فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم December 21, 2017, 03:30 PM
 
Smile طوق الندامة أو أطواق السلامة بقلم د. محمد المخزنجي

طَوْق النَّدامة وأطْوَاق السَّلامة
بقلم
د. محمد المخزنجي

ذلك الطوق، تلك الهالة من الشَّعْر الكثيف المُشعِّ التى تحيط بوجه وعُنق ذكور الأسود البالغة، طالما كانت باعثةً على الرهبة فى نفوس مشاهدى هذه المخلوقات، كما كانت المفردة الأساسية فى اتخاذ الغرور البشرى صورة هذا المخلوق رمزاً للقوة والعظمة والشجاعة، شعاراً على الرايات والقلادات والدروع. لكن أهل العلم، الذين جُبِلوا على النظر إلى ما وراء المظاهر والسُّطوح، باحثين عن الحقائق الأعمق والأصدق من كل خُيلاء التوهُّمات البشرية، لهم فى هذه الهالة شأن آخر، يبدأ بالدهشة التى هى أم كل حكمة، ويمضى بالحيرة مُراقباً مُدققاً متسائلاً أكثر من كونه مجيباً، ويجمع حصاد هذا السعى كله، فيخلص إلى رأى أو آراء راجحة، لكنه لا يزعم أبداً أنها قاطعة، فيظل يبحث عن حقائق وراء آخر ما تم التوصل إليه من حقائق، وهو بعد قرون من الدهشة والتساؤل والتقصِّى، لايزال فى حَيْرة من أمر هذه الهالة الأسدية المهيبة الرهيبة، وإن كان وصل بها إلى بعض المُستقَر، وكثير من الضوء الهادى إلى الحقيقة، هداية لا تجعلنا نتفهَّم طُرق وضرورات عيش هذه الكائنات فقط، بل ترشدنا بضرب المثل، واستخلاص الحكمة، إلى ما يبدو مشوَّشاً من أمورنا، نحن البشر.

أمام اختيارين كلاهما مُرٌّ




يسمونها «اللِّبْدة»، وأحياناً المعرفة، mane، وتبدو للناظر العَجُول مِنْحةَ زَهْوٍ وإشارة قوة ونذير بطش، ينالها ذكور الأسود فور دخولهم مرحلة المراهقة التى تعقب سن الفطام بعدة أشهر، وتبدأ فى الاتضاح فى الثانية من العمر، وتبلغ أوجها فى سن الرابعة، ومجرد وجودها يدل على عيش الأسود الحياة كحرب تنافس وصراع دموى لا تنقطع، حتى الممات. وهى منذ بزوغها نذير شؤم للشِّبل الطالع، فما أن تظهر خفيفة لطيفة حول وجه وعنق الأسد الصبى حتى تضعه على شفا اختيارين كلاهما مُرٌّ مع بلوغه سن الثالثة: أولهما، أن يَصْدَع لأمر أبيه، الذكر المهيمن على المجموعة العائلية المسمَّاة «زُمْرة»، أو عمه إذا لم يكن أبوه هو المهيمن، فيغادر أرض أهله ونشأته إلى برارى التيه. وثانيهما، أن يرفض المغادرة ويدخل فى عراك دامٍ مع أبيه، أو عمه، ليُقصى أيهما ويصير هو المهيمن. لكن المغادرة هى الأرجح. عندها يبدأ الشاب الطريد حياة التشرُّد حتى ينضم إلى زُمْرة جديدة يغتصب الهيمنة عليها وحده، أو بتحالف من عدة مطاريد مثله. وكثيراً ما يظل شريداً وحيداً أو يهيم مع مجموعة من الذكور المشرَّدين، يصيدون بشقاء، ويأكلون بتقاتل، ويموتون ناقصى عمر.
هذه اللِّبْدة أو المَعرفة، التى تبدو منحة عند بزوغها ويتضح مع الوقت أنها محنة، توقَّف أمامها علماء الأحياء التطورية حائرين لعشرات العقود، فهى كمنحة تمثل درعاً مرنة تحمى رقبة ودماغ الأسد من عضات الخصوم الباترة بأسنان التماسيح التى يحاول الأسد اختطاف فريسة منها قرب الشاطئ، أو عضات أنياب جماعات الضباع المرقطة التى تتآزر فى مواجهته إذا حاول سلب صيدها، كما أنها تحمى من طعنات أنياب الأسود المُنافِسة وخمش مخالبها فى معارك الصراع على الإناث والهيمنة على الزُمَر، كما أنها تُخفِّف من أثر نهشات اللبؤة التى تبلغ قمة غضبها من فرط الألم فى ماراثون التناسل مع الذكر بسبب عضِّه رأسها وعضعضته أُذنيها، وتسبيبه ألماً شديداً بارقاً فى قناتها التناسلية عند نهاية العناقات المتكررة الخاطفة، فأداته ــ كما سائر السنوريات القِططية ــ بها ما يشبه شوكتين متجهتين إلى الخلف تجرحان بطانة قناتها هذه بالغة الحساسية عند كل انسحاب! وهو تعذيب إجبارى؛ لأن الأنثى لا تطلق بويضاتها للتخصيب إلا بتحفيز قوى يُحدثه ذلك الألم عند التزاوج!



قوة عنيدة بلا أنياب ولا مخالب
كل ما سبق إضافة لهالة الرهبة المعنوية التى تبثها هذه اللِّبْدة أو المعرفة الأسدية تمثل منحة حماية فى المواجهات التى ذكرت، لكنها لا تفيد فى مواجهات أخرى ليست بالأنياب أو المخالب التى تتقصَّد العنق والرأس ويعيقها شَعْر هذه اللِّبْدة الكثيف، فهى لا تُجدى أمام أدوات قتال أخرى طاحنة للعظام وقاصفة للأعناق لدى طرائد كبيرة تحاول ذكور الأسود منفردة أن تقامر بافتراسها أو افتراس صغارها، كرفسة بقدمٍ خلفية لزرافة تكون القاضية، أو عضَّة بين فَكَّى فرس نهر تقصم العنق، أو دهسة تحت قوائم فيل تهرس العظم واللحم. أما مواجهة غضنفر لأحد أو إحدى جواميس برارى الجنوب الأفريقى، المدعوة «جاموس الكاب»، فهى مَقْتَلة تتجلَّى فيها مأثرة الجاموس، وتستحق أن تُروى.
ها هو ذا الغضنفر يترصَّد جاموسة منفردة، دماؤه ساخنة وعيونه تقدح شرراً نارياً أصفر، يُبرِز مخالبه التى تشق اللحم بعد الجلد بمجرد ضربه، ويُشهر أنيابه التى كالخناجر الماضية الطوال. يزين له عقله الساخن كسخونة جسمه الدائمة أنه سيتمكَّن منفرداً من قَنْص هذه الجاموسة، وليمة ضخمة سينعم بها وحده دون شريك. ويغريه جسمه القوى المدجَّج بأدوات النهش والقضم بسرعة الانتصار، فيهجم قافزاً على كِفْلها مُحدثاً جرحاً دامياً فاغراً فى الكِفْل، لكن الجاموسة النازفة تهيج هياج إرادة الحياة فى وجه الموت. تُسقطه عن ظهرها باستدارة بارقة، ثم تواجهه كإعصار أسود يزن ما يقارب الطن ويُعادل أربعة أمثال وزنه. تقاتل بحوافرها وقرونها والنطحات؛ فبضربة رأس تُطيِّر الأسد المشكوك فى قرنيها عالياً فى الهواء كلعبة خفيفة، يهوى ضائعاً من ارتفاع أربعة أمتار فيرتطم بالأرض مبهوتاً، وتعاجله بضربة قرن تشق جلده عند الكتف. يستدير إليها دامياً محاولاً نَيْل عنقها بقفزة صغيرة لطعن حبل وريدها بخناجر أنيابه الأربعة، لكنها تحيد مفلتة بسرعة، فيهوى خائباً فى الفراغ، لكن ثمالة غطرسته تظل تشحنه بوهم الانتصار، فيحتشد فى اندفاعة أخيرة لقتل الجاموسة بالخنق كما اعتاد بنو جنسه عند انحدار النِّزال. ودون أن يتطلب الأمر قفزة لا يستطيعها وهو خائر القوى، يشب على قائمتيه الخلفيتين أمام رأس الدابة ويُطْبِق بفكَّيْه المسعورين على خَطْمها. تسكن الجاموسة فتبدو مستسلمة للخنق بينما فمها وأنفها يعجزان عن التنفس فى فم الوحش، لكنها بغتة تنفجر فى أرجحة عنيفة لرأسها الناشب فيه الأسد، يميناً شمالاً، يميناً شمالاً، ودون هوادة، حتى يسقط الوحش عنها وفى فمه قضمة دامية من لحم فمها والأنف. وباستدارة ساحقة تعاجله برفسة تعجن أحشاءه داخل بطنه وترميه بعيداً عنها. وبعيداً عنها يستدير مدركاً ثقل هزيمته. عندها ينهار تكوينه الخُيلائى انهياراً مذهلاً مع تساقط شعر اللبدة المهيبة المحيطة بعنقه ووجهه المخيف. يغدو أشبه بأنثى دون أن يمتلك حتى قدرات الأنثى الأرشق والأكثر جلداً فى الصيد، فهى أخف منه بما يقارب النصف، وحرارة دمها لا تشتعل بالحمى سريعاً مثله. وإن لم يمت الأسد المهزوم من جاموسة إثر هذه المَقْتلة، فإنه يغدو مسخاً تجترئ عليه الفهود والقرود. ويهيم متشرداً ذليلاً يأكل الجيف، وسرعان ما يموت شائخاً فى عمر الشباب!


متلفع ببطانية فى أجواء حارة
منذ سبعة قرون، وفى كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا بن محمد القزوينى، شيخى الذى أقدره منذ الرابعة عشرة عندما قرأته لأول مرة، وإن كنت لا أقدسه ولا أقدس غيره فى ضوء ما استجد من أمور العلم والمعرفة وإعمال العقل اللازمين لكل خطاب يُرتجى تصحيحه، قال القزوينى عن الأسد: «وإذا ما مرض وأكل قرداً يزول مرضه، وما تفارقه الحمى، ولذلك يقال للحمى داء الأسد»! ودعونا من حكاية أن الأسد إذا أكل قرداً شفاه، فهى من لطائف كتاب القزوينى وعلماء زمنه التى لا يُقطَع الشك فيها باليقين، لكن إيراد القزوينى صفة أن الأسد لا تفارقه الحمى ملاحظة صحيحة ومدهشة، لأنها حقيقة أثبتها العلم الحديث بأدوات لم تكن متاحة أبداً لعلماء ذلك الزمن البعيد، من أدوات قياس للحرارة إلكترونية، تُرشَق بطلقات بنادق ضغط الهواء فى أجسام الأسود، وترسل نتائجها لاسلكياً للمراقبين!
نعم، ذكور الأسود محمومة دائماً، ووجود اللِّبْدة، تلك «البطانية» الثقيلة كطوق يحيط بوجه وعنق الأسد تحت شمس أفريقيا اللاهبة، هى من أشقى مُسبِّبات العنت فى حياته، محنته فى الحرب والحب؟! فهى تراكم الحرارة فى جسمه إلى درجة تهدده بحُمَّى مُخِّية إذا تجاوز حده المحدود فى بذل جهد متواصل فى وغى الصيد أو وِصال الأنثى، لهذا لا يصيد منفرداً إلا نادراً ويعتمد على اللبؤات الأخف والأمهر فى ذلك، كما أنه مع الأنثى لا يستطيع مواصلة نوبة الوطء إلا لثوان لا تكمل نصف الدقيقة، وحتى يؤكد احتمال إخصاب الأنثى يعوِّض تخطيفه هذا بتكرار الوطء حتى خمسين مرة فى اليوم، وعلى امتداد يومين متواصلين أو ثلاثة، فيظن البشر المتلمظون إلى الاستئساد أنها فحولة، بينما هو مسكين مغلوب على أمره، يُخْصِب دون أن يروى أو يرتوى، مثل ديك الدجاج، الذى هو خصب نعم، لكنه ليس فحلاً على الإطلاق كما تُصوِّره الإسقاطات البشرية التعويضية النفسية، فهو لا عضو له، بل مجرد صمام ينغلق بشدة ثم ينفتح بغتة ويطلق، طلقة واحدة لكل دجاجة لا تتجاوز ثانية واحدة. ودمتم يا حريم القِنِّ! فلنعد إلى العرين.


مُصمَّم ليعيش الحياة حرباً حتى الممات
إن اللِّبْدة، طوق الأسود هذا المُخايل بالرهبة وشدة البأس، ليس أبداً من محفزات بقاء الأسد بقاءً أكفأ فى الحياة، لكنه شر لابد منه، لمخلوق مصمَّم ليعيش فى حروب دموية لا تنقطع، وتقصف عمره قبل الأوان، مُشكِّلة أحد أبرز أسباب التناقص المتسارع والمتفاقم لأعداد الأسود، والذى لم يمكن تفسيره بالصيد الجائر أو التغيرات البيئية بعد اختصاص الأسود بأضخم برنامج وقائى من الصيد الجائر والأذى البيئى فى محميات مُراقَبة بدقة وبذخ دوليين، فى شرق أفريقيا كما فى جنوبها. فالأسود، التى تعيش الحياة حرباً بالاضطرار، خاصة الذكور، هى «لواحم أوليَّة»، أى أنها لا تأكل إلا اللحم، وكمية اللحم التى تأكلها ليست قليلة، متوسطها سبعة كيلوجرامات يومياً للذكر، وللأنثى خمسة، والذكر يستطيع أن يأكل ثلاثين كيلوجراماً فى وجبة واحدة تمتد لساعات، تتخللها فترات راحة فى الظل ليهضم ويبترد، وإلَّا مات باقتران التخمة مع الحُمَّى. وهذه الوليمة الكبيرة الخطرة شديدة الندرة، لأنها لا تتوافر إلاَّ فى جاموسة أو إحدى ظباء «النّو» التى لها ذيل حصان وأقدام ماعز وجسم ثور، إن استطاع الأسد صيد أىٍّ منها منفرداً دون أن يهلك!

حربجى مضطر وحربجية دون اضطرار
هو مُيسَّر لما خُلق له، بأنيابه ومخالبه وقوته ونقائص هذه القوة، لغاية التوازن فى الحياة البرية الفطرية. لا بدائل أمامه للعيش مقارنة بنا نحن البشر الذين نأكل لحماً وخبزاً وفاكهة ولبناً وعسلاً وخُضرة، عديدة الطعوم والألوان والأشكال كلها، ومن ثم ينبغى أن تتراءى حياة الأسود لنا كأمثولة، تجعلنا نحمد الله على ما حبانا به من نعم وقدرات يحركها العقل، خاصة العقل، اللهم إلا إذا كانت عقولنا فى محنة، وأخشى أن عقولنا ــ نسبة إلى العقل العربى الجمعى السائد ـ فى محنة، بدليل كل هذا الاحتراب والخراب الذى أتى على ثلاثة بلدان من أعمق الحواضر العربية تاريخاً، وكاد يلتحق بها بلد رابع طالما مثَّل واحة عربية يتيمة لحرية التفكير والتعبير وتقبُّل الاختلاف. ولو فتشنا فيما وراء كل هذا الخراب لاكتشفنا أن العصبية والطائفية كانتا ولا تزالان الشرارة المتنقلة لإشعال كل هذه الحرائق فى عالمنا العربى. صحيح أن هناك مخططاً أمريكياً صهيونياً لتقسيم المُقسَّم وتفتيت المُفتَّت على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، مُنظِّرُه وعنوانه المستشرق الأنجلوــ أميركوــ صهيونى، برنارد لويس، المولود فى العام نفسه 1916 الذى صدر فيه وعد بلفور المشؤوم، إلا أن غوغائية الطائفية والمذهبية، ذات النزعة «الحربجية» عالية الصوت بيننا، هى اليد العمياء والغبية التى تمسك بمشعل هذا المخطط، لتُضرم النار فى عالمنا العربى لتحرق ما لم يتم إحراقه بعد، ويتدفأ على وهجها وينتشى برنارد لويس، وكل برنارد لويس.
لإثبات هذه الحقيقة المُرَّة لا أطلب إلَّا الرجوع إلى مسارات اندلاع هذه الحرائق التى أتت ــ أو تكاد ــ على سوريا الغالية، والعراق العزيز، واليمن الطيب أهله، وإذا فعلنا هذا سنكتشف إضافة إلى حالة الفوضى التى يصنعها عدوان خارجى آثم كالعدوان الأمريكى على العراق، وحالة تحول انتفاضات الشعوب الحضارية والمشروعة إلى فوضى عارمة بفعل فاعل أثيم، ولئيم - سنكتشف أن اصطناع وإذكاء التناحر الطائفى والمذهبى هو الذى نفَّذ وصفة الدمار لتلك الحواضر العربية. ففى خضم كل فوضى، سواء فيما أعقب سقوط العراق أو تحول ثورات «الربيع العربى» إلى خريف هائج ومائج، حدثت الآلية التدميرية نفسها: يتعالى فى خضم الفوضى صوت فريق طائفى ويتغوَّل، فيرد عليه فريق مخالف ويتمادى فى التغوُّل، وبين أغوال الطائفية يندهس أصحاب العقول وتنطمس أصوات الحرية البازغة، وينفجر المدى بهمجية متوحشة تندفع إلى الاحتراب تحت رايات تدَّعى كلها أن حامليها وكلاء الله الحصريون على الأرض، ومن ثم تحق لهم السلطة ويُباح التسلُّط بفتاوى المفتين فى كل جماعة أو فرقة أو عصابة. وما هم جميعاً إلا عصابات. صحيح أن أنظمة الحكم التى سقطت أو خُلِعت بتأثير الحراك الشعبى كانت مستبدة ومثقلة بالفساد وممعنة فى القهر، لكن ما الذى طرحه الحربجية الطائفيون بديلاً لها إلا أن يكون استبداداً وقهراً وفساداً أعتم وأظلم وأَخْوَن وأبشع تدميراً، وأفظع دموية من الوحوش؟

من وحش هصور إلى ذيل ذليل
يمكننا القول دون تردد إن ذكور الأسود هم «حربجية» البرارى الأفريقية، لكنهم حربجية مجبرون على الحرب اليومية فى الحياة بحكم تكوينهم الذى لا يترك لهم فرصة للعيش إلا بالمخالب والأنياب. خِلقتهم مصممة على هذا النحو لحكمة ربانية تتبدَّى منها ملامح الحفاظ على التوازن بين الكائنات فى الحياة البرية. لا خيار لهم، وحياتهم الاحترابية نمط من أنماط العيش الفطرى فى الطبيعة لها مبرراتها، هذا على مستوى تأمل هذه الحياة فى نطاقها، لكنَّ ثمة نطاقاً آخر يخصنا ككائنات مُكرَّمة بتعدد خيارات العيش؛ فثمة بدائل سلمية مناطها إعمال العقل لنزرع ونقلع ونصنع ونختار، نعيش ونتعايش، ولا تكون الحرب فى هذه الحالة إلا اضطراراً أقصى، ودفاعياً بكل تأكيد. وإلا انتهت بنا الأمور إلى ما تنتهى به ــ غالباً ــ حياة السباع الحيوانية والضباع البشرية: إما انقصاف العمر والتعرُّض للانقراض، أو العيش هائمين فى البيداء التى كانت حواضر دمرتها الهمجية الطائفية، إضافة إلى احتمالات الضياع فى اغترابات هيهات أن تلمنا، مستذلين مهانين، مذلة ومهانة لا تدانيها مذلة ومهانة حربجية البرارى عند الخُسران.
إن الأسد المهزوم، بأى طريقة من الهزائم، يظل يهيم شريداً خائراً، عاجزاً أن يقيم أَوَدَه، ولا تحنو عليه فى النهاية ــ إن كان حسن الحظ ــ إلا أسرة أسود تكون شقيقاته حريمها، فيسمحن لشقيقهن المستجير بهن أن يكون فى كنفهن، ويستسمحن له ذكرهن المهيمن أو ذكورهن السائدة. ويسمح الأسد الزعيم أو الأسود الزعماء للزُّمْرة بتلبية رجاء الإناث فى هذه الحالة ولكن بشرط. أن يبقى الطريد المستجير فى ذيل الأسرة أو أسفل درجاتها: مجرد حارس للصغار من الشرود بعيداً والتعرض للقنص من مفترسين تموج بهم الغابة. يُسلِّى الصغار ويعتنى بهم، يلاعبهم ويلعبون به ومعه. نوع ذكورى ما من الـ«بيبى ستر»، فالغضنفر الذى عاش الحياة حربجياً، ينتهى مقهوراً كجليسة أطفال لأنجال شقيقاته من حربجية آخرين يسومونه الازدراء والهُزْء حتى يحين دورهم فى الانكسار والانهيار!

الانتصار بتقليل الخصوم
وأخيراً، هل ننتبه أن نكير أصوات حربجية الطائفية يُشكِّل أخطر معاول هدم عالمنا العربى والإسلامى، بل المشرق كله؟ لقد أفلتت مصر إلى حدٍّ ملحوظ، ولا تزال تصر على الإفلات من هذا المصير، وينبغى أن تتوسع فى نشر منجزها هذا، ليس فقط بدعمها إطفاء حروب الطائفية التدميرية من حولها وفى الإقليم، بل بالانتصار فى حروب لا تكون فى حاجة إلى خوضها لإزاحة هذه الطائفية، والدرب معروف عبر الحكمة التى تقول إن الحروب يتم كسبها ــ قبل خوضها وحتى دون خوضها ــ بتقليل الخصوم. وأعتقد أن مصر أمامها فرصة سانحة لتكون عين هذه الحكمة فى داخلها ومن حولها، لتصفو لمعارك أجدى مطلوب خوضها، معارك التنمية الرشيدة، والبناء الذكى، والحريات المُصحِّحة للأخطاء والحافظة للأمن. معارك حتمية للارتقاء إلى دولة مدنية حديثة، تمنحنا المَنَعة دون خطابٍ حربجىٍّ من أى نوع؛ لأن قوتها وثباتها يجعلان أشد أعدائها يتحسَّبون مغبَّة التحرش بها. دولة تنجينا من مآل حربجية الطوائف، أو حربجية البرارى.

نقلا عن جريدة المصري اليوم
__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد المخزنجي, أو أطواق السلامة, بقلم, طوق الندامة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من المُستفيد؟ بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 02:30 AM
لُوجوُرِيا بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 12:43 AM
ارحلا بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 12:35 AM
مصر بين القنادس بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 26, 2013 11:05 PM
النخالة فوائد النخالة علاج النخالة وصفات النخالة خلطات النخالة ألاء ياقوت الطب البديل 0 September 5, 2010 02:28 PM


الساعة الآن 12:29 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر