة المنزل إلى الحقل لتخصيب المزروعات بالسماد العضوى. كان ذلك هو النسق المغلق للزراعة المصرية فى زمانه، كل شىء من الحقل وإليه. عرف كيف يضع الغبيط على ظهر الحمار، وكيف يملؤه (يُحمله) بالتراب أو السباخ، وكيف يقود الحمار فى رحلته من الحقل إلى المنزل أو العكس. أتاح له ذلك أن يراقب الحمار ويتعامل معه عن قرب. فاكتشف أنه مخلوق ذكى وليس حيوانا غبيا، كما يشاع عنه، فهو يعرف طريقه دائما، وقد تعلم الغلام من الحمار كيف يعرف طريقه جيدا، وألا يسمح للشواغل بتشتيت انتباهه وتحويل مساره، فهو يعتبر نفسه دائما فى مهمة، يسعى لإنجازها بكل تفان وإخلاص. كما اكتشف الغلام من تجربته فى تلك المرحلة أن الحمار ليس متبلد الإحساس كما يروى عنه. إن لديه اعتزازًا بالنفس وكرامة، مما يدفعه أحيانًا إلى التمرد والثورة على صاحبه إذا أحس أنه يهينه. وأدرك العلامات التى تنبئ بأن الحمار على وشك أن يتمرد على صاحبه فيوسعه ركلا بكلتا رجليه أو يعضه بأسنانه، وهو قد يسبب لصاحبه إصابات بالغة، وقد يفضى به إلى الموت. وهناك علامات أو مؤشرات على الحالة المزاجية للحمار، فعندما يكون الحمار فى حالة صفاء وسلام مع صاحبه يسير وأذنيه متدليتين إلى جانبيه وذيله فى وضع عمودى على الأرض، وعندما يكون الحمار فى حالة غضب ويكون على وشك التمرد على صاحبه، تجد أذنيه أخذتا وضعا رأسيا فيما يشبه الهوائى (إلايريال) للإرسال والاستقبال، وتجد ذيله أخذ زاوية 45 درجة مع جسمه. فإذا رأيت حمارا على هذا النحو، فتأكد أنه قد ينقلب على صاحبه فى أى لحظة!

فى تلك المرحلة من حياته تعلم الغلام فى قريته أيضًا كيف يروى الأرض بتشغيل الساقية والطنبور وكيف يقوم بـ«تحويل الميه» وغاص فى طين القرية واستحم فى ترعتها (جنابية كفر منصور المتفرعة من الرياح التوفيقى). كان يمشى حافى القدمين ويعمل فى الحقل ويستحم فى مياه الترعة وقنوات الرى التى كانت مرتعا لقواقع البلهارسيا، فأصابته بذلك المرض اللعين، واعتاد أن يذهب كل صيف إلى مستشفى صهرجت الكبرى (وهى مدينة صغيرة تبعد حوالى ثلاثة كيلومترات من قريته) للعلاج بحقن كانت تنتقل من شخص إلى آخر دون تعقيم، فأصابه ما هو أخطر من البلهارسيا ـ الالتهاب الكبدى الوبائى (فيروس C)- وإلى جانب العمل الزراعى، مارس الغلام، كباقى أفراد أسرته، نشاط الرعى، عمل راعيا للغنم، كان يجوب جوانب الترع والجسور وأيضا الحقول بعد جمع المحصول بقطيع من الأغنام، عدد قليل منها ملك لعائلته، لكن أغلبها مملوك للغير من أهل القرية. كانت هذه تجربة خصبة، تعلم منها كيف تكون عينه دائما على قطيع الأغنام وعلى كلبه الذى يتولى استطلاع الذئاب المتربصة. أصبح الغلام يعرف من سلوك الكلب متى يكون هناك خطر كامن داخل حقول الذرة أو خلف الجسر، فيبادر باتخاذ ما يلزم لحماية قطيع الأغنام. تلك كانت بدايات تعلم الغلام مسؤولية الراعى عن رعيته، وقد استفاد منها بعد ذلك فى كل مجال عمل فيه. وفضلا عن اليقظة الدائمة، تعلم الغلام أيضًا من مهنة راعى الغنم معنى الصبر واحتمال المشاق.

ابتلى الله الغلام بقراع أصاب رأسه، وحارت أسرته ماذا تفعل. جربت كل ما كان متاحا من تراث العلاج الشعبى: تراب الفرن، المراهم، الرقية والأحجبة والنذور، والتردد على أضرحة أولياء الله الصالحين فى القرى المجاورة، قال لهم الناس إن شفاء رأس الغلام يكمن فى شحم وابور قطار الدلتا، الذى كان يمر بالقرية على الشط الشرقى للرياح التوفيقى. كانت جدته، رحمها الله، تصطحبه كل يوم وتقف به على محطة قطار الدلتا انتظارا لوصول القطار ثم تقوم بأخذ ما تيسر من شحم الوابور وتدلكه فى رأس المسكين، لم يكن مؤكدا أن هذا الشحم يشفى من القراع، لكن هو التمسك بالأمل مهما كان ضعيفا، تماما كالغريق الذى يتعلق بقشة طلبا للنجاة، ويبدو أن الحرارة المرتفعة لشحم القطار ساعدت فى إعطاء الغلام إحساسا بالراحة، وربما تكون قد ساهمت فى قتل الميكروبات المسببة للقراع، وربما تكون هذه العوامل كلها. المهم أن القراع اختفى، ولكن بعد أن تجاوز الغلام سن القبول بالمرحلة الابتدائية...

وسعيا للحاق بقطار التعليم، قررت أسرته إعداده لدخول المعهد الدينى بالزقازيق. فأوكلته إلى الشيخ عبدالناصر، ابن عم والده، لتحفيظه ما تيسر من القرآن وتعليمه مبادئ القراءة والكتابة والحساب لمساعدته على اجتياز اختبار القبول بالمعهد الدينى بالزقازيق.

كانت ميت العز، كما كان جميع أهل الريف فى ذلك الوقت، تعلق أهمية كبيرة على التعليم الدينى فى المعاهد الأزهرية، وكان المعهد الدينى فى الزقازيق هو قبلة أولاد العائلات للحصول على التعليم، نظرا لما حققه ذلك المعهد من شهرة واسعة، وعلى نفس الدرب سارت الأسرة، فقررت أن تلحق ابنها الأكبر بالمعهد الدينى فى الزقازيق...

بدأ الغلام يتردد على كتاب الشيخ عبدالناصر ليحفظ ما تيسر من أجزاء القرآن الكريم استعدادا لدخول امتحان القبول بالمعهد الدينى فى الزقازيق. ودارت الأيام، وحفظ جزءَى عم وتَبَارك، كما حفظ سورتَى البقرة وآل عمران، وصار فى وضع يؤهله لاجتياز اختبار القبول فى المعهد الذى لم يبق على موعده سوى أسبوع واحد، باق من الزمن سبعة أيام ويدخل الابن الأكبر هذا العالم المثير، عالم الأزهر، من أوسع أبوابه وهو المعهد الدينى بالزقازيق، التى كانت أقرب لميت العز من مركز ميت غمر الذى تتبعه القرية إداريا، ولكن فجأة، حدث ما لم يكن فى الحسبان، وفشل مشروع الالتحاق بالأزهر، وتغير المسار كليا...

فذات يوم ذهب الابن الأكبر إلى الكتاب وهو يجاهد لحفظ سورة القلم، كان نص الآية 16 فى تلك السورة هو: ﴿سَنسمه َعلى الخرطوم﴾، ولم يكن الغلام الصغير يفهم معنى الأية، فطلب من شيخه أن يشرحها له حتى يسهل عليه حفظها، لكن الشيخ رفض بإصرار، وقال للغلام غاضبا: «احفظ ورجلك فوق رقبتك» فرد الغلام: «لن أحفظ» فعاجله الشيخ بالضرب المُبرح بقسوة لم يتوقعها، ولم يفهم مبررا لها، ولم يقبلها، كانت تلك أولى مواجهات الغلام مع الطغيان...

كان ضرب الشيخ عبدالناصر صدمة شديدة له، وزاد من قسوة الموقف أن الغلام لم يفهم سببا لذلك الضرب، هل جزاؤه أنه طلب من شيخه شرح الآية لكى يفهمها؟ لماذا يربط طلب العلم بالأذى والقهر؟ إلى الجحيم بأى شىء يأتى مع القهر.

استقبله أبوه مهللا: «لم يبق إلا أسبوع وتلتحق بالأزهر»، ففاجأه بلا تردد: «لو كان الأزهر هو الجنة فلم أعد أرغب فيها، لم يعد الأزهر يلزمنى، وسأبحث عن طريق آخر». وقع كلام الابن على الأب كالصاعقة، لقد كان يتحرق شوقا وهو الفلاح الأمىّ لأن يصبح ابنه يوما من شيوخ الأزهر المُعممين.؟ وها هو يرى الأمل يتحول إلى سراب، وهو لا يعرف ماذا يفعل. حاول جاهدا أن يثنى الابن عن عزمه وأن يقنعه بالتراجع عن موقفه، لكن دون جدوى...

كانت عقارب ساعة التاريخ المصرى قد تخطت حاجز 23 يوليو 1952، بـ«انقلاب» مجموعة الضباط الأحرار الذى أطاح بالملك فاروق، ثم كان إعلان التحول من الملكية إلى الجمهورية فى 18 يونيو 1953 لم يدرك الابن الأكبر هذه التحولات الكبرى فى بلده لسبب بسيط، لقد كانت قرى مصر فى حال وعاصمتها فى حال آخر يبعد عنه مئات السنين ـ فلا كهرباء ولا مياه ولا صحف ولا إذاعة- لذلك لم يعلم الغلام بالذى كان يجرى من أحداث جسام فى القاهرة، رغم أنها لا تبعد عن قريته أكثر من 60 كيلو مترا...

كريمة بين الوفديين

كان والدى محاميًا مستقلاًّ وله اسمه المهنى المعروف، كما كان من رجالات حزب الوفد وعضوًا فى مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ عن دائرة شبرا وروض الفرج قبل ثورة 1952 ثم قامت ثورة 1952، فتم عزله سياسيا، مثله مثل الكثيرين ممن كانوا يعملون بالسياسة فى ذلك الحين. ولكن الحمد لله أنه لمُ يعتقل مثل كثيرين من الوفديين المعروفين. كما تم إغلاق مكتب المحاماة الخاص به. وأدت الإجراءات الاقتصادية التى اتخذتها حكومة الثورة إلى انخفاض دخلنا من الملكية الزراعية... ولكنه بالرغم من كل تلك الصدمات تمكن، بالتعاون مع والدتى، من أن يحافظا لنا على مستوى معيشة مرتفع بشراء عمارة فى موقع متميز بالمعادى، كانت معروضة فى المزاد، بعد هروب صاحبها اليونانى من مصر دون دفع الضرائب المستحقة عليه... وبفضل ذلك تمكنت أسرتنا من المحافظة على مستوى المعيشة الذى اعتدنا عليه، بما فى ذلك وجود السائق والطباخ وعدد من الشغالين بالمنزل. لقد كفلا لنا حياة مريحة، فلم نكن نحتاج أن نأتى لأنفسنا حتى بكوب ماء. وتعلمنا أيضًا من الوالدين أن هؤلاء الشغالين أصبحوا من الأسرة، وبالتالى نحن مسؤولون عن تعليم أولادهم، وعلاجهم فى حالات المرض، ورعايتهم عند كبرهم بحيث يصل إليهم راتبهم الشهرى... هكذا كانت نشأتى وإخوتى، مرتاحين اقتصاديا، ولكن فى نفس الوقت تعلمنا مساعدة الآخرين خاصة من يعملون فى خدمة الأسرة.

ومن القواعد التى نشأنا عليها أيضًا، وأظن أنه نشأ عليها الجزء الأكبر من جيلنا، عدم وجود فارق بين المسلم والمسيحى، فكلنا مصريون، ولا نختلف عن بعضنا البعض إلا بأخلاقنا وليس بديننا. وأتذكر فى هذه الفترة ثلاث وقائع تدل على قوة العلاقة بين جميع المصريين، مسلمين وأقباطا. الواقعة الأولى تتعلق بالمنافسة الانتخابية، فقد كان والدى فى كل انتخابات برلمانية يفوز دائمًا بالتزكية عن دائرة شبرا وروض الفرج. وكما هو معروف، فإن نسبة كبيرة من السكان فى هذه الدائرة من الأقباط، وكانت المكافأة التى يحصل عليها والدى من عضويته فى البرلمان لا يحتفظ بها لأسرتنا، وإنما تقسم فى أظرف مغلقة وتوزع أول كل شهر على المحتاجين من أهل الدائرة دون تمييز بين مسلم ومسيحى...

والواقعة الثانية التى أتذكرها من حكايات الوالدين هى أنه فى إحدى دورات انتخابات البرلمان، فوجئ والدى بوجود باشا مسيحى مرشحا أمامه فى الدائرة فتضايق بعض الشىء، وقام بعمل دعاية انتخابية لأول مرة فى حياته البرلمانية، وبعد انتهاء الانتخابات نجح والدى باكتساح، ثم فوجئ بمأمور القسم يتصل به ويطلب مقابلته. وأثناء اللقاء أخبره المأمور بأنه بعد ظهور نتيجة الانتخابات يستطيع أن يبلغ والدى بما حدث، وأضاف المأمور أنه تلقى أوامر صريحة من السرايا الملكية بإسقاط والدى لصالح منافسه وهو الباشا المسيحى، الذى كان مرشح الملك، ويرجع السبب فى محاولة إسقاط والدى فى الانتخابات إلى أنه كثيرا ما كان يختلف مع الملك لما يراه من فساد. وقد حاول الملك أن يستميل والدى إلى جانبه، فأصدر مرسوما ملكيا دون علم والدى بتعيينه محافظًا لأكبر محافظة فى الوجه البحرى وقتها… مع منحه الباشوية، إلا أن والدى رفض قبول هذه المنحة على أساس أن هدفها كان شراء الملك له حتى يضمن ولاءه.... فكان رد فعل الملك هو الدفع بمرشح باشا مسيحى كمنافس لوالدى فى الانتخابات، باعتبار أن أغلب المُصوتين فى الدائرة من المسيحيين. وقد اعترف المأمور لوالدى أنهم عجزوا عن تزوير الأصوات فى صناديق الانتخابات لأن أهالى الدائرة استشعروا أن ترشيح باشا مسيحى أمام والدى فى الدائرة إنما المقصود به استبعاد على كريم، فتجمهر الناس حول صناديق الانتخابات عند نقلها من مقر لجان التصويت إلى مقر لجان الفرز، وبالتالى لم يستطع تزوير أى أصوات بناء على طلب السرايا، واكتسح والدى الانتخابات.

أما الواقعة الثالثة التى أتذكرها فكانت نقلا عن والدتى، حيث ذكرت لنا أنه فى إحدى مرات الاعتقال السياسى لوالدى قبل 1952، جاءها أحد القساوسة يحمل مبلغا من النقود وأخبرها أنه اقترض هذا المبلغ من على بك (يقصد والدى). وأضاف القسيس أنه جاء الآن لرد الدين، فرفضت والدتى أخذ المبلغ على أساس أن والدى لم يبلغها بذلك، وأخبرت القسيس بأنها ستزور والدى فى المعتقل فى اليوم التالى وستسأله عن ذلك، وكانت المفاجأة أن والدى لم يقرض القسيس أى مبلغ، ويبدو أن تصرف القسيس بدافع الشهامة، فقد تصور أن أسرة على كريم تحتاج إلى مساعدة بعد غلق مكتب المحاماة لوجود والدى فى المعتقل، وبالتالى جاء يقدم هذه المساعدة المالية فى شكل سداد دين وهمى عليه حتى لا يمس كرامة الأسرة أو يجرح إحساسها...

كان تعليمى فى المدرسة الألمانية للراهبات بباب اللوق، وقد تعلمت فيها الكثير من الالتزام والانضباط واحترام المواعيد وتقديس العمل الجاد، وهذا أفادنى كثيرا فى عملى، ولكنه لم يخلُ من سلبيات أيضًا بالنسبة لى فى عملى، فالتعامل بالانضباط والجدية فى العمل واحترام المواعيد ليس أمرا معتادا فى مصر، وكذلك أيضًا فى منطقتنا العربية، ولذلك عندما أكون مسؤولة عن عمل بحث أو تقرير لإحدى المنظمات الدولية كمنظمات الأمم المتحدة التى أعمل معها كثيرًا، تواجهنى صعوبات فى اختيار أعضاء الفريق ممن يتمتعون بالكفاءة والانضباط فى نفس الوقت، إذ يكون من الضرورى تسليم البحث أو التقرير المطلوب للمنظمة الدولية فى تاريخ محدد بناء على العقد المبرم معها... ولذلك كان اختيار أعضاء فريق البحث من المهمات الصعبة بالنسبة لى دائما بسبب تنشئتى على النظام الألمانى الصارم وتشبعى به، ولا أنسى تجربة معينة مع إحدى منظمات الأمم المتحدة التى وقعت معها عقدا لإجراء بحث معين، فلقد توفى والدى أثناء فترة إعداد البحث طبقا للعقد، وهو لم يكن لى والدًا فقط، بل كان صديقًا حميمًا أيضًا، لا أنسى تجربة عملى فى البحث ودموعى تسيل على الورق، حيث كنت أريد أن أنتهى منه فى الميعاد المحدد بالعقد، فليس لهم علاقة بما حدث، ولا يجوز أن أحملهم تأثير وفاة والدى علىّ، ولكن رغم ضغطى على نفسى وجدت أننى لن أستطيع الوفاء بميعاد العقد، وإنما سأستطيع تسليم البحث بعد هذا الميعاد بعشرة أيام. فأرسلت إلى المنظمة أعتذر عن هذا التأخير... ولن أنسى أبدا ردهم علىّ: «لا تتأسفى، هناك خمسة فى المائة فى العالم فقط يسلمون أبحاثهم فى ميعاد التعاقد، وأنت منهم»، وهذا الرد خفف كثيرًا من شعورى بالذنب فى التأخر فى تسليم البحث، ولكنى تمسكت بمنهجى فى الانضباط الذى تعلمته فى المدرسة الألمانية.


المصدر

__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
«المصري اليوم» تنشر صفحات من السيرة الذاتية لأشهر ثنائى فى الأوساط الاقتصادية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السيرة الذاتية للكاتب المصري صلاح جاهين Yaqot روايات و قصص منشورة ومنقولة 0 May 8, 2014 10:58 AM
السيرة الذاتية للشاعر المصري أحمد يوسف نعمة Yaqot روايات و قصص منشورة ومنقولة 0 February 28, 2014 03:20 PM
السيرة الذاتية cv strawberrytouti طلبات الاعضاء 1 October 9, 2011 11:09 PM
السيرة الذاتية حنان صالح معلومات ثقافيه عامه 2 June 15, 2010 02:29 PM
السيرة الذاتية مصطفى كمال عبدالمحسن الترحيب بالاعضاء الجدد ومناسبات أصدقاء المجلة 5 June 6, 2010 03:31 PM


الساعة الآن 09:37 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر