فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم May 20, 2018, 10:46 PM
 
نقد إميل لجان جاك روسو

نقد إميل جان جاك روسو
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
هذا نقد لكتاب إميل لجان جاك روسو وهو كتاب عن التربية وهو كتاب يتناول كيفية تربية الأطفال
التربية من الربو وهو النمو أى الزيادة والتربية تنقسم لنوعين :
الأول تربية البدن وهى تغذية وتدريب أعضاء الجسم
الثانى تربية النفس وهى ما يسمى بالتعلم
والآن لتناول ما فى الكتاب:
التربية وهدفها:
بين روسو المراد بالتربية وهى التغذية والتعلم فقال :
"إن دراستنا الحقة هى دراسة البيئة الإنسانية وبهذا تكون التربية الحقة بالممارسة أكثر مما هى بالتلقين فالإنسان يبدأ التعلم حين يبدأ الحياة فتربيتنا تبدأ معنا ومعلمنا الأول هو حاضنتنا وكان الأقدمون يعنون بالتربية التغذية ولئن قال قائلون أن القابلة تخرج الطفل إلى النور فترضعه الحاضنة ويؤدبه المؤدب ويثقفه معلم المدرسة فهذا التفريق ساء استعماله وينبغى لخير الطفل أن يتولى قياده مرشد واحد لذا يجب أن نوسع أفقنا ونستهدف فى تلميذنا الإنسان المجرد المعرض لجميع عوارض الحياة البشرية ص32
ونجد هنا الهدف من التربية دراسة البيئة الإنسانية والمراد التعامل مع الناس وهو تعريف ناقص فالهدف هو التعامل العادل مع البيئة كلها وليس مع الناس وحدهم
كما نجد أمرا غريبا وهو أن يتولى قياد الطفل مرشد واحد وهو كلام غير معقول فلو افترضنا وجود هذا المعلم الذى يربى الطفل وحده فكيف سيرضعه هذا المعلم وهو ليس امرأة ومن سيدفع للمعلم أجر التربية ليلا ونهارا وكيف تكون تعاملات المعلم هل لا يتزوج هل لا ينجب أطفال حتى يربى هذا التلميذ ؟
بالطبع حكاية المربى أى المعلم الواحد هى أمر غريب والرجل نفسه ناقض نفسه فيها فى عدة فقرات مثل تربية الأم بالرضاعة وغيرها فى قوله:
"إن لهذه المٍسألة أهمية أكثر مما يظن فإن أردت أن يلتزم كل إنسان بواجباته الأولى فابدأ بالأمهات وستعجب للتغير الذى ينجم عن ذلك فهذا الحرمان من لبن الأم هو الأصل الذى نبعت منه كل الشرور إذ خمدت فى القلوب جذوة الفطرة وقلت فى البيوت نسمة الحيوية ومنظر الرضعاء لم يعد يجتذب الأزواج فلا آباء ولا أمهات ولا أطفال ولا إخوة ولا أخوات منذ انحل رباط الأسرة"ص37
وقد بين روسو أن تعليم الطفل عمليا هى الطريقة الأفضل للتربية وإن كان العامة يرونها عملية خاطئة بقوله :
وأسوأ ما فى هذه التربية الاستقلالية الأولى أن عقلاء الناس وحدهم هم الذين يقدرونها قدرها أما سواهم من الدهماء فلا يرون فى مثل ذلك الطفل إلا متشردا عديم التربية والمعلمون يفضلون كسب السمعة على حساب تكوين الطفل وكأن الطفل سلعة كل همهم منها الربح ص150
ومن هنا نفهم أن هدف التربية عند المعلم بناء الطفل بناء سليما وليس مجرد الكسب من خلال تعليمه
كما بين أن على المعلم أن يجعل التلميذ يدرس الطبيعة عمليا ويحل المسائل بمفرده ولا يتدخل إلا عند عجزه فقال :
"إن الطفل الذى يقرأ لا يفكر فهو يقرأ فحسب إنه لا يتعلم حقا بل هو يحفظ ألفاظا فحسب اجعل تلميذك يتنبه لظاهرات الطبيعة وسرعان ما يصبح متطلعا يملؤه الفضول إليها ولكن إياك أن تتعجل اشباع هذا الفضول الذى أيقظته عنده بل ضع المسائل فى متناول يده ثم دعه يتول حل كل مسألة منها بنفسه إذ يجب ألا يعرف شيئا على أساس أنك قلته له أو لقنته إياه بل لأنه فهمه بنفسه إنه يجب أن يخترع العلم ويكتشفه لا أن يحفظه ص152
ووضح روسو أن الهدف من التربية ليس حشو عقل التلميذ بالمعلومات وإنما تعريفه الأفكار الدقيقة الواضحة ليميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل فقال :
وتذكروا دائما أن هدفى من التعليم ليس الإكثار من المعلومات بل ألا أدع شيئا يتسرب إلى ذهن التلميذ سوى الأفكار الدقيقة الواضحة فليس يعنينى ألا يعرف شيئا ما دام لا يعرف شيئا خاطئا مغلوطا وليس همى أن أودع دماغه الحقائق إلا لحميه من الأخطاء التى كان حريا أن يتعلمها بدلا منها ص157
أنواع التربية:
قسم روسو التربية لثلاثة أنواع فى قوله:
"والتربية تأتينا إما من الطبيعة أو من الناس أو من الأشياء فنمو وظائفنا وجوارحنا الداخلى ذلكم هو تربية الطبيعة وما نتعلم من الافادة من ذلك النمو ذلكم هو تربية الناس وما نكتسبه بخبرتنا عن الأشياء التى تتأثر بها فذلكم هو تربية الأشياء "ص26
تربية الطبيعة وتربية الناس وتربية الأشياء وهو يقصد بتربية الطبيعة ما وضعه الله فى الجسم من قانون للنمو عن طريق التغذية وتربية الأشياء يقصد بها ما يتعلمه الإنسان من تجاربه مع المخلوقات عدا الإنسان حية أو ميتة وأما تربية الناس فيقصد بها ما يعلمه الناس للأطفال
وهو هنا يخلط الأمور فتربية الطبيعة وهى تربية الغذاء هى جزء من تربية الناس للطفل فمن يرضعه أو يطعمه هو الناس ومن ثم فتربية الطبيعة أى النمو الجسمى هو جزء من تربية الناس فالمولود لا يرضع لوحده ولا يطعم لوحده وإنما ينظم الناس له الغذاء
كما أن ما سماه تربية الأشياء لا تقع كثيرا مع الطفل والناس هم من يخبرونه بكيفية التعامل مع الأشياء والاستفادة منها أو البعد عن أضرارها ومن ثم فالتربية هى عملية خاصة بالناس سواء فى طفولتهم أو فيما بعدها والمربون الأوائل هم الأم والأب كما قال تعالى :
"وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا"
وقد بين روسو أن التربية النافعة هى أن يتوافق الأساتيذ الثلاثة الطبيعة والناس والأشياء فى تعليمهم والتربية السيئة عندما لا يتفق الأساتيذ فى تعليمهم فقال :
"كل امرىء منا إذن يتولى أمر تشكيله ثلاثة ضروب من الأساتيذ والتلميذ الذى تتضارب فيه دروسهم المتباينة تسوء تربيته ولن يكون على وفاق مع نفسه أما من تتوافق فيه تعاليمهم فتنصب على أمور واحدة وتستهدف غايات واحدة فهذا هو الذى يصل إلى مبتغاه ويعيش فى وفاق مع نفسه وهذا هو من طابت تربيته "ص26
بالقطع الكلام غريب فالأساتيذ الطبيعة والناس والأشياء كيف يتفقون ولا يوجد بينهم لغة للحوار ؟
ويبين روسو أن تربية الطبيعة خارجة عن إرادتنا أما تربية الأشياء فلا تدخل تحت سلطاننا إلا بمقدار وأما تربية الناس فتلك دون سواها مطوعة لنا بحق فقال :
"ومن بين ضروب التربية الثلاثة نلقى تربية الطبيعة خارجة عن إرادتنا أما تربية الأشياء فلا تدخل تحت سلطاننا إلا بمقدار وأما تربية الناس فتلك دون سواها مطوعة لنا بحق بيد أننا لسنا مسيطرين عليها إلا افتراضا فمن ذا الذى يتطاول فيطمع أن يهيمن الهيمنة كلها على أقوال كل من يحيطون بالطفل وأفعاله ؟"ص26
والقول بكون تربية الطبيعة خارجة عن إرادتنا كليا هو ضرب من الخيال فالتغذية الخاطئة قد تجعل الطفل بدينا أو تجعله سقيما عنده سوء تغذية فالسبب فى انحراف النمو الجسمى هو تغذية الناس المحيطين بالطفل له
وبين روسو أن التربية عادة تنسى أو تصان فقال:
"وما التربية يقينا إلا عادة وكأين من إنسان ينسى تربيته أو يهدرها وكأين من إنسان يصونها فمن أين جاء هذا الاختلاف ؟ فهل نقصر لفظ الطبيعة على العادات التى توافق الطبيعة فلا حاجة بنا لمزيد من الافصاح "ص27
وأما سبب الاختلاف فى نسيان أو صون التربية هو إرادة المتربى فهو يتمسك بها أو ينساها كما قال تعالى "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
ومقولة توافق الأساتيذ التى قال بها روسو فى قوله :
"كل امرىء منا إذن يتولى أمر تشكيله ثلاثة ضروب من الأساتيذ والتلميذ الذى تتضارب فيه دروسهم المتباينة تسوء تربيته ولن يكون على وفاق مع نفسه أما من تتوافق فيه تعاليمهم فتنصب على أمور واحدة وتستهدف غايات واحدة فهذا هو الذى يصل إلى مبتغاه ويعيش فى وفاق مع نفسه وهذا هو من طابت تربيته "ص26
نراه قد نقضها حيث بين استحال توافق الأساتيذ الثلاثة فقال :
"إلى هذه النزعات الأولية إذن ينبغى أن نرد كل شىء وهذا ميسور لو أن الضروب الثلاثة من تربيتنا كانت متباينة فحسب ولكن ما الحيلة فيها حين تتعارض؟ وحينما لا يكون المطلوب تربية شخص من أجل ذاته بل تربيته من أجل سواه فما أحرى أن يكون عسيرا أو ممتنعا فيتحتم أن نكافح فى تربيته إما الطبيعة وإما المقولات الاجتماعية فإما أن تجعله إنسانا أو تجعله مواطنا إذ يمتنع أن تجعله هذا وذاك فى آن واحد"ص27
ونلاحظ هنا أن روسو يقول انه من المحال تربية إنسان فيكون إنسانا ومواطنا معا فالطبيعة هى من تربى الإنسان والمقولات الاجتماعية هى من تربى المواطن والمقولة خاطئة فالإنسان هو إنسان فى أى مكان وهو فى نفس الوقت مواطن حسب الحكم أى الدين الذى يتربى عليه
ويبين روسو أن المواطن يقسو على الأجانب لأنه فى رأيه ليسوا بشرا وهو قوله :
"إن كل مجتمع جزئى إذا كان ضيق الحدود شديد الترابط ينفصل عن المجتمع الكبير وكل وطنى فيه قسوة على الأجانب فما هم إلا بشر ولهذا فهم ليسوا فى نظره شيئا ص28
بالقطع ليس كل مواطن فيه قسوة على الأجانب وغنما يوجد ناس يتعاملون مع الأجانب بالعدل والإحسان كما أن الكثير من الأديان تأمر معتنقيها بهذا فحتى اليهودية التى يقال أنها أكثر الأديان عنصرية فيها نصوص تأمر فيها مواطنها أى معتنقها بوجوب العدل مع الأجنبى ومن تلك النصوص :
وبين روسو أن كتاب جمهورية أفلاطون هو كتاب تربوى وليس كتاب سياسى يجب بناء عليه محو كلمة الوطن والمواطن من اللغة وهو قوله :
"وإذا أردت أن تعرف كيف تكون التربية العامة اقرأ جمهورية أفلاطون فما هو بكتاب فى السياسة كما يتوهمه من يحكمون على الكتب بعناوينها بل هو أجمل سفر فى التربية خرج من يد بشر إن الهيئة العامة لم يعد لها وجود وليس من الممكن أن توجد لأنه لم يعد للوطن وجود فلا يمكن إذن أن يوجد المواطنون فينبغى أن تمحى كلمة الوطن والمواطن من اللغات الحديثة وعندى مبررات هذا الرأى ولكنى لا أريد الإدلاء بها هنا لأنها لا تتصل بالموضوع الذى نحن بصدده ص30
وبالطبع كتاب جمهورية أفلاطون هو كتاب فى نواحى الدولة المختلفة فهو يبحث عن أنظمة الحكم ويبحث عن العدل وكيفية تربية الناس وكيفية ترتيب الناس وتوظيفهم لخدمة الدولة العادلة فى رأيه
ولو أنصف روسو لقال أن أفلاطون فى هذا الكتاب ينسف الإنسانية نسفا من خلال أخذ الأولاد من الآباء والأمهات لتربيهم الدولة
وبين روسو أن الطفل جهودا لا جدوى منها تستنفد قواه وتعطل نموه بقوله:
"ويبذل الطفل جهودا لا جدوى منها تستنفد قواه وتعطل نموه فيكاد يندم على أنه ولد لأنه لا يرى فائدة جناها من ولادته "ص34
وهو كلام غريب فالنمو لا يتعطل وإنما النمو يأخذ وجهة غير وجهة الحق المطلوبة وهى وجهة الباطل فالطفل إن لم يجد من يربيه على الحق ذهب للباطل بمعرفة أو دون معرفة
وبين روسو أن سبب بكاء الطفل هو تكبيله بالقيود والتعذيب من قبل الناس فى قوله:
"أتقولون أن أول صوت يصدر عن الطفل هو البكاء لا ريب عندى فى هذا فإنكم تكرهونه على ذلك بما تكبلونه به من قيود وتنزلونه به من عذاب فلا يجد شيئا لديه حرا إلا صوته فكيف لا يستخدمه ليجأر بالشكوى إنه يبكى من الأذى الذى تنالونه به ولو أنكم منيتم بمثل ذلك لكنتم أسرع منه إلى البكاء وأبرع"ص35
وبالطبع روسو هنا جاهل فالطفل لا يبكى عند ولادته لأنه لا يعرف أى شىء حتى يبكى وإنما الأمر كما يقول الأطباء سببه تعامل الجهاز التنفسى مع الهواء لأول مرة فتصدر تلك الأصوات
التعامل مع الأطفال :
بين روسو أن التربية الحقة تبدأ بالأمهات حيث الحرمان من لبنهن سبب الشرور التى يرتكبها الأطفال عندما يكبرون فقال :
"إن لهذه المٍسألة أهمية أكثر مما يظن فإن أردت أن يلتزم كل إنسان بواجباته الأولى فابدأ بالأمهات وستعجب للتغير الذى ينجم عن ذلك فهذا الحرمان من لبن الأم هو الأصل الذى نبعت منه كل الشرور إذ خمدت فى القلوب جذوة الفطرة وقلت فى البيوت نسمة الحيوية ومنظر الرضعاء لم يعد يجتذب الأزواج فلا آباء ولا أمهات ولا أطفال ولا إخوة ولا أخوات منذ انحل رباط الأسرة"ص37
هنا يعول أهمية كبيرة على الرضاعة الطبيعية فى تربية الجسم وهى حقيقة ولكن كون الشرور ناجمة من الحرمان من الرضاعة الطبيعية هو تخريف وهو ما اعترف به فى فقرة أخرى فجعل سبب الشر هو إرادة الأطفال الضعيفة فقال :
"إن الطفل لا يكون شريرا إلا بسبب ضعفه فإن أحب تحطيم الأشياء فليس ذلك عن سوء نية ولكن لأنه يشعر بالحاجة إلى الحركة والانفعال ص70
وبين روسو أن الواجبات متبادلة بين الأم والطفل وأن على الطفل أن يحب أمه قبل أن يعرف أن هذا واجب وهو قوله:
"وإذا لم تكن هناك أم فليس هناك طفل فالواجبات بينهما متبادلة وحيث تكون الإساءة من جانب يكون الإهمال من الجانب الآخر فالطفل يجب أن يحب أمه قبل أن يعلم أن هذا واجب وما لم يجد نداء الدم تأييدا بالتعود والرعاية سرعان ما يخفت فى السنوات الأولى ويموت القلب قبل أن يولد وهكذا نجد أنفسنا منذ المراحل الأولى وقد خرجنا على الطبيعة ص38
بالطبع الحب بين الأم والطفل هو السيرة الأصلية ولكن فى العديد من الحالات نجد الحب مفقود من الاثنين أو من واحد منهما إما بسبب المشاكل الزوجية وإما بسبب المعاملة السيئة
ورغم قول الرجل بالحب المتبادل بين الأم وطفلها فإنه يطالب الأمهات والآباء بالقسوة على الأطفال فيتركونهم لآلام الحمى والسعال وغيرهم فيقول :
"فالأسنان لا تنبت لهم إلا بالحمى والسعال الطويل يكاد يخنقهم والديدان تعذبهم والخمائر الطفيلية تقسو عليهم وتعرضهم لكثير من الأخطار ويكاد يكون عهد الطفولة الأول مرضا وخطرا متصلين ونصف الأطفال الذين يولدون يهلكون قبل السنة الثامنة ولكن متى مرت المحنة يكون الطفل قد اكتسب مناعة هذه هى سنة الطبيعة فلماذا نخرج عليها ألا ترون أنكم إذ تفكرون فى تصحيحها تقوضون عملها أن التجربة تدل على أن الأطفال المرفهين عرضة للموت أكثر من غيرهم فمرسوا أطفالكم بالمتاعب التى سيكون من الحتم عليهم احتمالها يوما ما وقووا أجسامهم بالتعرض لاختلافات الفصول والأجواء والعناصر والجوع والعطش والتعب وثقوا أن الطفل أكثر احتمالا للتغيرات من الرجل فمفاصله أطوع وأشد مرونة أما الرجل فليس كذلك فمن الممكن إذن تقوية الطفل من غير أن تتعرض صحته أو حياته للخطر وحتى إن وجد بعض الخطر فليس من الخير أن يردنا عما اعتزمناه لأنه خطر لا مناص منه ما عاش الإنسان"ص39
بالطبع تقوية الطفل واجبة وأما تركه فريسة للمرض دون علاج حتى يقوى فأمر جنونى لأن المرض سيضعفه أو يميته عن ترك بلا علاج
ويبين روسو أن التربية يجب أن تكون بملازمة الأم والأب للطفل دون مفارقة إطلاقا بقوله:
"أفتريدون أن يحتفظ الطفل بصورته الفطرية ؟ احفظوها عليه إذن منذ قدومه إلى هذه الدنيا متى ولد الزميه أيتها الأم والزمه أيها الأب ولا تفارقيه مطلقا إلى أن يستوى رجلا ولن يكون فلاحه إلا من هذا الطريق وكما تكون المرضع أم الطفل الحقيقية يكون المؤدب أباه فيجب أن يكون توافق بين قيام المرضع والمؤدب بمهمتها سواء فى الترتيب أو المنهج حين ينتقل الطفل من يدها على يده"ص41
وهو كلام جنونى لأن الطفل ليس وحيدا والأم والأب لديهم التزامات أخرى كالعمل بوظيفة أو الطهى أو الكنس أو غسل الملابس فم المفارقة إطلاقا هو ضرب من الجنون
ويبين روسو أن المربى الذى يريده مربى لطفل واحد فقط طوال عمره وأن التربية هى تعريفه علم واجبات الإنسان ليس بالأمر والنهى المباشرين ولكن من خلال تمهيدات وعروض وهو قوله :
"إن مربيكم يستطيع أن يستبدل تلميذا بتلميذ كل بضع سنوات أما المربى الذى أعنيه فلن يتسع عمره إلا لتلميذ واحد فأنا لا أعرف تباينا فى مراحل التعليم والتأديب لأنى لا أعرف إلا علما واحدا ينبغى أن يلقنه الأطفال وذلك هو علم واجبات الإنسان وإنه لعلم واحد لا يقبل القسمة ولا يمكن أن يتجزأ ولهذا أفضل أن أسمى المعلم أو المؤدب مربيا لأنه سيكون معنيا بإرشاده أكثر من عنايته بتلقينه العلم ولا ينبغى له أن يقدم إليه الوصايا والنواهى بل ينبغى أن يمهد له ويوجهه إلى الكشف عنها بنفسه ص46
بالقطع حكاية مربى واحد لطفل واحد طوال العمر هى مقولة خيالية ليس لها وجود لأن الطفل يصبح رجلا ويتزوج وينفصل عن مربيه ويصبح لديه أطفال فى حاجة للتربية كما ينشغل عن مربيه بعمله الوظيفى
وأما ما قصده بتربية الطفل وهو علم واجبات الإنسان فهو الأمر المطلوب كما أن التربية غير المباشرة بدلا من الأوامر والنواهى المباشرة
ونجد روسو يختار تلميذه من بين أبناء المعتدلة فى قوله:
"ولهذا نجد أن ابن الإقليم المعتدل حين يرحل إلى الأقاليم المتطرفة الأجواء يتمتع بمزية واضحة لأنه وإن تعرض للظروف التى يتعرض لها القادم من الجو المضاد إلا أنه لا يتكلف من الأثر إلا نصفه بسبب تكوينه فى بيئة وسطى ويبدو لى أن تكوين المخ فى الأقاليم المتحرفة أقل كمالا منه فى الأقاليم المعتدلة فالزنوج والاسكيمو أقل توقدا من الأوربيين فإذا فرضنا أنى أردت لتلميذى أن يكون صالحا لسكنى الأرض كافة فإنى اختاره من بين أهالى المنطقة المعتدلة من فرنسا مثلا فذلك أدنى لغرضى من أى مكان سواه"ص4
وهو كلام خيالى فالمربون لا يختارون تلاميذهم فى الغالب وإنما يفرض التلاميذ على المعلمين سواء كانوا يعرفونهم من قبل أو لا يعرفونهم معرفة مسبقة وأمامنا قصة موسى(ص) التلميذ الذى فرض نفسه على المعلم وهو العبد الصالح (ص)عندما قال :
" قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا"
وقد بين روسو واحدة من طرق التربية فبين أن التربية يجب أن تكون تربية عادلة تفيد الفقير كما تفيد الغنى حيث تعود الاثنين على التأقلم على الحيوات المختلفة فقال:
"ومهما يكن من شىء فالتربية الطبيعية ينبغى أن تعد الرجل كى يكون لائقا للحياة فى جميع الظروف البشرية فما يستقيم أن نربى الفقير تربية من سيعيش فى الثراء ولا أن نربى الثرى تربية من سيعيش فى الفاقة ولكن تربية الفقير ليصلح لحياة اليسار قد تكون أحمق من تربية الثرى ليصلح لحياة الفاقة لأننا إذا نظرنا إلى الإحصاء وجدنا من يثرون بعد فقر أقل عددا بكثير ممن يفلسون بعد غنى ص48
ويعيد روسو الفكرة وهى تعويد التلميذ على الحياة الوسط من خلال تربيته حتى لا يشقى الغنى من التلاميذ إذا افتقر هو أو أهله ولا يشقى الفقير إذا اغتنى فقال :
فلتكن التربية تربية الإنسان من حيث هو لا تربية الإنسان من حيث ما ليس هو ألا ترون أنكم إذ تعملون على تنشئة الرجل ليعيش فى طبقة معينة مما يجعله غير صالح لطبقة سواها وانه عند أى تغير يروق للأقدار سيكون هذا الشخص شقيا وستكون تربيتكم له مجهودا متواصلا للإمعان فى شقائه ص166
وهى وجهة نظر صحيحة لخصها القول "اخشوشنوا إن النعمة لا تدوم"
ويبين روسو أن تربية التلميذ الهزيل أو صاحب العاهة تربية ضارة خاسرة بقوله:
"إن الذى يقبل رعاية تلميذ ذى عاهة أو هزيل إنما فى الواقع يغير مهنته فبعد أن كان مربيا يمسى ممرضا وهو الخاسر بالعناية بحياة لا جدوى منها يخسر على الأقل الوقت الذى ينفقه فى زيادة قيمة حياة مقضى عليها ويعرض نفسه لأن يرى أما منكودة تقرعه ذات يوم وتحمله ذنب موت ابن كان ينبغى أن يصون لها حياته طويلا"ص50
وهو كلام ينافى مبدأ الإنسانية الذى ينادى به روسو فى قوله:
أيها الناس كونوا أشد الإنسانية فهذا هو واجبكم الأول كونوا رحماء بجميع الطبقات وبجميع الأعمار وبجميع من ليسوا غرباء عن البشرية فأى حكمة أن تكون لكم عن خرجتم عن إنسانيتكم أحبوا الطفولة وارعوا فى مودة لهوها وملذاتها وطبيعتها الأليفة ص80
فذوى العاهات والمرضى تربيتهم واجبة كغيرهم وصاحب العاهة أو المريض قد يكون أفضل من التلميذ السليم المعافى وهو أمر طلب الله من نبيه(ص) أن يفعله مع الأعمى فقال :
"عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1)أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ (8) وَهُوَ يَخْشَىٰ (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ (10)
وبين روسو أن الجسم الهزيل يضعف الروح وان الطب معظمه دجل فقال :
الجسم الهزيل يضعف الروح ومن هنا يأتى سلطان الطب الذى أراه أشد إيذاء للناس من جميع الأمراض التى يزعم شفاءها وأنا شخصيا لا أعرف من أى مرض يشفينا الأطباء ولكنى أعرف جيدا أنهم يصيبوننا بأمراض جد وبيلة منها الجبن والسذاجة والغفلة والفزع من الموت فلئن صح أنهم يشفون الجسم فإنهم إذن يقتلون الشجاعة والإقدام وما ضير أن يسيروا جثثا كانت هامدة إنما نحن بحاجة إلى رجال ولست أرى الرجال يخرجون من أيدى الأطباءص51
وحكاية أن الجسم المريض يضعف الروح هى خرافة فالإرادة هى المهمة وكم من سليم الجسم روحه خائرة وكم من مريض الجسم قوى الروح كما ان هذه الأمر يتنافى مع ديانة الرجل النصرانية فهناك قولة فى العهد الجديد تعتبر الأجسام سواء سليمة أو مريضة ضعيفة واما الروح فهى قوية وهى قولة يسوع "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (إنجيل متى 26: 41؛ إنجيل مرقس 14: 38(
وكرر روسو نفس المقولة مبينا أن النمو النفسى وهو الأخلاقى لا يتوافق مع النمو الجسمى فقال
إننا نعمل فى توافق مع الطبيعة وبينما الطبيعة تكون الشخص المادى نحاول نحن أن نكون الشخص الأخلاقى ولكن سرعة التكوين فى الحالتين غير متساوية فالجسم يصل إلى القوة والعنفوان فى الوقت الذى لم تزل فيه الروح خائرة ضعيفة وهذا هو الإشكال ومهما اجتهد الإنسان فى مسعاه يظل المزاج سابقا للعقل وكل محاولاتنا السابقة كانت منصبة على ايقاظ العقل وتهذيب الحس ابقاء على وحدة التلميذ ونفى الصراع من داخله قدر الامكان ص219
ومن ثم فالمعلم يجب أن يراعى تلك الفروقات فى النمو من خلال تعامله مع التلميذ
ومقولة كون الطب أشد إيذاء للناس من جميع الأمراض التى يزعم شفاءها فينقضها هو بقوله أن الطب المعالج جميل فى قوله:
"إن العلم الذى يثقف والطب الذى يعالج شيئان جميلان بدون شك ص52
وهو يناقض القولين فيجعل الطب نافع وضار معا فى قوله:
"وإن كنت لا أمارى فى أن الطب قد يكون نافعا لبعض الناس ولكن أعتقد أنه ضار بالنوع البشرى بصفة عامة ص52
ويعود مرة أخرى فيجعل الطب ضار كله فيقول:
لقد اتضح من المشاهدات العامة أن استخدام الطب لا يتيح للبشر صحة أمتن ولا حياة أطول ترتب على هذا أن فن الطب ليس له نفع بل ترتب عليه أنه ضار لأنه يستنفد الوقت والرجال والمواد فيما هو باطل وهباءص54
ويعود مرة أخرى فيبين أن الطب فيه نفع ولكنه لن يستدعى طبيبا لتلميذه إلا فى الحالات القصوى وهو قوله:
" أما أنا فأمضى إلى أبعد من ذلك المدى وأعلن وقد امتنعت دائما عن استدعاء طبيب لعلاجى أنى لن أستدعى بتاتا أى طبيب لعلاج إميل اللهم إلا إذا باتت حياته فى خطر ماحق إذ لن يكون فى وسع الطبيب عندئذ أن يؤذيه بما هو شر من الموت الذى هو مشرف عليه ص53
ويبين روسو أهمية المرضع اعتمادا على أن تربية القدماء كانت ناجحة بسبب المرضعات فيقول :
"وتزداد أهمية اختيار المرضع متى علمنا أن الوليد سيكون موكولا إليها كلية فى مدة الرضاعة كما سيوكل إلى المربى كلية بعد ذلك وقد كانت هذه عادة الأقدمين أولئك الذين لم يحسنوا الكلام كما نحسنه ولكنهم كانوا يحسنون العمل كما لا نحسنه وكانت المرضع عندهم لا تفارق رضيعتها الفتاة ولهذا نجد فى تمثيلياتهم المرضع دائما بدور موضع سر البطلة والطفل الذى تتداوله أيد كثيرة حرى أن تسوء نشأته ص57
ويبين روسو كيفية إطعام الرضيع فيقول:
"النشويات تنتج من الدم أكثر من اللحم فلابد أنها كذلك مدرة للبن وأعتقد أن الطفل الذى لا تتعجل فطامه وإذا فطمناه فعلى أطعمة نباتية وكانت مرضعه تتغذى بأطعمة نباتية لا يمكن أن يصاب بديدان الأحشاءص58
وحكاية أن النشويات تنتج من الدم أكثر من اللحم أمر خاطىء فالتغذية السليمة هى التى تدر اللبن وليس نوع محدد كما أن حكاية الأطعمة النباتية تمنع الإصابة بديدان الأحشاء وهو كلام غير علمى فالإصابة بالديدان تنتج من أسباب متعددة منها عدم غسل الطعام النباتى أو عدم طهى اللحم طهيا جيدا ومنها لعب الطفل على الأرض أو غير ذلك أو لعبه وتلامسه مع طفل مصاب
ويبين روسو أن الطفل يجب تعويده على الاستحمام بالماء البارد وهو صغير حتى يتحمل جسمه الأمراض وعندما يكبر يتم تعويده على الاستحمام بماء ساخن متدرج وماء بارد متدرج حتى لا يشعر فيما بعد بالألم عند وجوده فى أى جو وهو قوله :
ومتى تكونت عادة الاستحمام بالماء البارد عند الطفل فلا ينبغى العدول عنها مطلقا بل يجب أن يثابر عليها طول حياته وأنا لا أهتم بالحمام البارد لأسباب تتعلق بالنظافة والصحة الحالية فحسب بل لأنه يعود عضلات الجسم المرونة واحتمال الجهد والحرارة والبرودة وبعد أن يكبر الطفل سأعوده بالتمرين على الاستحمام بين الحين والحين فى ماء ساخن فى مختلف درجات الحرارة التى يطيقها ثم فى مختلف درجات البرودة ص61
وهو وجهة نظر صحيحة فيجب تعويد الطفل على درجات الحرارة المختلفة ويبين روسو أنه سيدرب طفله على عدم الخوف من الثعابين وسرطان البحر وما إلى ذلك بقوله:
فإذا تعود الطفل فى صغره ألا يفزع من منظر الثعابين وسرطان البحر وما إلى ذلك فثق أنه سيرى من غير فزع حين يكبر أى وحش كان فلا وجود للأشياء المفزعة لدى من يرى صنوفا وأشكالا منها فى جميع الأيام ص64
كما أنه سيدربه على عدم الخوف من الأقنعة بالتدرج فى تعويده على الأقنعة اللطيفة والمرعبة وكذلك عدم الخوف من إطلاق النار فقال:
"وجميع الأطفال يخافون الأقنعة وسأبدأ بأن أطلع اميل على قناع لطيف الشكل ثم يضع أحد الناس ذلك القناع أمامه على وجهه ثم آخذ فى الضحك ويضحك الحاضرون جميعا فيضحك الطفل مع الباقين وشيئا فشيئا أعوده رؤية أقنعة أقل جمالا ثم أقنعة شنيعة الشكل فإن كنت قد أحسنت التدرج فسوف لا يفزع من أخر قناع يراه بل سيضحك كما ضحك من أول قناع وبعد هذا لن أخشى أن يفزعه أحد بالأقنعة وإذا أردت تعويد اميل على ضجة الأسلحة النارية أتدرج معه فى سماع الضوضاء ورؤية شرارات الانفجار شيئا فشيئا إلى أن يسمع طلقة البندقية من غير أن يهتز ثم عوده بعد ذلك على طلقات المدافع"ص65
ويعود روسو مرة أخرى لتعويد التلاميذ على عدم الخوف من خلال عمل ألعاب تؤدى فى الظلام بقوله:
"وقد تسألنى هل أنصح باحتذاء هذا المثال وأنا لا أعتبره مثالا صالحا لخلوه من البهجة والسرور والأفضل فى نظرى أن أدعو مع تلميذى أطفالا من سنه يخرجون جماعات فى الليل للسمر والغناء واللعب بحيث لا تساورهم فكرة الفزع وقد اصطنع لهم ألعابا فى الظلام للبحث عن أشياء وإحضارها من أماكن منعزلة مظلمة واجعل للفائز جائزة شهية من الحلوى أو غيرها مما يجعل المسألة تنافسا محبوبا ص140
وهى فكرة طيبة ينبغى على المربين القيام بها
كما أن روسو يبين أن الاستجابة السريعة لكل احتياجات الطفل هى أمر خاطىء فيجب تعويد الطفل على الصبر من خلال الاستجابة للضروريات فقط وليس لكل الصراخ والبكاء كله فيقول :
"إن الضيق الذى يشعر به الطفل بسبب احتياجاته يعبر عنه بإشارات وذلك عندما تكون مساعدات الاخرين له ضرورية كى يكفى تلك الاحتياجات ومن هنا صراخ الأطفال وبكاءهم الكثير فذلك شىء لابد منه ولما كانت احساساتهم انفعالية فعندما تكون تلك الإحساسات مرضية لهم يستمتعون بها فى صمت ص66
ويبين روسو تعويده على الحصول على ما يريد من خلال جهده للوصول له كما يجب تجاهل صراخ الطفل الذى يطلب الأشياء أو يأمر الناس حتى يتعود على العمل وعلى احترام الأخرين فقال :
"وفى الحالة الأولى قرب منه الشىء الذى أخطا فى تقدير مسافته منه ببطء شديد كأن الشىء يقترب منه فعلا أما فى الحالة الثانية حيث ينقلب صراخه أمرا للشىء أو لبكاء فلا تتجاهل سماعك لصراخه فحسب بل كلما اشتد صراخه يجب أن تزيد فى تجاهلك لسماعه إذ يجب بأى ثمن أن تعوده منذ اللحظة الأولى ألا يأمر الناس فما هو عليهم بمسيطر وألا يأمر الأشياء فليست للأشياء أسماع وعقول وهكذا عندما يرغب الطفل فى شىء يراه وتريد أن تعطيه إياه فمن الخير أن تحمل الطفل إلى الشىء فذلك أفضل من أن تحمل الشىء إلى الطفل فبهذه الوسيلة العملية سيصل الطفل فى تلك السن إلى الاعتقاد بأن هذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى الأشياءص70
ويبين روسو مرة أخرى أن تجاهل بكاء الطفل عند طلب شىء لا يقدر عليه المربى هو المطلوب حتى يتعود الطفل على عدم البكاء إلا فى الضرورة القصوى فقال:
"إن الوسيلة الوحيدة للشفاء من هذه العلة أو الوقاية من تلك العادة هى ألا تلقى بالا على الإطلاق إلى بكاء الطفل وما من إنسان حتى الأطفال يحب أن يجهد نفسه بغير طائل فالأطفال يصرون على محاولاتهم على أمل النجاح ولكن إذا كنت أشد صبرا وعنادا منهم سيفقدون ذلك الأمل ويكفون عن البكاء ولا يعودون إليه بعدها وبذلك نوفر عليهم جهوده البكاء فى الأمد الطويل ونعودهم ألا يذرفوا الدموع إلا تحت ضغط الألم الحقيقى ص72
ويبين روسو طريقة أخرى لإيقاف بكاء أو عناد الطفل وهو تلهيته أى شغله بشىء أخر يجذب انتباهه فيقول :
وعندما يبكى الأطفال لنزوة أو عناد فهناك وسيلة فعالة لمنعهم من الاسترسال فى البكاء وهى تلهيتهم بشىء يجذب انتباههم وينسيهم أنهم كانوا شارعين فى البكاء ومعظم المراضع ممتازات فى هذا الفن وهو فى الحقيقة فن نافع ولكن من المهم على أقصى درجة الا يفطن الطفل على نية المرضع التى تكمن وراء هذه الحيلة كى يستمتع وهو لا يعتقد أنه محور الاهتمام ولكن معظم المراضع فيهن هذه البلاهة طص72
ووضح روسو أن الأطفال لا يميزون معانى سلوكهم إلا بالأثر المحسوس فهم لا يبكون وهم بمفردهم وإنما عندما يعرفون أن احد بالقرب منهم وهو قوله:
"فالأطفال لا يميزون معانى سلوكهم إلا بالأثر المحسوس لذلك السلوك وليست هناك وسيلة أخرى لديهم ودليل ذلك أنه مهما كان الألم شديدا على الطفل فمن النادر أن يبكى إن كان بمفرده إلا إذا وجد عنده الأمل فى أن يسمع بكاءه أحد من ذويه ص76
وبالطبع هذا الكلام ليس سليم تماما فالأطفال يبكون وهم بمفردهم عندما يجوعون أو يتغوطون أو يخافون من شىء ما
ويبين روسو أن من المهم تعويد الطفل على تحمل ألم الجروح فيقول :
"وبدلا من أن أوجه اهتمامى على تجنيب اميل الجروح سيسوؤنى جدا ألا يجرح نفسه مطلقا وأن يكبر قبل أن يعرف الألم فالعذاب هو أول شىء يجب أن يتعلمه بل أنه أحوج ما يحتاج على معرفته ص77
وهى وجهة نظر لها قيمتها خاصة فى الطبقات التى لا تجد مالا للذهاب للطبيب أو هى بعيدة مكانيا عن مكان تواجد الطبيب
ويبين روسو أن التدليل الكثير خاطىء فيقول :
"ولدى الطبيعة وسائل خاصة لتقوية الجسم وتنميته ولا ينبغى أن نعارض هذه الوسائل مطلقا ولهذا لا يجوز لنا بأى حال أن نرغم طفلا على المكث حينما يريد الذهاب ولا أن نرغمه على الذهاب وهو يريد البقاء حيث هو وحينما لا تكون حرية الأطفال قد أفسدت بأخطائنا فى التدليل فلن يريدوا شيئا من غير أن تكون له منفعة ظاهرة أو خافية ص84
ويبين روسو أنه لا يجب عدم تسريب أقوال خاطئة للطفل فيجب تعليمه ما يعرفه من البدن والمادة الظاهرة فقال:
"إن أول فكرة خاطئة تتسرب إلى رأس الطفل ستكون هى جرثومة الخطأ والشر والعيب فيجب الحذر كل الحذر من تلك الخطوة الأولى واعملوا على ألا يفطن فيما حوله من جميع النواحى إلا لما هو بدنى أو مادى ص92
ويبين روسو أن القوة والمراد الضرب مطلوب أحيانا فى معاملة الأطفال كما ان مطلوب تعليمه ما يفهمه ويتوافق معه فقال :
"ولذا أقول لكم استخدموا القوة مع الأطفال والعقل مع الرجال فهذا هو نظام الطبيعة وترتيبها والحكيم ليس بحاجة إلى قوانين علموا التلميذ بما يوافق عمره وضعوه أولا فى مكانه الطبيعى ولا تحاولوا إخراجه منه ولا تسمحوا له بالخروج منه ص93
ووضح روسو أنه يجب منع الطفل من عمل يريده بدون توضيح بالرفض القاطع أو بالسماح له بعمله فى قوله:
"أول ما يجب أن يمتنع عن إتيانه فلا تحرمه عليه بالكلام بل امنعه من عمله بغير إيضاح وبغير مجادلة وما تريد أن تسمح له به اسمح له به عند أول طلب من غير إلحاح أو توسل بل وعلى الأخص من غير شروط
إذا سمحت فعن طيب خاطر وإذا رفضت فعلى مضض ولكن اجعل رفضك دائما قاطعا لا رجعة فيه ولا تتزحزح أمام توسلاته أو تهديداته ولتكن كلمة لا سورا من الفولاذ تبدد جهود الطفل دون التأثير فيه وبهذا لن يحاول بعدها أن يتصدى لتغيير تلك الكلمة ص97
وحكاية منع الطفل من عمل دون توضيح خطأ فطالما سيفهم يبين له المانع
ووضح روسو أنه يجب على المربين تعويد التلاميذ أو التلميذات الانصياع لأوامرهم حتى وهم فى أحلى لحظات السعادة فى اللعب حتى يتعودن على الصدمات فيما بعد بقوله:
عودوهن على تلقى الأمر بالكف عن ملهى وهن فى ذروة النشوة به لينصرفن فورا إلى مهمة مختلفة عنه تماما من غير تردد ومن غير تذمر وتكوين هذه العادة ترياق كاف للنزق والذبذبة فإن العادة طبيعة ثانية وهذه العادة بالذات سند مساعد للطبيعة ص251

ويبين روسو أن التعليم بالتجارب هى أفضل من التعليم التلقينى فقال
لا ينبغى أن نلقن التلميذ دروسا لفظية فالتجربة وحدها هى التى يجب أن تتولى تعليمه وتأديبه فالتربية الأولى ينبغى أن تكون تربية سليمة خالصة ولا يجب أن يفوتنا أمر مراقبة طبيعة الطفل وسلوكه كى نكشف بدقة عن المزاج الخاص للتلميذص97
ويوضح روسو أنه يجب ضرب الطفل من المربى أو الخادم أو غيرهم إذا تخطى الحدود فضربهم حتى يتعلم أن البشر سواء وأن ضربهم حرام وهو قوله ك
لا تسمحوا للطفل مطلقا أن يعامل الكبار كأنهم أقل منه أو أنداده فإذا تجاسر على ضرب أحدهم جادا حتى لو كان خادمه الخاص فاحرص على أن يرد له الصاع صاعين بحيث يتوب عن هذا الفعل ولا تحدثه نفسه بالرجوع إليه ص105
وهى وجهة نظر صحيحة فعندما يتألم الطفل من ضرب الأخرين له سيعرف أنه تسبب للأخرين بالألم بضربهم ومن سيتوقف عن إيلام غيره حتى لا يتألم هو من ردهم عليه
وبين روسو أن عقاب الطفل واجب عند الضرورة لتعليمه وبين أن هناك أنواع من الكذب لا يجب ضرب الطفل عليها فقال:
"وأظننى قلت ما فيه الكفاية للافصاح عن دعوتى ألا يصب على الأطفال عقاب من حيث هو عقاب بل يجب أن يحدث العقاب لهم كما لو كانت نتيجة طبيعية لسوء فهمهم وبذلك يجب ألا تنددوا بالكذب ولا أن تعاقبوهم لأنهم كذبوا بل ترتبوا الأمور بحيث أن جميع الآثار السيئة للكذب تتجمع فوق رءوسهم كأن لا يصدقهم أحد حين يقولون نبأ وان يتهموا بذنوب لم يقترفوها وإن دافعوا عن أنفسهم بحرارة ولكن لنبين أولا ما هو الكذب عند الطفل
هناك نوعان من الكذب كذب ينصب على الواقع أو على ما وقع فعلا وكذب ينصب على النية أو على ما سيقع مستقبلا والنوع الأول هو أن ينكر الطفل عملا قام به حقا أو يدعى عملا لم يقم به حقا أو بعبارة أخرى أن يقول الطفل خلاف الواقع قصدا وعن علم ودراية والنوع الثانى هو أن يعد الطفل بما فى نيته ألا يقوم به أو بعبارة أخرى أن يظهر الطفل خلاف نيته وقد يجتمع النوعان أحيانا فى عبارة واحدة كأن يتهم الطفل بخطأ معين فينفى أنه فعله ويدافع عن نفسه بأنه برىء شريف "ص106ولهذا فهم لا يعتبرون كاذبين حين يعدون بشىء لأنهم لا يفكرون إلا فى الخلاص من الموقف الحرج حاليا وكل وسيلة لا علاقة لها بالوقت الحاضر ليست لها قيمة فى نظرهم فهم حين يعدون بشىء يتعلق بالمستقبل يعدون بشىء معدوم أو بلا شىء لأن مخيلتهم القاصرة لا تستطيع أن تمد وجودهم إلى زمانين مختلفين"ص107
فالكذب الواجب الضرب فيه هو إنكار الفعل الخاطىء
ووضح روسو أن على المربى أن يعامل الطفل معاملة تجعله هو من سقترح الحلول الطيبة ويعمل بها لا أن يأمره أو ينهاه مباشرة وهو قوله:
"وحينما تضطرنى طبيعته الشموس أن أعقد معه اتفاقا سأعد خطتى بحيث يصدر الاقتراح منه هو دائما لا منى إطلاقا لأنه عندئذ سيكون صاحب مصلحة فى البر بوعده إذا حدث أن حنث بوعده سيشعر أن ذلك جر عليه آثارا طبيعية لخطئه لا انتقاما جائرا من مربيه ص108
ووضح روسو أنه يجب تعويد الأطفال على العطاء دون توقع رد وليس على توقع رد العطاء بمثله أو أكثر منه فيقول :
"ولاحظت أيضا أنهم يردون بسرعة إلى الطفل ما أعطاه فيتعود ألا يعطى إلا ما هو واثق من رده إليه أو رد مثله إليه ولم أر أطفالا لا يسخون بما فى أيديهم فى هذين الضربين من السخاء إما بإعطاء ما لا حاجة بهم إليه أو ما يعلمون أنه مردود إليهم فالواجب أن ننظر فى هذه الأخلاقيات إلى عادات النفس لا إلى حركات اليد وكل الفضائل التى يعلمونها للأطفال يعلمونها لهم بهذا الأسلوب وهو أسلوب عكسى ومع هذا يبلون حداثة الأطفال بتلك المواعظ المسئمة فيالها من تربية رشيدة"ص110
وهذا هو تعليم للعطاء مع عدم توقع الرد فليس كل من نعطيه قادر على رد العطاء بمثله أو أكثر أو اقل
ويبين روسو أن كل فضيلة تقوم على التقليد إنما هى فضيلة قرود بقوله :
"وأنا أعلم أن كل فضيلة تقوم على التقليد إنما هى فضيلة قرود وما من عمل طيب يعتبر طيبا من وجهة نظر أخلاقية إلا إذا قام الإنسان به لذاته وعن وعى به لا لأن الأخرين يقومون به ولكن فى تلك السن التى لا يعى القلب فيها شيئا ولم يحس بعد بشىءص111
ولكنه ناقض نفسه فاعتبر ليس كل التقليد خطأ بل منه طيب فقال :
إن الإنسان مقلد وكذلك الحيوان مقلد وحب التقليد جعلته الطبيعة فى حدوده شيئا طيبا ولكنه يفسد فى المجتمع ويصبح شرا ورذيلةص112
ومع هذا ناقض الاثنين فجعل القدوة الطيبة مطلوبة فقال :
"القدوة القدوة بغير القدوة لن تفلحوا فى تعليم الصغار اى شىء حتى ولا الدين ص262
فما ينتج عن القدوة هو التقليد سواء بخير أو شر
وبين روسو أن الذاكرة غير العقل لأن الصور غير الأفكار فقال:
ومع أن الذاكرة مباينة للعقل فهما ملكتان مختلفتان إلا أن إحداهما لا تنمو مستقلة عن الأخرى تمام الاستقلال وقبل سن التعقل يتلقى الطفل صورا لا أفكار وإليك الفرق بين الصور والأفكار إن الصور ما هى إلا الأشكال الخارجية للأشياء أما الأفكار فهى المعلومات عن تلك الأشياء تتعلق بعلاقاتها فيما بينها وحين تتذكر الصورة قد تتذكرها قائمة برأسها فى الذهن أما الفكرة فلا تكون إلا مرتبطة إلا بسواها من الأفكار لذا حين نخال الصور لا نكون إلا متصورين أما حين نفكر فإننا نقارن ونربط ونميز الصور إحساسات والإحساسات سلبية أما الأفكار فثمرة عملية التفكير أو التعقل أو الاستدلال الايجابية ص116
الذاكرة ليست ذاكرة صور فقط فالذاكرة تتذكر صورا وتتذكر أحداث وتتذكر أقوال وتتذكر أفعال فمثلا فى الشهادة تتذكر حضور الفعل وهو كتابة الدين ووجود الدائن والمدين والكاتب كما قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ"
والذاكرة جزء من العقل
الواجب تعليمه للأطفال والواجب عدم تعليمه لهم:
اعتبر روسو أن تدريس اللغات للأطفال فى الصغر أمر خاطىء إلا ان يكون الطفل عبقرى فقال :
"وقد يدهشكم أنى اعتبر دراسة اللغات من بين تلك المواد التى لا نفع فيها للطفل ولكن تذكروا أنى لا أتكلم إلا عن دراسات فترة الطفولة الأولى ومهما قيل فى هذا الشأن لا أعتقد أنه إلى سن الثانية عشرة أو الخامسة عشرة يمكن لأى طفل أن يتعلم لغتين تعليما حقيقيا اللهم إلا إذا كان عبقريا"ص117
وهى وجهة نظر صحيحة تماما فلا ينبغى شغل الطفل بتعلم اللغات حتى يصل لرشده لأنه لن يحتاج اللغة الأخرى إلا إذا سافر لبلد يتكلمها وهو لن يسافر قبل أن يصل سن الرشد لأنه مسئول من والديه أو أقاربه الآخرين حتى يعقل
وعن تجربة فتعلم اللغات فيما يسمى بمدارس مصر الابتدائية تجربة فاشلة فالتلاميذ أصبح معظمهم لا يجيد اللغة الأم ولا اللغة الأخرى وحتى عندما كان النظام يقوم على تعليم اللغات فى سن الثالثة عشر فإن معظم الدارسين لها قد نسوها بمجرد ترك الدراسة لأنهم لا يحتاجونها فى حياتهم الوظيفية
ووضح روسو أن الدراسات التى يدرسها الأطفال لابد أن تكون مرئية فقال :
إنى أنادى بأن نشغل الأطفال بدراسات لا تحتاج إلا على النظر بالعين لو أن لهذه الدراسات وجودا ولكنى فيما أعلم لا أعتقد أن مثل هذه الدراسات وجدت حتى الآن ص119
ووجهة نظره سليمة جزئيا فالدراسات تعتمد على الحواس كلها وليس على حاسة النظر وحدها فدراسة اللغة الأم تحتاج للأذن واللسان ودراسة الظواهر الطبيعية بعض منها يحتاج للمس مع النظر وبعض منها يحتاج للشم مع النظر وقد ناقض نفسه فجعل الحواس مشتركة فى العملية التعليمية فقال:
" لست أرى أن تتبع الطريقة المقلوبة فى تعليم الهندسة بعرض منطوق النظرية ثم البحث بعد ذلك عن إثباتها ومن المرغوب فيه أيضا تنمية الملاحظة أثناء اللعب عن طريق العين والأذن والأصوات لتقدير المسافات ص144
لاحظ قوله عن طريق العين والأذن والأصوات
ووضح روسو أن تدريس التاريخ للأطفال هو مضيعة للوقت لأن الأطفال لن يفهموا المغزى من حوادثه فقال :
"وإنه لخطأ سخيف أن يفرض على الأطفال دراسة التاريخ على زعم أن التاريخ فى متناول إدراكهم لأنه ليس إلا مجموعة من الوقائع والحوادث ولكن ما الذى يعنونه بكلمة الحوادث هل يعتقدون أن العلاقات التى تعين الحوادث التاريخية سهلة الإدراك وأن الأفكار التى تتكون عن هذه الحوادث يسهل تكونها فى ذهن الطفل حقا وهل يعتقدون أن المعرفة الحقيقية للحوادث يمكن أن تنفصل عن معرفة أسبابها ومعرفة نتائجها وإن كنتم حقا لا ترون فى أفعال الناس إلا الحركات الخارجية المادية الصرفة ففيم دراستكم للتاريخ إنه إذن يكون خاليا "ص120
وروسو يبين أن التاريخ ناقص ومعيب وحتى المؤرخون لا يفهمون المغزى منه بقولهك
"إن التاريخ على العموم ناقص معيب لأنه لا يسجل إلا الوقائع المحسوسة البارزة التى يمكن إثباتها بالأسماء والأماكن والتواريخ أما الأسباب الكامنة لتلك الوقائع فتظل مجهولة خافية إننا قد نجد فى معركة رابحة أو خاسرة سبب قيام ثورة وتكون هذه الثورة فى الحقيقة أمرا لا مناص من حدوثه حتى قبل تلك الموقعة إن الحرب ليست إلا مظهرا معبرا عن أحداث قررتها أسباب معنوية يندر أن يفطن إليها المؤرخون ص185
وكرر مقولته بأن أساطير التاريخ لا تجدى فى تعليم الصغار فقال :
"إن الأساطير قد تجدى فى تعليم الكبار أما الأطفال فلابد لهم من الحقيقة العارية فإذا غطيناها لهم بقناع رقيق لم يجشموا أنفسهم عناء إماطته ص124
وبين روسو أن كتاب الأساطير مخطئون عندما يكتبون العبرة من الأسطورة وإنما المطلوب ترك القارىء أو السامع يستخلصها بنفسه شغلا لتفكيره وهو قوله:
ولا يفوتنى أن أندد هنا بالقواعد الأخلاقية التى تختتم بها معظم الأساطير المنظومة فالحاسة الأخلاقية تتربى عند التلميذ بأن يستخلص هو العبرة بنفسه من الحادثة التى أوردتها الأسطورة أما إيراد العبرة بألفاظها فى ختام الأسطورة فبلاهة كأنما العبرة ليست متضمنة بما فيه الكفاية فى صلب الأسطورة نفسها إن سر التربية كله فى أن ندع للتلميذ لذة تعليم نفسه عن طريق الموضوعات والوقائع فهذا هو ما يربى عنده ملكة التفكير والتمييز والقياس والضمير ص189
ووجهة نظر روسو صحيحة فالأطفال لا يدركون المغزى من التاريخ ومنه الأساطير وهم يدرسونه للأسف من وجهة نظر واحدة وهى وجهة نظر المعلم أو الدولة التى وضعت المنهج ومن ثم يجب ألا يدرسوه لمجرد الحفظ بلا فهم
وبين روسو أن تعليم التلميذ القراءة والكتابة دون حاجة هى مضيعة للوقت وهو قوله:
ولا أظن اميل سيعرف ما معنى كلمة كتاب قبل الثانية عشر وقد يقال أن من الواجب تعليمه القراءة على الأقل وأنا أوافق على هذا وأرى أن يتعلم القراءة حين تكون القراءة مجدية له أما وهى لا تفيده قبل تلك السن إلا السأم والضيق فليس هذا أوانها ولكن تدريجيا يمكن تعليمه القراءة بواسطة الباعث الشخصى أى بمناسبة ما يصله من دعوات للنزهات أو للعشاء وهى دعوات قصيرة يحسن أن نساعده على حل رموزها وبذلك يتعرف على رسم الكلمات ويتعلم بذلك الرسم والقراءة ص127
بالطبع وجهة النظر هذه ليست سليمة فالقراءة ينبغى تعليمها للأطفال فى سن السابعة أو السادسة لأنهم يحتاجونها فى عصرنا مثلا لقراءة أسعار البضائع وأنواعها وهم يشترونها كما يحتاجونها لمعرفة أسماء الشوارع فى بلدهم والأهم فى الإسلام هو أنهم يحتاجونها كى يصلوا لأن الصلاة هى قراءة للقرآن
ومن ثم فالحاجة لتعلم القراءة قد تختلف من دين لأخر أو من حكم لحكم أخر
وبين روسو أن المعلم عليه ان يختار لتلميذه الكتب المفيدة وهى نادرة والأحسن فى رايه تعليمه قراءة أى فهم الطبيعةوهى المخلوقات التى يعيش وسطها وهو قوله:
"ولئن كان قليل القراءة فى كتبنا على خلاف سواه من الأطفال فهو يحسن القراءة فى كتاب الطبيعة وعقله ليس فى لسانه بل فى دماغه ص147
وبين روسو أن الكتب المختارة لتعليم التلميذ يجب أن تكون كتبا تدرس عمليا العلم ككتاب روبنسون كروزو فقال :
"إن الكتب ضارة لأنها تعلمه أن يخوض بالكلام فيما لا يعرف ولن أترك بيد اميل إلا كتاب روبنسون كرزو لأنه صورة رجل عمل بمفرده على حفظ حياته فهو جدير أن يرتفع بإميل فوق مستوى المزاعم المنقولة عن الغير ويعلمه الحكم السليم الصائب على العلاقات بين الأشياء ص163
ويأتينا روسو بمقولة عدم إكراه الفتى والفتاة على تعلم القراءة فيقول:
ولئن كنت أنادى بعدم إجبار الفتى على تعلم القراءة فمن باب أولى أنادى بعدم إكراه الفتاة على ذلك قبل أن تقتنع وتحس بما القراءة من نفع لديها ثم ما وجه الضرورة فى تعليم الفتاة القراءة والكتابة فى سن مبكرة؟ص250
ومقولة التعلم بالاقتناع عند الأطفال مقولة خاطئة لو طبقت فإن كثير من الأطفال سيكونون جهلاء بالقراءة لأن الطفل لا يعى مصلحته ومن ثم فغن فشل الإقناع فالواجب تعليمه بالإجبار
ويبين أن كل الفتيات يتعبن فى تعلم القراءة فيقول:
"إن كل الفتيات تقريبا يجدن غضاضة وعناء فى تعلم القراءة والكتابة ص248
وهى مقولة خاطئة فهناك فتيات كثيرات لا يتعبن فى التعلم إن جاز قول كلمة التعب على القراءة لأن الكل بالفعل يتعب فى التعلم ومن خلال الخبرة فى المدارس فإن الفتيات أكثر استجابة من الفتيان لتعلم القراءة والكتابة
وبالطبع هذه ليست وجهة نظر سليمة فالتلميذ بحاجة للتعلم النظرى خاصة أن البيئة المحيطة به لا تحتوى على كل النباتات والحيوانات والجمادات وحتى أجناس البشر ومن ثم يجب تعليمه بعض المعلومات النظرية فمثلا إن فى مجتمع سكانه بيض يجب ان يعلم بوجود السمر والسود والصفر والحمر ومثلا كل المعادن لا تتواجد فى بيئته ومع هذا يجب تعليمه ألوانها أو صفاتها لأنه قد يصادفها فى حياته العملية مستقبلا
وبين روسو أن الغرض من القراءة هو الفهم وليس الحفظ كما بين أن على المعلم أن يجعل التلميذ يحل المسائل بمفرده ولا يتدخل إلا عند عجزه فقال :
إن الطفل الذى يقرأ لا يفكر فهو يقرأ فحسب إنه لا يتعلم حقا بل هو يحفظ ألفاظا فحسب ص152
ويبين روسو أن تعلم الكلام وهو اللغة عند الفتيات أفضل من الفتيان وينبغى أن يفرق المعلم فى تعليمه اللغة وهى الكلام للفتاة والفتى حسب عادة الرجال وعادة النساء فقال:
"والفتيات أسرع على تعلم الكلام من الفتيان واشد منهم طلاقة بل إن الفتيات قد يتهمن بالثرثرة وهذا طبيعى وأقرب إلى المزية منه إلى النقص فللفم والعينين وظيفة واحدة عند الفتاة ولئن كان الرجل يقول ما يعرفه فإن المرأة تقول ما يثير الاعجاب فالرجل بحاجة إلى المعرفة كى يتكلم أما المرأة فبحاجة إلى الذوق كى تتكلم أى أن الرجل يتكلم فيما يراه نافعا أما المرأة فتتحرى ما يطيب للناس سماعه ص259
وبين روسو أن الطفل لابد أن يتعلم الرسم من الطبيعة كما وضح أن دراسة الهندسة لابد أن تكون عملية بالقياس وليس دراسة نظرية كما هو المطبق منذ عصور وهو قوله:
"ويجب أن يتعلم اميل الرسم ولن اجعل معلمه فى هذا الفن سوى الطبيعة ولم يكن النموذج الذى ينقل عنه سوى موضوعاتها أما دراسة الهندسة فستكون عن طريق القياس الدقيق للأشياء والأشكال ثم عليه بعد ذلك أن يبحث عن العلاقات التى بينها لست أرى أن تتبع الطريقة المقلوبة فى تعليم الهندسة بعرض منطوق النظرية ثم البحث بعد ذلك عن إثباتها ومن المرغوب فيه أيضا تنمية الملاحظة أثناء اللعب عن طريق العين والأذن والأصوات لتقدير المسافات ص144
بالطبع تعلم رسم نماذج لما يراه التلميذ فى الطبيعة ليست عملية مفيدة إلا قليلا والرجل يعتمد التعليم العملى ومن ثم فتعلم الرسم يكون للفوائد مثل الرسم الهندسى ومثل رسم الآلات ومثل رسم الأجهزة فى الجسم وأما مجرد نقل النباتات والحيوانات والناس والجمادات للورق فليس له فائدة تعليمية إلا أن نقول لطفل لم يرى حيوانا أو نباتا أن هذا نبات كذا أو حيوان كذا
وأما دراسة الهندسة عمليا فهى وجهة نظر صحيحة تماما فمنطوق النظرية وبرهانها لا يستخدمهم أحد فى الحياة إلا نادرا جدا فى الحياة العملية
ووضح روسو أن تدريس العلوم علوم المخلوقات يكون من خلال تنبيه التلاميذ للظواهر وجعله يفهمها بمفرده فقال:
"ويكفى أن نوجه أنظار التلميذ بعد اكتشافه لحركة الشمس الدائرية ولشكل الأرض الكروى كى يكتشف أن جميع الحركات الظاهرية للأجرام السماوية قائمة على هذا المبدأ بعينه ولما كانت الشمس تدور حول الأرض على شكل دائرة ص154
ووضح روسو أن تعلم الحساب للفتيات أحسن من القراءة من خلال التعلم بالحافز المادى فقال :
"أما تعلم الحساب فقد يكون ألزم للفتاة من تعلم القراءة والكتابة لحاجتها على ذلك الفن قبل تعلم القراءة والكتابة وإذا رفضنا أن نعطى الصغيرة الفاكهة إلا جزاء على عملية حسابية شفوية بسيطة فسرعان ما تتعلم الحساب واعرف فتاة صغيرة تعلمت الكتابة قبل القراءة وبدأت تكتب بخيوط الإبرة قبل أن تكتب بالقلم واستعملت أشكال الحروف فى التطريز ص250
وبين روسو أن أشغال الإبرة يجب تعليمها للبنات فى الصغر فيقول:
أما أشغال الإبرة فإنهن يتعلمنها عن طيب خاطر دائما لأنهن منذ الطفولة يتخيلن أنفسهن كبيرات ولأن هذا الفن يساعدهن على إتقان التزين والأناقة ص249
وبين أن أشغال الإبرة تفضى لتعلم البنات الرسم:
"وهذا التدرج الاختيارى التلقائى ينتهى بسهولة إلى فن الرسم فليس الرسم غريبا عن أناقة الملبس والزينة ولست أعنى الرسم من حيث هو فن شامل يحاكى الطبيعة بل أقصد أنواع الرسم المتصلة مباشرة بزينة الثياب والأناقة بحيث تستطيع الفتاة أن تنهض يوما بتصميم زينة ثيابها بنفسها إن لم تجد نموذجا تحت يدها ص249
ويبين روسو أن تعليم الرقص والغناء والفن الجميل أمر واجب للفتيات حتى يسعدن الأزواج به فيما بعد وكذلك الأطفال بقوله:
وأنا أعلم أن أهل التشدد من المربين لا يريدون منا ألا نعلم الفتيات غناء أو رقصا أو أى فن من الفنون الجميلة التى تساعد على الفتنة وإنى لأعجب لمن نعلم هذه الفنون إن لم نعلمها للفتيات أن علمها للفتيان إذن وأى الجنسين أحرى باكتساب هذه المواهب وتنميتها ؟ لعلهم يرون الا نعلم تلك الفنون لأحد إطلاقا فالأغانى غير الدينية فى نظرهم جريمة أما الرقص فبدعة من الشيطان ولا ينبغى فى رأيهم أن يكون للفتاة ما يلهيها أو يسليها اللهم إلا العمل والصلاة ويا لها من حياة بهيجة لابنة العاشرة"ص257
وبالقطع وجهة النظر هذه سليمة نوعا ما فتعليم الرقص والغناء للفتيات حسب الشرع عندنا واجب وهو أن تعلمه نساء للفتيات وفى أماكن مغلقة عليهن ويبين روسو عدم فرض دراسة تلك الفنون إلا على الفتيات الراغبات فيه وهو قوله:
"وعلى كل حال يجب ألا نفرض الدروس والمعلمين على الفتيات بل ندع الفتاة تطلب تلك الدروس عند شعورها باحتياجها إليها ويجب أكثر من ذلك ألا ندفع الفتاة فى طريق التعلم دفعا بل نتركها لميلها الفطرى وأما أن تقرر الدرس فليس بذى أهمية أن يكون المعلم رجلا أو امرأة ص258
والخطأ هنا كون معلم الفتيات الرقص رجل فهذا يتنافى مع قوله تعالى "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"
وبين روسو أن تدريس الدين للفتاة يكون قبل الفتى بقوله:
"ولئن كان الأطفال الذكور بعيدين عن تكوين فكرة صائبة عن الدين فمن باب أولى تكون هذه الفكرة فوق مستوى عقول الفتيات ولهذا أوصى بمفاتحة الفتاة فى الدين قبل الفتى لأننا لو انتظرنا على أن تتهيأ عقليتها لإدراك هذه ألأمور السامية فربما انتظرنا إلى الأبد ولم تتح لنا فرصة مفاتحتها فى موضوع الدين ص260
ومقولة تعليم الدين دون فهم من الفتيان والفتيات تتعارض مع مقولة التعليم بالإقناع فى قوله:
"وعلى كل حال يجب ألا نفرض الدروس والمعلمين على الفتيات بل ندع الفتاة تطلب تلك الدروس عند شعورها باحتياجها إليها ويجب أكثر من ذلك ألا ندفع الفتاة فى طريق التعلم دفعا بل نتركها لميلها الفطرى وأما أن تقرر الدرس فليس بذى أهمية أن يكون المعلم رجلا أو امرأة ص258
ويبين روسو أن تعليم الدين للفتيات الصغيرات يكون دون تركيز وإنما يكون عن طريق القدوة وهى الفعل أمامهن حتى يتعلمن بقوله:
"فلكى نعلم الدين للفتيات الصغيرات يجب ألا نجعل الديانة موضوعا للضيق أو الكآبة أو واجبا ثقيلا مفروضا ولهذا لا تعلمونهن إطلاقا شيئا عن ظهر قلب حتى ولا الصلوات ويكفى أن تؤدوا صلواتكم أمامهن بانتظام من غير أن تجبروهن على الاشتراك فيها ولتكن تلك الصلوات قصيرة كما أوصانا بذلك السيد المسيح ويكفى أن تكون محفوفة بالوقار من غير تصنع فهذا كله ما يطالبنا به المولى أما الألفاظ فليست من الأهمية كما نتوهم" ص262
ويبين أن الواجب تعليمهن الأخلاقيات وليس الموضوعات المذهبية فقال:
"ويجب تحاشى الموضوعات المذهبية الجافة والخفية التى لا تعنى إلا ألفاظا بغير مفهومات ولنوجه العناية الكبرى للتعليم الدينى للبنت على المبادىء الدينية المتصلة بالأخلاق عن قرب فليس أنفع للأطفال من الجنسين وللفتيات على وجه الخصوص من تعلم المبادىء التى تجعلهم يحسنون السلوك ويفعلون الخير
لا تجعلوا من بناتكم فقيهات فى العلوم الإلهية أو مجادلات جدلات فلا تعلموهن من أمور السماء إلا ما يفيد فى الحكمة البشرية والفضيلة الدنيوية علموهن وعودوهن الشعور الدائم بأنهن تحت أنظار الله فهو شاهد دائم على أمالهن وأفكارهن وملذاتهن وعودوهن ان يصنعن الخير لأن الله يحب الخير وأن يتحملن الألم بغير تململ لأنه سبحانه سيعوضهن عن ذلك الألم ويجزيهن خيرا وإن يكن فى كل يوم من أيام حياتهن على النحو الذى يحببن أن يظهرن به أمام مجده"ص269
ويبين روسو أن طريقة تعليم الأخلاقيات تكون بطريقة غير مباشرة أى ليس عن طريق الأمر والنهى المباشرين فقال:
وليس معنى تعليمها مبادىء الأخلاق أن يكون ذلك بطريق آراء مجردة وصيغ علمية فالحقائق المجردة ليست مما يوافق طبيعة المرأة بل ينبغى أن تكون جميع دراسات المرأة متصلة بالعمل مباشرة ص272
وبين روسو أنه لابد أن يعلم تلميذه مهنة أى وظيفة يتعيش منها لأن كل أفراد المجتمع لابد ان يعملوا فى وظيفة لأن المتبطلين ومنهم الأغنياء هم مجرد لصوص وقطاع طرق وهو قوله:
"إن من يأكل خبز البطالة الذى لم يكسبه بعمله يسرق ذلك الخبز والثرى الذى يتقاضى من المجتمع ما يعفيه من كل عمل لا يختلف فى نظرى إطلاقا عن قاطع الطريق الذى يعيش على حساب السابلة ص168
وروسو يفضل العمل اليدوى على غيره لتلميذه وهو قوله:
"فالعمل إذن واجب لا مناص منه للشخص الاجتماعى وكل مواطن من أهل البطالة غنيا كان أو فقيرا وقويا كان أو ضعيفا فهو لص والعمل اليدوى هو أقرب الأعمال البشرية إلى حالة الطبيعة وخير طبقة من حيث الاستقلال عن عوادى الزمن هى طبقة الصناع فالصانع غير مرتبط إلا بعمله فهو حر فى حين نجد الزارع عبدا لأن الزارع يتمسك بحقله ومحصول ذلك الحقل تحت رحمة غيره فالعدو أو ألكمي راو الجار القوى أو حجز قضائى يمكن ان يحرمه من ذلك الحقل ويمكن النيل من الزارع عن طريق حقله بآلاف الوسائل أما الصانع فمتى آنس مضايقة فسرعان مال يعد حقائبه ويأخذ ذراعيه معه ويرحل ومع هذا فالزارعة هى المهنة الأولى للإنسان وهى أشرف المهن وأنفعها وهى لهذا أسمى مهنة يمكن أن يمارسها ألإنسان ولئن لم أقل لميل تعلم الزراعة فما ذلك إلا لأنه يعرفها فقد خبر جميع الأشغال الزراعية وبدأ بها تعلمه وإليها يعود بين الحين والحين ص169
وهو هنا يبين أن التعليم العملى الأولى هو تعلم ما فى الطبيعة فإن تعلم ما فى الطبيعة وجب تعليمه مهنة يعيش منها ويؤسس أسرة
والخطأ فى الفقرة هو أن الزراعة أشرف المهن وأنفعها وبالقطع كل المهن المفيدة شريفة وهى لا تتفاضل فيما بينها لأن المجتمع يحتاج لكل المهن النافعة بالقدر نفسه
وكلام روسو يعتبر سليما فى المجتمعات التى عاش فيها لأنها مجتمعات قائمة على الظلم وهو يريد أن يجنب تلميذه أضرار ذلك الظلم من خلال العمل اليدوى
ويبين روسو أن التلميذ نتيجة نموه الجسمى وبلوغه لابد أن يتساءل عن الشهوة الجنسية ومن ثم على المعلم أن يخبره بما يريد بعد أن كان يخفى معلومات الشهوة عنه لأنه من الفضل أن يتعلمها من المعلم بدلا من أن يتعلمها من ألصحاب أو الناس السوء وهو قوله:
تذكر أن طريقة قيادة شخص بالغ تناقض تماما كل ما فعلته فى قيادته وهو طفل فلا تتردد إطلاقا فى إطلاعه على تلك الأسرار الخطيرة التى طالما اجتهدت فى اخفائها عنه فما دام من الواجب أن يعرفها فلا ينبغى أن يعرفها من أحد سواك ولا من نفسه بل منك أنت وما دام قد تعين عليه أن يقاتل فمن الخير أن تجنبه المفاجآت السيئة وأن تعرفه بحقيقة عدوه إن العادة جرت بأن يعرف الشبان هذه الحقائق الحيوية من أصحابهم لا من أساتذتهم ومؤدبيهم فلماذا يحدث ذلك ولماذا يختار الشاب خلصاءه بعيدا عن دائرة مؤدبيه إن السبب هو استبداد أولئك المؤدبين فلو لم يجبره استبدادهم على التخفى والتستر لما تخفى أو تستر أما اميل فلا حاجة إلى الالتجاء إلى صديق سواى فقد تعود أن يفتح لى قلبه بكل حرية وأن يقول لى ما يحسه بسرور وليس لدى ما أخشاه من هذه الجهة بيد أنى لاحظت عليه الخجل والتحفظ سأدرك أن غريزته بدأت فى التيقظ أو الثوران وان فكرة الشر تقترن بالغريزة لديه وهذا إيذان بأن الوقت قد أزف وأننى ما لم أعجل بتنوير ذهنه نشد المعرفة بعيدا عنى ورغم أنفى ص221
وبين روسو أن الطفل قبل البلوغ قد يتساءل عن الشهوة الجنسية قبل البلوغ وعند هذا يجب إلزامهم الصمت إلا فى حالات الإلحاح المستمر فينبغى تعريفهم به فى حالة من الجد وليس المزاح وهو قوله
"من المستحسن أن نؤخر ما استطعنا فضولهم فى هذا الخصوص وإذا وجهوا إلينا أسئلة فمن المستحسن أن نلزمهم الصمت خيرا من أن نكذب عليهم أما إذا قررنا تنوير الأطفال فى هذه المسائل فليكن كلامنا معهم مصطبغا بطابع الجد ولا ينبغى إطلاقا أن نتخذ سذاجتهم فيها وجهلهم بها موضوعا للمزاح فإن المزاح فى هذه الأمور يمهد للتهتك والإباحية فيما بعد ص178
ويبين روسو أن عليه كمربى أن يفتح قلب تلميذه على اختيار فتاة للزواج تشابهه فى صفاته حتى يبعده عن الفسق من خلال المواعظ الحسنة وهو قوله:
إن قلبك أيها الشاب بحاجة إلى رفيقة فهيا بنا ننشد تلك التى تلائمك وربما لم يكن العثور عليها سهلا فالفضيلة الحقة نادرة دائما فلنبحث بأناة ولابد أن نعثر على ضالتنا فى النهاية أو على الأقل على أقرب فتاة إليها شبها وأظن هذا كافيا لفتح قلب الفتى لحياة المجتمع وسوف يكون من السهل لإقناعه بحسن السلوك والابتعاد عن الفسوق لا بالوعظ السقيم والارشاد العقيم بل بالمناقشة العقلية فما من شاب يرضى أن تكون أمه أو أخته هدفا للفسق الذى يريد أن يقترفه مع نساء آخرين ص224
ووضح روسو أن الحجر على الفتيات غير المتزوجات فى البيوت خطأ وأن الواجبات هو أن يحجر على المتزوجات فيترك للفتيات الذهاب للحفلات من أجل المرح وهو قوله :
" إن العادة فى فرنسا أن تعيش الفتيات فى الديور وان تنطلق النساء المتزوجات فى عرض الدنيا وطولها أما الأقدمون فكان الأمر لديهم على العكس بل كانت الفتيات يتمعن بحفلات عامة مرحة كثيرة العدد والنساء يعشن منطويات فى البيوت وهذا النظام أقرب للعقل وأحفظ للأخلاق ص273
وإن كان روسو يقصد الذهاب للمنتزهات وحفلات السبوع والزواج ما شابه فهو أمر مفيد للفتيات
وبين روسو أنه سيعرف فتاه على صفات الفتاة التى يتزوجها وأهمها الحياء والاحتشام وهو قوله:
إنها ذات حياء فى ملبسها وهى متبرجة فى الوقت عينه فلئن كانت لا تبدى مفاتنها بمعنى أنها لا تكشف عنها بل تغطيها وتسترها إلا أنها تسترها بصورة تساعد المخيلة على إبداع تصورها فحينما يراها المرء يقول هذه فتاة حيية رزان ولكنه ما لبث بجوارها أن جالت نظرته وقلبه فى شخصها لا يستطيع عن ذلك حولا فكأنما كل هذه الأزياء لم توضع على جسدها إلا لكى تنزع قطعة قطعة بعين الخيال ص277
وبين الأطعمة التى تأكلها الخطيبة وهى صوفى وأنها قادرة عن الاستغناء عن الترف فى أى وقت فقال:
"وصوفى تأكل مستخرجات الألبان وتحب المسكرات ولكنها لا تقبل كثيرا على أكل اللحوم ولم تذق فى حياتها كلها طعم النبيذ أو الخمور وما تأكل منه تأكل باعتدال والحقيقة أن جنسها أقل حاجة من جنسنا على تجديد قواه لأن جنس النساء اقل إهدارا لقوته منا وهى فى كل شىء ذات ذوق واعتدال وتعرف كيف تستغنى عن أى شىء تحت ضغط الظروف منن غير أن تجد فى ذلك عناء ص280
وبين أن الفتاة تستطيع تجميل بيتها بأقل ألأشياء إن هى تعلمت الفنون الجميلة بقوله:
"وبمراقبة اميل وتقليده استطاعت صوفى أن تتقدم فى فن الرسم محتذية به وكذلك تقدمت فى جميع الفنون الأخرى وتذكر والداها يسارهما القديم عندما وجدا الفنون الجميلة تحيط بهما روائعهما وجمل الحب دارهما فالحب وحده يستطيع ان يجمل من غير نفقات ولا عناء ما لا تستطيع الثروة الطائلة بكل متاعبها ص303
ووضح روسو أن على والدى الفتاة تعليمها واجباتها فى تلك السن بقوله:
"ونظرا لنضوج تفكيرها الذى يجعلها فى حكم ابنة العشرين مع أنها فى الخامسة عشر فلا يمكن ان تعتبر طفلة حتى فى نظر والديها ولذا بصراها بواجبات الشباب التى ينبغى أن تدركها الفتاة فى مثل مرحلتها من العمر وغنى أعتقد أنهما قالا لها شيئا من هذا القبيل ص283
وبين روسو أن الفتى عليه أن يتزوج فتاة من طبقته أو أقل منها وليس أعلى فقال:
إنى أكرر ما قلته مرارا من أن الرجل لا يليق به أن يتزوج من طبقة أعلى منه بل يحسن أن يختار من هم دونه قليلا أو على شاكلته ومن المهم جدا مراعاة الكفاءة من حيث الثقافة والعقلية فإن المرأة الجاهلة السقيمة الفكر لا تصلح أن تكون مربية لأطفالها ولا شريكة لزوج ذى عقل وفطنة ولكن لا أحبذ أن تكون المرأة من صاحبات النبوغ ص285
وهى فكرة صائبة فى مجتمعات الظلم وأما فى مجتمع الإسلام فلا يوجد شىء يسمى الكفاءة فالمطلوب فقط هو إسلام الزوج والزوجة
وبين أن مجتمع الناس يختلف عن مجتمع الحيوانات التى يشيع فيها تعدد الزوجات بينما الناس يشيع فيهم وحدانية الزوجة فقال :
إن جميع الملاحظات فى مملكة الحيوانات تدل على ثورات الغيرة الجامحة لدى الذكور على الإناث أما لدى الإنسان فليس الأمر كذلك فما دام الزواج قائما على أساس الوحدانية لا تعدد الزوجات فالثورة الجنونية للغيرة من جانب الذكور من غير مبرر قوى لا معنى لها ص307
وبين أن الواجب هو كون أخلاقيات المرأة أفضل لأن النساء لا يفكرن باستمرار ويجب أن تكون التفكيرات فى القوانين العامة وعن نظام العالم فقال :
والتفكير ليس غريبا على النساء ولكن لا ينبغى لهن عدم التعمق فى العلوم العقلية فها هى صوفى تدرك كل شىء ولكنها لا تعى فى ذاكرتها شيئا كثيرا وأعظم ما تحرزه تقدم فى الأخلاق والأمور المتصلة بالذوق أما الطبيعة فلا تحفظ منها إلا فكرة يسيرة عن القوانين العامة وعن نظام العالم وأحيانا أثناء نزهاتها كان يتأملان أعاجيب الطبيعة فيتجه قلباهما البريئان نحو الخالق ص304
وطالب روسو تلميذه بالتمسك بالدين وأن يعود أى يتوب للدين كلما أخطأ فقال :
"وارتد إلى دين آبائك واخلص له ولا تنحرف عنه فلباب الأديان جميعها واحد ودين آبائك أحفل الأديان بالخلق الطاهر وأقربها للعقل أما نفقات السفر فسأدبرها لك ولا تخجل من العودة إلى أهلك فالضلال هو المخجل أما إصلاح الخطأ والرجوع عنه فليس مما يحمر له الوجه وأنت فى سن يغتفر لها الطيش وإن رجعت على ضميرك بصدق تبخرت أمامك جميع الحوائل ص217
والخطأ هنا أن لباب الأديان واحد وهو ما يخالف اختلافات الأديان وتنازعها فهناك أديان توحيدية تعبد إله واحد وهنالك أديان تعبد آلهة متعددة وهناك أديان بلا آلهة
ووضح روسو أن الذكر والأنثى مختلفان فقال :
"إنهما من حيث الجانب المشترك بينهما متساويان أما من حيث جانب التباين فلا وجه للمقارنة بينهما وحين يجتمع الجنسان يسهم كل منهما فى الأمور العامة ولكن ليس بنفس الأسلوب ومن هذا التباين يتولد أول اختلاف فى الصلات الخلقية فيما بينهما فأحد الجنسين ينبغى أن يكون ايجابيا قويا والآخر يجب أن يكون سلبيا ضعيفا ولذا يجب ان يكون أحدهما مريدا قادرا فعالا فى حين يكفى أن يبدى الجنس الأخر مقاومة يسيرة ص235
والخطأ فى الفقرة هى كون الرجل إيجابى والمرأة سلبية أو هذا قوى وتلك ضعيفة وهى مقولة خاطئة فالسلبية والإيجابية تكون فى الاثنين ولذا قال تعالى " إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى"
وبين روسو أنه لابد من وجود قيادة هى قيادة الرجل للمرأة فقال :
ولئن كانت المرأة مجعولة كى تروق للرجل وكى تخضع له فيجب أن تسعى للفوز برضاه بدلا من أن تتحداه فعنفوانها الخاص بها قائم فى مفاتنها وبتلك المفاتن يجب أن ترغمه على شحذ قوته واستخدامها وخير وسيلة لايقاد جذوة تلك القوة هى استثارتها بالمقاومة فعندئذ تتحد الكرامة مع الرغبة ويكون انتصار إحداهما نصرا مؤزرا للأخرى وبذلك يتولد الهجوم والدفاع وجسارة أحد الجنسين وجرأة الأخر ذلك الخجل أو الخفر الذى زودت به الطبيعة الجنس الضعيف كى يسترق به الجنس القوى عن الكائن الأعظم أراد فى كل أفعاله تكريم النوع البشرى حينما أعطى الرجل ميولا لا حد لها وأعطاه فى الوقت عينه القانون الذى ينظمها بحيث يكون حرا وخاضعا لذات نفسه وهذا القانون هو العقل وأما المرأة فقد منحها رغبات غير محدودة وشفع تلك الرغبات بالحياء والخفر كى يلجمها ص236
والفقرة تحتوى على نفس الخطأ السابق فى الفقرة قبلها كما يحتوى على إضافة وهى أن خفر وهو حياء المرأة مطلوب
وهو يبين مقولة خاطئة وهو خضوع المرأة لظلم زوجها فقال:
"إن الرقة هى أول وأهم مزايا المرأة فقد خلقت المرأة لإطاعة كائن ناقص هو الرجل وكثيرا ما يكون طافحا بالرذائل ودائما ما يكون حافلا بالعيوب فيجب أن تتعلم منذ البداية كي تخضع للغبن والظلم وكيف تتحمل أخطاء زوجها بغير تذمر فمن أجلها هى لا من أجله يجب أن تربى على الرقة والدماثة ص252
وبالقطع تحمل الأخطاء من الزوجين واجب من باب الرحمة ولكن تحمل من جانب واحد هو كفر من الاثنين الظالم والمظلوم كما قال تعالى "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"
ووضح روسو إن تكوين الأطفال يتوقف على حسن تكوين الأمهات فقال:
"إن تكوين الأطفال يتوقف على حسن تكوين الأمهات فعناية النساء هى الأساس الذى تقوم عليه التربية الأولى للرجال وعلى النساء كذلك تتوقف أخلاق الرجال وعواطفهم وأذواقهم وطباعهم ومسراتهم ولذاتهم بل وسعادتهم نفسها ولهذا يجب أن تكون تربية النساء برمتها مرتبطة بالرجال فإن واجبات النساء فى جميع الأزمان هى إرضاء الرجال ونفعهم وتحرى محبتهم وتكريمهم وتربيتهم صغارا ورعايتهم كبارا وإرشادهم بالمشورة والتسرية عنهم وتهوين الحياة عليهم وهذه الواجبات هى ما يجب تلقينه للنساء منذ طفولتهن الأولى وكلما ابتعدنا عن هذا المبدأ انحرفنا عن هدف تربيتهن وذلك يعنى أن ما يلقن لهن لن يجدى عليهن فى جلب السعادة لهن ولنا ص244
تناقضات علمية:
"ويكفى أن نوجه أنظار التلميذ بعد اكتشافه لحركة الشمس الدائرية ولشكل الأرض الكروى كى يكتشف أن جميع الحركات الظاهرية للأجرام السماوية قائمة على هذا المبدأ بعينه ولما كانت الشمس تدور حول الأرض على شكل دائرة ص154
هنا يؤمن روسو بأن الشمس تدور حول الأرض على شكل دائرة وهو ما يناقض أنه لا يدرى هل الأرض تدور أم لا فى قوله :
إذن فهذا العالم ليس حيوانا كبيرا متحركا بذاته وإذن فهناك علة لهذه الحركات غريبة عن هذا العالم وإن كنت لا أدرك بحسى هذه العلة بيد أن الاقتناع الداخلى يجعل هذه العلة محسوسة جدا بحيث أنى لا أرى دوران الشمس من غير أن أتصور قوة تدفعها للدوران وإن كانت الأرض تدور فأنا أكاد أحس يدا تدفعها للدوران ص204
متنوعات :
-وضح روسو أن الذهن البشرى هو من يكون المعانى بقوله:
"والطريقة التى تتكون بها المعانى هى خاصة الذهن البشرى فالذهن الذى لا يكون المعانى إلا على أساس علاقات واقعية ذهن صلد والذهن الذى تكفيه العلاقات الظاهرية ذهن سطحى والذهن الذى يرى العلاقات كما هى ذهن دقيق والذهن الذى يسىء تقديرها ذهن مختل والذهن الذى يختلق علاقات لا وجود لها فى الحقيقة ولا فى الظاهر ذهن مخبول والذهن الذى لا يقارن إطلاقا بين الأشياء ذهن معتوه ص172
والخطأ هنا أن الذهن الذى يختلق علاقات لا وجود لها فى الحقيقة ولا فى الظاهر ذهن مخبول فالتخيل وهو الاختلاق واجب عند المفكرين والمخترعين وإلا فلن يكون هناك اختراع دون اختلاق أى تخيل للعلاقات بين المواد
-وضح روسو أن البشر متساوون وأن نهايتهم واحدة وهى الموت بقوله:
"إن الناس من حيث طبيعتهم ليسوا ملوكا ولا عظماء ولا رجال بلاط ولا ثراة فكافة الناس يولدون عرايا فقراء معرضين لأوجاع ومنغصات الحياة والهموم والأمراض والحاجات وسائر صنوف الآلام فقصارى القول أنهم جميعا محكوم عليهم فى النهاية بالإعدام ص180
-وضح الله أن الرحمة أو الشفقة مطلوبة بين الناس بقوله:
"ويمكن إيجاز هذه الخواطر فى ثلاث قواعد بسيطة القاعدة الأولى لا يكيل القلب البشرى إلى أن يضع نفسه فى موضع من هم أسعد حالا منه بل فى موضع من هم أولى بالإشفاق القاعدة الثانية نحن لا نشفق على الآخرين إطلاقا إلا بسبب الآلام التى لا نعتقد أننا محصنون ضدها معصومون منها القاعدة الثالثة الرحمة والرأفة بآلام الغير لا تقاس بكمية الآلام فى ذاتها بل بمقدار ما نفترضه فى المتألم من إحساس نعيره إياه من ذواتنا ص182
-بين روسو أن الغالبية دائما ضحية للأقلية وأن الحكام الظلمة يستخدمون ألفاظ العدالة والتنظيم فهى أدوات للاغتصاب وأسلحة الظلم بقوله :
ومن هذه المفارقة الأولى تنجم جميع المفارقات الأخرى التى نلحظها فى النظام المدنى بين الظاهر والحقيقة وستظل الغالبية دائما ضحية للأقلية وسيظل الصالح العام ضحية للصالح الخاص أما ألفاظ العدالة والتنظيم فهى أدوات للاغتصاب وأسلحة الظلم ص183
-وضح روسو أن الإنسان هو خالق الشر بقوله:
" لا تفتش أيها الإنسان عن خالق الشر أو الألم فهذا الخالق إن هو إلا أنت ليس هناك ألم سوى الذى تسببت فيه أو الذى تقاسيه ص212
وهى مقولة ليست سليمة تماما فليس كل شر سببه المظلوم لوجود ظالم ومظلوم
وبين روسو أن سوء استخدام ملكاتنا هو الذى يجعلنا أشقياء أشرارا فقال:
إن سوء استخدام ملكاتنا هو الذى يجعلنا أشقياء أشرارا فأحزاننا وهمومنا وآلامنا تأتينا من عند أنفسنا إن الشر الخلقى والألم المعنوى من صنعنا بغير جدال أما الألم الجسدى والبدنى فلا يمكن أن يقام لهما وزن لولا رذائلنا التى تجعلنا نحس تلك الآلام ص213
-بين روسو وجود فرق بين أفكارنا المكتسبة ومشاعرنا الطبيعية بقوله :
"ينبغى أن نميز بين أفكارنا المكتسبة ومشاعرنا الطبيعية لأننا نحس بالضرورة قبل أن نعرف ولا نتعلم إطلاقا أن نريد خيرنا ونفر من شرنا بل نحن نتلقى تلك الإرادة من الطبيعة وكذلك تتلقى منها حب الخير وكراهية السوء فذلك طبيعى كحبنا لأنفسنا ص214
وهى مقولة خاطئة فكل الأشياء عند الإنسان مكتسبة لأنه يولد صفحة بيضاء أو بتعبير القرآن " يخرجكم منبطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" ومن ثم فكل شىء عندنا
-بين روسو ان الأذواق تخضع لقواعد محلية بقوله:
" وألاحظ أن الذوق يخضع لقواعد محلية ولا سيما من جهة الجو والطباع والعادات والعرف السائد والنظم الاجتماعية وطريقة الحكم كما أن لاعتبارات السن والجنس والطبع دخلا فى تلوين الذوق ولهذا قيل أن الأذواق لا تصح أن تناقش إن الذوق فطرى فى جميع الناس ولكنه ليس على قدم المساواة لدى الجميع وليس نموه لدى الجميع بمعدل واحد وهو خاضع للتغير فى مراحل العمر بسبب ظروف كثيرة فالحساسية والثقافة والبيئة لها آثارها وكلما اتسعت آفاق البيئات التى يرتادها الإنسان اتسعت أمامه الفرص لعقد المقارنات ص227
-وضح روسو أن ليس هناك اثنين تصلح لهما موعظة واحدة بقوله:
لا أعتقد أن هناك اثنين تصلح لهما موعظة واحدة من جميع الوجوه وانفعالاتنا متغيرة حتى لا يكاد يوجد يومان فى حياة الرجل الواحد يتشابه فيهما تأثير خطبة واحدة عليه ص222
وهى مقولة خاطئة فالموعظة تنفع لمن فى نفس الموقف
-وضح روسو أن حب الموضة من فساد الأذواق فقال:
"إن حب الموضة من فساد الأذواق لأن الوجوه لا تتغير بتغير الموضات وما يلائم الوجه مرة ينبغى أن يلائمه على الدوام ص255
-وضح روسو أن كتب الرحالة معظمها أكاذيب بقوله:
وحينما أقارن القليل الذى أمكننى ملاحظته بنفسى بما قرأته فى تلك الكتب أجدنى نادما على ما أضعته من وقتى فى مطالعة كتب الرحالين ويزداد اقتناعى بأن تلك الموضوعات لا يجمل تحصيلها بالقراءة بل بالمشاهدة ولو أن جميع الرحالين اخلصوا وصدقوا لما قالوا إلا ما رأوا وما اعتقدوا ولم يموهوا الحقيقة غلا بالألوان الخادعة التى تتراءى لعيونهم ص326
-وضح روسو أن جميع لغاتنا مبتدعات فنية وأن اللغة المشتركة المنسية بين الناس هى لغة الأطفال فقال :
"وجميع لغاتنا مبتدعات فنية وقد طال البحث فى هل هناك لغة طبيعية عامة بين جميع الناس ولا شك فى أن هناك لغة بهذه الصفة وهى لغة الأطفال التى يتكلمون بها قبل أن يتعلموا الكلام ولئن لم تكن تلك اللغة لفظية إلا أنها صوتية ومفهومة واستخدامنا للغاتنا هو الذى جعلنا نهمل تلك اللغة المشتركة حتى نسيناها نسيانا تاما ص67
وهى مقولة خاطئة فاللغة من مبتدعات الخالق وليس البشر كما أنهلا توجد لغة مشتركة للرضع إلا اللغة المشتركة بين البشر جميعا وهى كلمة الآه عند التألم والقهقهة أو التبسم عند السعادة
-وضح روسو أن قوانين الأمم لو كان لها ما لقوانين الطبيعة من صرامة لا تستطيع قهرها أى قوة بشرية بقوله:
"فلو أن قوانين الأمم كان لها ما لقوانين الطبيعة من صرامة لا تستطيع قهرها أى قوة بشرية لكانت تبعية الناس شبيهة بتبعية الأشياء ولاستطعنا أن نجمع للجمهورية جميع مزايا الحالة الطبيعية والحالة "ص83
اختلاف قوانين الناس عن بقية قوانين المخلوقات سببها الاختيار عند البشر والجبر عند المخلوقات
-وضح روسو أن كل أمة تظل مغلقة على نفسها لأن المواصلات كانت أقل مما هى اليوم والأسفار أقل والمصالح المشتركة أو المتعارضة أقل بقوله:
"ففى الزمن الغابر كانت كل أمة تظل مغلقة على نفسها لأن المواصلات كانت أقل مما هى اليوم والأسفار أقل والمصالح المشتركة أو المتعارضة أقل أيضا والعلاقات السياسية والمدنية بين شعب وشعب معدومة وكذلك المحادثات والمفاوضات الملكية المألوفة اليوم والسفارات العادية أو المقيمة باستمرار ص327
وبالطبع لا يوجد شىء انغلاق الأمم فعبادة الحج سواء كانت للكعبة أو لغيرها ربطت بين أصحاب الأديان فى الأمم المختلفة كما أن الطمع البشرى ربط بين الأمم حيث وجدت أمم تعتدى على أمم
-بين روسو أن القانون السياسى لم يزل فى مرحلة الولادة بل إنه لم يولد بعد بقوله:
"إن القانون السياسى لم يزل فى مرحلة الولادة بل إنه لم يولد بعد وربما طال المخاض فلم يولد على الإطلاق وجروتيوس أستاذ جميع العلماء فى هذه الناحية ليس إلا طفلا وأسوأ من هذا أنه طفل سيىء النية وعندما أسمع أحدا يرفع جروتيوس إلى عنان السماء ويمطر هوبز باللعنات أدرك على الفور مدى قلة ذوق ذوى الرأى الذين يقرأون ويفهمون حق الفهم هذين المؤلفين ص332
وبالقطع ما يقوله روسو يدل على أن روسو لم يطلع على المؤلفات باللغة العربية ككتاب السير للشيبانى وهو كتاب أخذ منه جروتيوس بعض ما كتب
-بين روسو أن العقد الاجتماعى هو أساس كل مجتمع مدنى بقوله:
إن العقد الاجتماعى هو أساس كل مجتمع مدنى ومن طبيعة هذا العقد يجب أن تستنبط طبيعة المجتمع وسنبحث محتوى هذا العقد وهل يمكن التعبير عنه بهذه الصيغة إن كلامنا يجعل فى الملك المشترك أملاكه هو شخصه وحياته وكل قوته تحت الإدارة العليا للإدارة الكلية العامة وبحيث يعتبر كل منا جزء غير متجزىء من الكل ومتى فرضنا ذلك سنلاحظ لكى نحدد الألفاظ التى نحتاج إليها أن ذلك العقد الاجتماعى ينشىء كيانا معنويا جسميا ولهذا الكيان أو الهيئة أعضاء بعدد أصوات الجمعية العمومية لذلك المجتمع وهذا الشخص العمومى المعنوى يسمى عادة باسم الكيان السياسى ويسميه أعضاؤه باسم الدولة حين يكون سلبيا وباسم السلطان حين يكون إيجابيا وباسم القوة عند مقارنته بالكائنات السياسية المماثلة له وأما أعضاء ذلك الكيان السياسى أنفسهم فيطلق عليهم مجتمعين اسم الشعب ويطلق على كل فرد منهم اسم المواطن باعتبارهم مساهمين فى سلطان الدولة ويطلق عليهم اسم الرعايا باعتبارهم خاضعين لسلطان الدولة وسنلاحظ أيضا أن العقد الاجتماعى يتضمن التزاما متبادلا بين الهيئة العامة والأفراد فإن كل فرد كأنه يعقد العقد مع نفسه فهو مرتبط من جهتين باعتباره عضوا فى سلطان الدولة بإزاء الأفراد وباعتباره عضوا فى مجموعة الرعية بإزاء سلطان الدولة ص336
الأخطاء متعددة وأهمها كون العقد اجتماعى أى بين الناس وهو ما يخالف كون بعض المجتمعات لها عقد إلهى وهو ما يتردد مثلا فى العهد القديم كما أن أفسلام عبر العصور نزل على كل قوم بالعقد الإلهى
-وضح روسو أن تقتصر هيئة الحكومة على تنفيذ القوانين التى يسنها الشعب بقوله:
"ولكن يجب أن تقتصر هيئة الحكومة على تنفيذ القوانين التى يسنها الشعب ولا تقدم الحكومة على إصدار قوانين من تلقاء نفسها فإن إقدام الحكومة على تجاوز حدود تنفيذ القوانين على سنها وإنشاءها يؤدى إلى حق الرعية فى رفض الطاعة وتسود الفوضى فإما أن تنحدر الدولة إلى حكم استبدادى هو حكم الطاغية أو تنحل عقدتها وتصبح فوضى ص241
والخطأ هو سن الشعب للقوانين فالقانون يشرعه الله وليس الشعب ولكن روسو هنا يتكلم عن مجتمعات ظالمة يريد تحقيق العدل البشرى فيها وليس العدل الإلهى
-بين روسو أن الحكومات ثلاث فقال:
"وإذا كان ما نراه صحيحا من أن عدد الحكام فى أى دولة يجب أن يتناسب تناسبا عكسيا مع عدد المواطنين ولست أعنى بالحكام سائر موظفى الحكومة بل كبار الرؤساء فى الأمة أما الباقون فليسوا إلا أدوات لهؤلاء فإن الحكومة الديمقراطية تلائم الدول الصغرى والحكومة الارستقراطية توافق الدول الوسطى والملكية أو الديكتاتورية تناسب الدول الكبرى وعن طريق النظر فى هذه الأمور سنصل على معرفة واجبات المواطنين وحقوقهم وهل فى الإمكان فصل هذه عن تلك وما هو الوطن ومم يتكون بالضبط وبم يعرف كل امرىء إن كان له أو ليس له وطن ص243
الخطأ كون الحكومات ثلاثةأنواع: الجمهوريةوالملكيةوالمستبدة وهو ما يخالف الدول الحالية ففى الجمهورية توجد جمهوريات مستبدة وتوجد جمهورية ذات سيادة للشعب وفى الملكيات توجد ملكيات مستبدة وتوجد ملكيات تحكم بالقانون وحكومات الملكيات منها حكومة شعبية حيث الملك يحكم ولا يملك كما فى بريطانيا واليابان الحالية ومنها حكومة يرأسها الملك كما فى حكومة سيهانوك أمام الملكي فى كمبوديا ومنها حكومة تختص بالاقتصاد والملك يختص بالعلاقات مع الدول الأخرى والأمن كما فى مملكة المغرب ومملكة الأردن ومنها حكومة من أسرة الملك كما فى ممالك الخليج خاصة فى السعودية
زد على هذا هناك وجود حكومة الله والتى ليس فيها حكم للناس بل حكم الله كما قال تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "
الخطأ الثانى وجود حكم فرد ملكى أو مستبد فقط فى الدولة وهو أمر غير ممكن إلا فى دولة المدينة أو فى الدولة الصغيرة السكان والمساحة لأن الدول الكثيرة السكان أو الكثيرة المدن والقرى يحكمها الكثرة التابعون للملك أو للمستبد وهم غالبا يحكمون تبعا لهواهم وليس وفقا لقوانين
-وضح روسو أن هناك قاعدتين سهلتين بسيطتين للحكم على الصلاح النسبى للحكومات بقوله:
"وقد شرح مونتسكيو فى كتابه روح القوانين العلاقات الضرورية بين طباع الناس وحكوماتهم فمن شاء فليرجع على ذلك الكتاب ليجد أن هناك قاعدتين سهلتين بسيطتين للحكم على الصلاح النسبى للحكومات والقاعدة الأولى هى قاعدة السكان فحيثما يتناقص عددهم تنحدر الدولة إلى الانحلال والاقليم الذى يزداد عدده هو أفضل حكومة ولو كان أفقر مالا ولست أعرف شذوذ واحد لهذه القاعدة وهذا الشذوذ يتمثل فى الصين ولكن ينبغى أن يكون ازدياد السكان نتيجة طبيعية لا طارئة فلا يكون ذلك بالاحتلال أو الهجرة المؤقتة ولا بضغط القانون فحينما حمل الامبراطور أغسطس على العزوبة وأصدر قوانين ملزمة للعزاب بالزواج كان ذلك إرهاصا باضمحلال الامبراطورية الرومانية لأن الزواج الإجبارى لا يكون نتيجة طبيعية لأخلاق الأمة ص244
الخطأ أن صلاحية الدولة تقاس بنقص أو زيادة السكان فالناقصة تكون منحلة متدهورة والزائدة تكون زاهرة عادلة وهو كلام جنونى فالعدل والظلم لا علاقة لهما بالكثرة السكانية أو الزيادة السكانية وإنما صلاحية الدولة تقاس عند السلم بتطبيق أحكام الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل جرمينال ـ إميل زولا - دار الهلال ahmad2006771 الروايات والقصص المترجمة 4 September 24, 2018 08:33 PM
كتب لجان جاك روسو بندر بن عبدالله كتب فكرية وفلسفية 4 August 31, 2010 02:48 AM
كتب جان جاك روسو raadalfatemi أرشيف طلبات الكتب 5 April 19, 2010 04:02 AM
اعترافات جان جاك روسو advocate كتب فكرية وفلسفية 26 June 7, 2009 06:55 AM


الساعة الآن 12:19 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر