فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم December 20, 2017, 09:24 PM
 
ريادة الأعمال .. استثمار طويل الأمد لضمان التنمية المستدامة

بعدما ثبت نجاحها، وقدرتها على إيجاد حلول مبتكرة لكثير من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تُشكِّل تحدياً مريراً أمام دول العالم؛ أصبحت ريادة الأعمال تمثِّل نظاماً وحالةً اقتصادية مُثْلَى ينبغي اتباعها في كل الاقتصادات المحلية والعالمية؛ لكونها حلاً مرناً للقضاء على كثير من المعوقات الاقتصادية التي تقف حائلاً أمام التنمية المستدامة؛ ولكونها تعتمد على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعمل على تنميتها.




وبالتالي فإنَّ ريادة الأعمال لا تتطلب أن يكون القائم عليها أحد رجالات الاقتصاد والاستثمار، ولكن ينبغي أن يتمّ تأهيل الرائد الطَّمُوح وتدريبه بواسطة البرامج المقدَّمة من قبل حاضنات الأعمال؛ وفقاً لمظلّة ورعاية حكومية أو دولية، من أجل تأهيله علمياً وعملياً، حتى يُنشئ مشروعاً فعّالاً يمثّل إضافة اقتصادية ملموسة.
ويعتبر تعليم ريادة الأعمال عملية حيوية ومتواصلة، وأحد أوجه الاستثمار البشري طويل الأمد؛ فهو وسيلة قوية لتحفيز روح المبادرة لدى الأفراد، وإكسابهم الشعور بالاستقلالية والثقة بالنفس، وابتكار فرص جديدة لتطوير مستقبلهم المهني. كما أنّ تدريب الروّاد الجدد يُمكِّنهم من الاطلاع على التجارب الناجحة، وينهض بخبراتهم، ويساعدهم على بدء مشاريعهم الحرة.


مكانة ريادة الأعمال في الدول المتقدمة:

على الرغم من النمو المتزايد للبرامج التدريبية الخاصة بريادة الأعمال، إلّا أنّ الوعي المطلوب بها، وبنتائجها الإيجابية المذهلة، لا يزال يشهد مستوى متدنياً عبر العالم النامي، لكنّه يسجِّل تزايداً ملحوظاً في دول العالم المتقدم التي تعكف جامعاتها على تلقين الطلبة علوم ريادة الأعمال المتخصصة، وإمدادهم بالمهارات اللازمة لبدء الأنشطة التجارية الجديدة، أو تطوير الأعمال القائمة بالفعل، ما يُثمِر في النهاية عن ثروة بشرية هائلة تساهم في خلق فرص عمل مبتكرة. وهذا على عكس الدول النامية التي لا تزال تواجه افتقارها للأدوات المساعدة للنهوض بمنظومة ريادة الأعمال.
وتصدّرت جامعة Babson College الأمريكية قائمة أفضل منفِّذ لبرامج تعليم ريادة الأعمال على مستوى العالم لسنوات طويلة، وتعتمد آلية عملها في هذا المجال على منح الطلاب ثلاثة آلاف دولار لتأسيس مشاريع خاصة بكل فريق عمل، ويكون الأخير مسؤولاً عن ابتكار فرصة ريادية تصلح للتنفيذ، ووضع خطة العمل، بشرط أن تساهم الفكرة في حلّ مشكلة اجتماعية قائمة، وهو ما يعزِّز دور ريادة الأعمال في تنمية المجتمع؛ لأنها تنقل الطالب من النطاق النظري الأكاديمي إلى الواقع العملي؛ عبر قيامه بعمل مشروع بمبلغ صغير، بشرط أن تكون الفكرة مفيدة للمجتمع.
وفي قارة أوروبا تعدّ مؤسسة JA Europe أكبر مزوِّد لبرامج تعليم ريادة الأعمال، واستهدفت خطتها للعمل والتدريب المالي أكثر من 3.5 مليون طالب وطالبة في 39 بلداً خلال العام 2015م.

تحديات تعزيز ثقافة الريادة في الدول العربية:

يشهد الكثير من البلدان النامية عمليات إصلاح جذرية في أنظمة التعليم الخاصة بها؛ حتى تتواءم مع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الملحَّة، ولاسيما مع ما يشهده العالم من تقدُّم هائل وسريع في المجالات كافة.
وقد أيقنت هذه الدول أن المبادرة هي المحرِّك الحيوي لتنمية اقتصادها، وأن الاهتمام بتعليم ثقافة الريادة يُؤْتِي قدراً هائلاً من النجاح على المستوى الفردي والجماعي، ولكن للأسف فإن الدول النامية تواجه بعض الصعوبات من أجل وضع منظومة تعليمية تشجِّع على تعريف شبابها بريادة الأعمال وأهميتها الاقتصادية.
أما على مستوى الدول العربية؛ فهناك الكثير من التحديات التي تواجه تعليم ريادة الأعمال، ولكن يمكن تجاوزها عبر الاهتمام بتعليم النشء في سنّ مبكرة، وهو ما يسهم -مستقبلاً- في تأسيس جيل جديد من الروّاد يعطي دفعة ديناميكية قوية لاقتصاد الوطن العربي بشكل عام، ويساعد دُوَله على التحول السريع من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإبداع، وتحفيز العمل الحرّ الذي قد يقضي نهائياً على أزمة البطالة والمشاكل الاجتماعية الأخرى المتعلقة بها، وهذا ما قامت به بالفعل بعض الدول العربية، مثل الأردن، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر أيضاً؛ من تفعيل تلك المنظومة واقعياً في الاستثمار في أفكار الشباب وتحويلها إلى مشروعات ناشئة، وتأسيس حاضنات أعمال تحتوي تلك الأفكار، وتطويرها وتدريب الشباب عليها.


ريادة الأعمال مزيجٌ من العلوم والفن:

هناك الكثير من البرامج التعليمية المصمَّمة لتنمية القدرات الريادية، والتي يجب التركيز عليها من قِبَل أصحاب المشاريع الجديدة أو غيرهم، ومن الأمثلة على هذه البرامج حاضنات الأعمال، ومراكز دعم براءات الاختراع، وبرامج أخرى خاصة بالإبداع والتوجه الإيجابي، والمرونة والقيادة، ومواجهة المخاطر، ومهارات التواصل، والعمل الجماعي، وتوقُّع اتجاهات السوق ومسارات التغيير.
وتعليم ريادة الأعمال يمزج بين العلم والفنّ؛ إذ يرتبط الجزء الأول “العلمي” بتلقين الدارسين المهارات المهنية الضرورية لإقامة المشروع التجاري، مثل: تعلُّم الشؤون المالية، والربط بين مصادر التمويل، أما الجزء الآخر “الفني”، فيتعلق بإكسابهم الأمور التي تعتمد على الابتكار والإبداع، والتفكير الخَلَّاق.
ويعتبر الجزءُ الفنيُّ الأكثرَ أهميةً بالنسبة إلى تعليم ريادة الأعمال؛ لأنّ الريادة -في الأساس- عمليةٌ إبداعيةٌ وليست آلية، ومن هنا جاءت صعوبة تأهيل الأفراد لكي يصبحوا رياديين، إذ يتطلب ذلك اعتماد أساليب تدريس نشطة ومبتكرة تتعدى حدود التركيز على المحتوى العلمي فقط، بل يجب على المتدرب -بناءً على الإلمام بالنظريات والعلوم النظرية التي تلقاها داخل المعاهد والحاضنات الخاصة بريادة الأعمال- أن يكون مبتكِراً، سواء من حيث الفكرة أو خطة العمل، والخطة التسويقية والتمويلية، ودخول السوق والفئة المستهدَفة، وبالتالي فالابتكار مرتبط أكثر بالجوانب العملية الملموسة التي يلزم أن يصل إليها المتدرب في النهاية.
وتحقِّق برامج تعليم ريادة الأعمال الكثير من النتائج، التي يمكن تقسيمها إلى مستويات عدة، منها أسلوب تفكير الرواد؛ إذ تعمل على تغيير مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، ومستوى القدرات المعرفية والفنية، ومستوى وضع ريادة الأعمال؛ كما تساهم في تطوير الأنشطة التجارية أو العثور على وظيفة جديدة، ومستوى أداء رواد الأعمال؛ فتُحْدِث تغييراً ملحوظاً في مؤشرات أداء المشروع.

وهناك بعض المحدِّدات التي تؤثِّر على مدى تحقُّق هذه النتائج، منها: الأطر الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تُنفَّذ من خلالها البرامج، ولا يمكن أن يُكتب النجاح لأفضل البرامج تصميماً وتنفيذاً إلا إذا كانت هذه الأُطُر متوافقةً مع أهدافها.
كما تُراعى الصفات الشخصية للمتدربين مثل: الجنس، ودرجة التعليم، والمهارات الفردية، والخبرات السابقة، والرغبة في خوض مضمار ريادة الأعمال، كما يؤخذ في الحسبان أيضاً خصائص البرامج ذاتها، وتشمل التصميم والمحتوى، وأساليب التدريس، ومهارات المدربين.
وأخيراً، يمكن أن تنجز برامج تعليم ريادة الأعمال نتائجَ هائلةً، لكن يجب أولاً على صُنَّاع السياسات بَدْء تنفيذ البرامج التعليمية والتدريبية في مراحل مبكرة؛ ما يضمن استثماراً مضموناً للعنصر البشري، ووضع أهداف دقيقة وواقعية لها، ورصد الأُطُر المحيطة بها بدقة، والتأكد من مدى توافقها مع الأهداف، والقياس المتواصل لمدى تحقُّق النتائج. ولا بدّ من تضافُر جميع الجهود من أجل إنجاح تلك المنظومة، التي من شأنها أن تكون عاملاً إيجابياً في رفع معدلات التنمية المستدامة.

لتحميل المقال بصيغة PDF انقر هنا











رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مجلة الأفكار الذكية, المجتمع الوظيفي, يحيى السيد عمر, ريادة الأعمال, رواد الأعمال

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دولة ريادة الأعمال لوزما مقالات الكُتّاب 0 November 22, 2017 05:15 PM
أساسيات ريادة الأعمال والتسويق نورا باسم علم الإدارة والاتصال و إدارة التسويق و المبيعات 0 August 29, 2016 04:50 PM
الأطفال استثمار طويل الأمد للسعادة... دنيا الورود امومة و طفولة 5 June 30, 2011 10:30 PM


الساعة الآن 01:18 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر