فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم April 27, 2018, 02:35 PM
 
Smile «العب يا صلاح».. تفكير مصرى يتفاداه «كوبر» بقلم عمار علي حسن

«العب يا صلاح».. تفكير مصرى يتفاداه «كوبر» بقلم عمار علي حسن

«العب يا صلاح».. تفكير مصرى يتفاداه «كوبر»
بقلم
عمار علي حسن

ما إن تصل الكرة إلى لاعبنا الموهوب الفذ محمد صلاح فى مباريات منتخبنا الوطنى حتى يهتف الجمهور «العب يا صلاح»، كأنه وحده فى الملعب، وكأن النصر مربوط بقدميه، ومعقود بإرادته، ومرهون ببراعته، وهو بارع بالفعل، وإلى حد مذهل، أما لو وقعت الهزيمة، لا قدر الله، فيتم تحميلها على عنق غيره.
إنه الجمهور الذى لا يزال مؤمنا بالخلاص الفردى، قائد واحد، وزعيم واحد، وشخص واحد، يشار إليه بالبنان، فى تكريس لنمط من «عبادة الفرد»، أو على أحسن تقدير، حسن الظن الهائل، واللانهائى، بأن فردا واحدا بوسعه أن يأتى بالنصر، وفردا واحدا هو الذى يخاف منه الخصوم. مع أن صلاح، رغم موهبته الفذة، يحتاج طيلة الوقت إلى خدمة زملائه فى الملعب، وهم أكفاء ومهرة.
لا ينكر أحد أن صلاح قد وصل، حتى الآن، إلى مكانة لم يصلها لاعب كرة قدم مصرى من قبل، وأنه برهن على أن لاعبا مثله بوسعه أن يصحح الكثير من الصور النمطية المغلوطة التى صنعتها أفكار وتصورات جاهزة، وأن كرة القدم يمكن أن تفلح فى صناعة صورة لا تتمكن من تشكيلها آلاف الخطب والكتب والوعظ المباشر. ففى وقت تُرسم فيه صورة سلبية للمسلمين فى أوروبا نظرا لما ترتكبه الجماعات والتنظيمات الإرهابية من أعمال عنف دموى، لا سيما بعد استهدافها المنظم والمتواصل لمدن أوروبية. لقد جعل صلاح جمهور الفريق ينشد فى تبتل:
«إن كان جيدا كفاية بالنسبة لكم
فهو كذلك بالنسبة لى
إن سجل بعض أهداف أخرى
سأصبح مسلما أنا أيضا
إن كان جيدا كفاية بالنسبة لكم
فهو كذلك بالنسبة لى
جالسا فى مسجد
هناك حيث أريد أن أكون».

ثم نجد شبلا إنجليزيا، لا يدين بالإسلام، ينجح فى أحد التدريبات بتسديدة ناجحة لضربة جزاء، يجرى فوق البساط الأخضر، ثم يسجد لله شكرا، تماما كما يفعل صلاح، بعد إحرازه الأهداف.
مدرب المنتخب الوطنى الأرجنتينى «كوبر» يدرك هذا بالطبع، لكنه يعى أيضا أن الكرة لعبة جماعية، وأن مبدأ «التعاون» و«المساندة» و«التآزر» و«توزيع الاختصاصات» و«الجهد الجماعى» هو ما يحكم اللعبة، ويجعلها تمضى فى طريق تحقيق أهدافها، ليس فوق المستطيل الأخضر فحسب.. بل أيضا فى تأثيرها على ثقافة شعب، وطريقته فى التفكير والتعبير والتدبير، وأن لها علاقة وطيدة بالسياق الثقافى ـ الاجتماعى، الذى ينبت فيه كل منتخب وطنى لبلد ما.
ربما يدرك «كوبر» أنه يمكن النظر إلى كرة القدم أو استعارتها فى تحليل طبيعة السياق الذى يحيط بالنظام السياسى برمته، فعلى سبيل المثال، يرى الصحفى البريطانى بارنى روناى أن كرة القدم ضاربة بجذورها داخل المجتمعات البريطانية الصغيرة، وأن أندية الدورى الممتاز هى امتداد لكنيسة الحى الذى ذهب إليه الأجداد، أو الحانة التى اعتادوا الذهاب إليها ليلًا، وأن كرة القدم كانت هى الحصن الأخير ضد الفكرة التاتشرية الأصلية التى لا تعترف بشىء اسمه المجتمع، فى إشارة لحقبة الثمانينيات التى زادت فيها النزعة الفردية المرتبطة برأسمالية السوق، والنظام السياسى الديمقراطى، الذى يقوم فى جوهره، ليس على أن حاكما فردا يحدد للمجتمع أولوياته، إنما يشارك الكل فى صناعتها، إلى حد ما، عبر انتخابات حرة منتظمة.
ولم يكن رئيس أوروجواى خوسيه باييه، ذو المرجعية اليسارية، يمزح حين وضع كرة القدم ضمن خطة إعادة التأهيل البدنى لأطفال بلاده، والتى كانت بحاجة إلى ثورة حقيقية، لترتبط اللعبة بقرارات مجانية التعليم، وتعميم تدريس التربية البدنية. وسمحت تغييرات باييه بخوض لاعبى الكرة فى أوروجواى غمار دورى عمالى نظمته القوى الشيوعية المحلية انطلق مع بداية العشرينيات، وبعد أقل من عقد واحد كانت أورجواى تتسيد العالم فى كرة القدم، وتتقدم على التوازى فى التنمية والنمو بما جعلها تتصدر وقتها قارة أمريكا اللاتينية فى مستوى معيشة الفرد.
كما وجدنا امتزاج الاشتراكية بالكرة فى الأساليب التى تحكم العمل فى نادى «تشى جيفارا الاجتماعى الشبابى»، قرب مدينة قرطبة الأرجنتينية، والذى يقوم بتنمية النشء، وتحسين الأوضاع المعيشية والثقافية للمجتمعات متوسطة الحال فى الإقليم.
يُقدر «كوبر» على ما يبدو هذه النزعة الاشتراكية فى اللعب، ليس بالضرورة عن إيمان بهذه الأيديولوجية، أو اعتناق لها، إنما، وبطريقة غير مباشرة، عن وعى بجماعية اللعبة، وهى مسألة، لا يجهلها الجمهور المصرى بالقطع، إنما يتصرف عكس معرفته بهذه الحقيقة، حين يعتقد أو يتوهم أن فوز المنتخب الوطنى يأتى بقدم لاعب واحد، وجد فرصة الصعود المدوى فى سياق ثقافى واجتماعى مختلف، سمح لموهبته أن تتفجر، ولقدراته أن تظهر، وهو الذى ضاقت به بلده، لأن فاشلين لم يحسنوا تقييمه، وكادوا أن يحولوا بينه وبين الاستمرار فى اللعب، لولا إرادته وربما حظه الذى نجاه من هذه المصيدة، التى نصبت لغيره، ليس من لاعبى الكرة فحسب، إنما للموهوبين فى كل المجالات، الذين ما إن يجدوا الفرصة سانحة أمامهم حتى تلمع موهبتهم، ويتقدموا بطريقة تذهل أولئك الذين أوصدوا الأبواب أمامهم فى السابق.
صلاح برع فى ظل نظام اجتماعى حر، يؤمن بالكفاءة، ولا يفرق بين الموهوبين على أساس الدين أو العرق أو الطبقة، وإن ظهرت عوامل تفرقه فى تصرفات فردية هنا أو هناك، فإنها سرعان ما تجد ما يصوب الأخطاء، ويقيم المعوج، ويعيد الحق إلى صاحبه. وقد كانت لدينا بيئة قابلة للتطور إلى هذا المستوى مع تقدم مصر الحديثة إلى ترسيخ الحريات العامة، لكن هذا المسار تم إجهاضه بعد 1952.
فى خاتمة المطاف، لا أعرف ما إذا كان «كوبر» مثل «جوزيه» فى نظرته إلى أهمية لاعب الكرة من عدمه، فالأخير كان يرى أن اللاعب مثل «مهرج السيرك» الذى عليه أن يبذل كل جهد مستطاع لإسعاد المتفرجين، وأنه لا يمثل قيمة مضافة كبيرة للحياة، مثل أولئك الذين يصنعون تقدم الأمم من العلماء والأدباء والمفكرين والكتاب والمعلمين والأطباء والمهندسين والحرفيين والعمال والفلاحين. لكن ما أعرفه هو إيمان المدربين الكبيرين، جوزيه وكوبر، بأن اللاعب يمكن أن يعطى مثلا ناصعا فى أن بذل الجهد، ورعاية الموهبة، والانضباط، والقدرة على التكيف مع البيئة الاجتماعية، والاستمتاع بالعمل، وليس اعتباره عبئا، ومراعاة الضمير، بوسعها جميعا أن تحقق النجاح لصاحبها سواء كان لاعب كرة أم مزارعا فى أرض قاحلة.
هذا المثل ربما يستقر فى رأس كوبر، الذى يملؤه العجب من أن الإيمان بالفرد الواحد يعشش فى رؤوس المصريين بهذا المستوى، فى زمن فقدانهم اليقين بقدرة المجموع على التغيير مع الانتصار المؤقت للثورة المضادة، والبحث عن أى أمل حتى لو كان عارضا يتعلق بالكرة وليس بالديمقراطية والتنمية والمكانة، مع أن أهل مصر سبق أن دفعوا ثمنا باهظا لإيمانهم هذا، بعد أن خدعهم كل فرد ظنوا أنه قادر على صنع المعجزات.

نقلا عن جريدة المصري اليوم
__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
العب يا صلاح، تفكير مصرى يتفاداه ،كوبر،عمار علي حسن

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإعلام وغاز إسرائيل.. وجناية المنافقين على السلطة بقلم د. عمار علي حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 February 25, 2018 08:24 PM
حُمّى «الضنك» تكشف غياب الدولة وعبثها بقلم عمار علي حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 November 24, 2017 12:41 AM
التفكير الإبداعى والخيال المنطقى الخلاق بقلم عمار علي حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 November 24, 2017 12:29 AM
احترموا عقولنا فنحن لسنا حميراً أو نعاجاً بقلم عمار علي حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 November 24, 2017 12:26 AM
رِدّة سياسية وتهرب من الديمقراطية بقلم عمار علي حسن معرفتي مقالات الكُتّاب 0 August 18, 2017 04:02 AM


الساعة الآن 01:49 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر