فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم November 2, 2017, 01:30 AM
 
Smile عزُّوز جاكْسون بقلم د. محمد المخزنجي

عزُّوز جاكْسون
بقلم
د. محمد المخزنجي

«قصة»
■ أحياناً يُضطَّر العمل الأدبى إلى التدافع ذوداً استباقياً عن أصالة فكرته مع احترام أصالة أية أفكار مُشابِهة أو مُناظِرة!
■ اللوحة للرسام الانطباعى الأمريكى «ديفيد للويد جلوفر» من مجموعة لوحاته عن مايكل جاكسون .

أعجوبة. ضحكة مرح وتنهيدة أسى. مايكل جاكسون قروى صغير أعمى، لم يولد أعمى، لكنه فقد بصره فى التاسعة إثر حُمَّى شوكية لم يتوافر لها علاج سريع. أظهر ولعاً بالغناء منذ تعلَّم النطق فكان يُردِّد ما يسمعه من الأغانى التى يذيعها «راديو» مقهى القرية المواجه لبيت أهله. عشرات الأغانى كان يحفظها بأدق ألحانها وهو لم يتجاوز الخامسة، وكان يرقص على إيقاع ما يغنى. وفى السنتين الأخيرتين قبل أن يفقد البصر أدمن الفُرْجة على التليفزيون الذى دخل المقهى، صار يُقلِّد حركات المطربين والمطربات وهم يؤدون أغانيهم، وفى غفلة من الجميع برق له مايكل جاكسون وهو يغنى ويرقص فى فقرات سريعة تمر على الشاشة، فامتص كيانه الصغير برق كل هذا الغناء والرقص. وكانت الكلمات لديه مجرد ألحان فالتقطها كموسيقى، لهذا تلخبطت فيها الحروف وإن حافظ على نغماتها، لكنه أخذ يقترب كثيراً من النطق الصحيح للكلمات مع تكرار المشاهدة، ومعاودة السماع، ومرور الوقت. أما رقص مايكل جاكسون فقد طار منذ البداية ليسكن جسده الصغير، فكأنما سكنه جنىٌّ يرقص.
أخذ يحوِّل نفسه إلى مايكل جاكسون بقبعة من ورق الجرائد يضعها على رأسه فيظهر تحتها شعره متهدِّلاً، وكان قد أصر على تركه طويلاً فلم يقهره أبواه الفقيران على تقصيره، كان طفلهما الوحيد بعد خمس سنوات من العُقْم. أما جوارب مايكل جاكسون البيضاء، فقد استعاض عنها بطلاء مكانها على كاحليه بدهان من الماء والدقيق. صار «مالكل ساكسون» كما بدأ ينطقها. فلاح صغير مضحك يرقص رقصاً عجيباً ويسرسع صوته بتلك الأغانى إنجليزية الكلمات. أضحى فُرجة البلدة ونسمة ضحكتها أينما مرَّ أو استقرَّ. وكان من يسأله عن اسمه يجيب بثقة وكأنه اسم شهادة ميلاده «عزوز ساكسون»، مضيفاً اسم تدليله إلى لقب جاكسون وقد نقَّحه مع الوقت فلم يعد «ساكسون»، وإن ظل الصغار كما الكبار ينادونه «ساكسون»، فلم يرفض ذلك ولم يطالب بتصحيحه.
■■■
فى الصف الثالث تُوِّج نجم مدرسة القرية الابتدائية دون منازع، يقدم عروضه فى الفصل بين الحصص وفى الحوش أثناء الفسحة. وفى ثلاثاء حار، على غير العادة فى شهر أكتوبر، رقص وغنى كالمعتاد فى الدقائق الخمس بين الحصص الأولى، ورقص وغنى فى الحوش وقت الفسحة، وفى كل عروضه كان الأولاد يتجمعون حوله مصفقين هاتفين: «ساكسون. ساكسون. ساكسون». لكنه فى الدقائق الخمس قبل بدء الحصة الأخيرة لم يخرج من دكته ليعتليها ويقدم عرضه وسط جمهوره المصفق الذى يهتف باسمه الفنى. بدا ذابلاً وغائماً برغم إلحاح الأولاد عليه أن يغنى ويرقص. لم يرقص لكنه غنى وهو جالس داخل دكته أغنية غامضة واهنة كأنه يهذى، حسبوه محزوناً لسبب ما فأخذوا يشجعونه بالهتاف «ساكسون. ساكسون»، لكن «ساكسون» ظل منطفئاً بينما صداعٌ وحشىٌّ يفترس دماغه.
قبل انطلاق جرس «المرواح» مال على الدكة مهزوماً بثقل رأسه المحموم، وفجأة انتفض مطلقاً آهة مذبوحة ودفقة كاسحة من القىء أخرجت آخر ما فى بطنه من ماء وخبز ولبن رائب تناولها قبل أن يخرج إلى المدرسة فى الصباح. كاد المدرس الذى باغته إحساس بالقرف أن يبصق عليه ويشتمه، لكنه فك عبوس سحنته عندما رأى جسم الولد ينهار متهدِّلاً خارج دكته، ولم يكن يجيب ولا يستجيب للطمات المدرس الخفيفة على صدغيه ونداءاته له بأن يستيقظ، وبعد وقت ليس بالقليل دبَّر الناظر حماراً يحمله بصحبة فراش من المدرسة إلى الوحدة الصحية بطرف القرية.
فى الوحدة الصحية فتح عينيه عندما قرَّبوا قطنة مبللة بإيثير لاذع من طرف أنفه الصغير، تقلَّصت ملامحه وتقبض جسمه وفتح عينيه فقال طبيب الوحدة بثقة لأبيه الذى حضر من الغيط راكضاً حافياً مفزوعاً: «بسيطة»، وصرفه بصحبة أبيه بعد أن كتب له أقراصاً ضد القىء وشراباً خافضاً للحرارة. وفى دارهم الطينية وعلى سرير أبويه المفزوعين كان جسمه يشتعل بالحمى ورقبته تتصلَّب وتتوه عيناه المحدقتان فى ذهول. أخذ يخطرف، يخلط كلمات الأغانى والألحان، وينادى أمه وهى فوق رأسه، ويرجو أولاداً غامضين ألا يضربوه.
من استقبال المستشفى العام فى المدينة إلى استقبال مستشفى الحميات، ومن استقبال مستشفى الحميات إلى غرفة «عزل» بركنها البعيد. بزلوا له سائلاً شفافاً بإبرة مخيفة غاصت بين فقرات ظهره الذى كان كظهر أرنب نحيف، فتأوَّه ثم صرخ، واستعاد بعضاً من وعيه. وداعبه أبوه فرحاً بعودة وعيه قائلاً وهو يميل عليه: «ما تغنيلنا حاجة حلوة كده من عندك ياسى ساكسون»، لكنه لم يغن. أدار وجهه يبحث عن وجه أبيه راجياً بانتحاب «عايز أمى ياآبا. عايز أمى»، وكانت أمه إلى جواره، عبثاً حاولت أن تؤكد وجودها إلى جواره لكنه لم يكن يراها. وبسط أبوه يده الكبيرة أمام وجهه الصغير وعينيه المحدقتين يختبره فى عدِّ الأصابع، فلم يعرف عدد الأصابع لأنه لم يكن يرى الكف أصلاً. أظلمت الدنيا فى عينيه وأعتمت بين ضلوع أمه وأبيه، والممرضة التى تداعت إليه مسرعة كانت ملامحها تنطق بأن ما يُخشى منه قد حدث، فاستدعت الطبيب المناوب، فحص عينيه واختبر بصره وأعاد الفحص والاختبار وتنهد يائساً ثم كتب على تذكرته يَستدعى طبيباً من مستشفى العيون لاستشارة عاجلة.
■■■
عندما تأكد عماه لم يعد أمامه مدارس يدخلها غير المدارس الأزهرية، فبدأ الصف الأول الابتدائى الأزهرى وهو فى التاسعة. اشترى له أبوه بعد أن باع معزة وحيدة يملكها: عِمَّة أزهرية، وجبة بُنيَّة مفتوحة، وقفطاناً أبيض بلمعة الحرير مع حزام من قماش القفطان نفسه. عندما ارتدى هذا الزى يُجرِّبه أمام أمه، أحس بدفء الجبة ونعومة القفطان وانتشى برائحة الثياب الجديدة، فطلب من أمه أن تصفه وهو يرتديها. أخذت تُقرِّب له صورته الجديدة بصورة شيخ المسجد فى قريته: «العمة زى عمة الشيخ مسعود بس أصغر وأجمل بكتير».. «الجبة يا سلام.. ولا جبة شيخ المشايخ لكن على أصغر. وتحتها القفطان حرير فى حرير بيلمع.. وعليها الحزام الحرير اللهم صلى على النبى. الله الله على جمالك يا شيخ عزوز». وكان يدور وهى تصفه فى شكله الجديد، ويتصوَّر نفسه، فتباغته ذاكرته بأقوى ما تحتفظ به من صور للشيخ مسعود عندما مرَّ بجرن القرية بعد صلاة العصر، وكانت حَلَقة «ساكسون» معقودة هناك، عزوز يرقص ويغنى فى وسطها والأولاد من حوله يصفقون، ويُهللون مُتواثبين.
وقف الشيخ بطوله الممصوص وزيِّه الأزهرى خلف حلقة الأولاد يشاهد فى صمت، وعندما شعر الأولاد بوجوده كفوا عن التصفيق والتهليل، وتهشمت حلقتهم وهم يتباعدون ساكتين. كان وقوف الشيخ فارعاً ونحيفاً وساكناً يرسل بشعاع خاص يُخمِد رقص عزوز، فأدى حركتى الرقص الأخيرتين فى بطء حتى توقف. وببطء تقدم منه الشيخ ووضع يده ذات الأصابع العظمية الطويلة على كتفه مُنذراً: «يابنى الرقص دا عيب وحرام. العب رياضة. صلى. اعمل حاجة تدخلك الجنة مش حاجة ترميك فى نار جهنم. ربنا يهديك». وجرَّت فرحة الرقص فى ذلك اليوم آخر أذيالها، مفسحة لغيوم معتمة السواد كل الأفق فى عينى الصغير، وها هى ذى الغيوم نفسها تعود فتضيف إلى ظلمة بصره المُستجَدَّة ظلمات على ظلمات، تدفن زهوه بالعمامة وفرحه بالجبة المفتوحة والقفطان والحزام. رأى الصغير نفسه مُعبَّأ الجسد فى سواد حابك، ورأسه مكلل بسواد له ثقل الحديد، فبكى، ومد يديه التائهتين ورفع وجهه المبتل بالدموع يبحث عن حضن أمه.
أبكاها بكاؤه فى حضنها وهى تكتم صوت نحيبها، فأحسَّ بانتفاضات بكائها المكتوم. أوقفت انتفاضات الجسم الحبيب بكاء عزوز الذى انقلب يمازح أمه ويُقبِّل وجهها المبتل لتكف عن البكاء «خلاص ياامَّه. خلاص أنا مش زعلان. والله أنا مبسوط. حتى شوفى» وشرع وهو فى حضنها يغنى لها مقطعاً من أغنية لمايكل جاكسون، فيهتز لها جسده، اهتزازات فكَّت احتضان أذرع الأم وأطلقته واقفاً على الأرض فى تأهب، وكانت أول رقصة لعزوز ساكسون فى زيِّه الجديد. رقص كأنه مبصر حتى إن الأم كفكفت دموعها ومسحت وجهها المبتل لتتأكد أن من تراه أمامها هو ابنها نفسه، كأنه لم يفقد بصره أبداً. راحت تُوقِّع له مصفقة وهو يتوهج بالغناء والرقص بينما دموعها تسيل على وجهها فى صمت. كان توهجه يشحنه ببهجة جديدة لم يألفها من قبل، بهجة طيرت جناحى الجبة المفتوحة، وجعلت حزام القفطان يطق، وقلقلت العمَّة على رأسه. وفوجئت الأم بطفلها وهو يرقص ويغنى يخلع عِمَّته ويطوحها فى الهواء، ينزع جبته ويلقيها بعيداً، وينضو عنه القفطان دون أن يتوقف عن الغناء والرقص. صار بملابسه الداخلية، وبملابسه الداخلية أخذ يحلق راقصاً مغنياً كجنى أو مخبول. جفف هذا التحليق وجه الأم الباكية وكفكف دموع قلبها التى ظلت تذرفها عليه منذ غادره البصر، أدركت بغموض أن صغيرها لن يكون أبداً ممن يستدرون دموع الشفقة والحسرة عليهم، فهو مجنون مخبول حلو، ولن يذله عماه، أبداً لن يذله.
■■■
لم يتخل عزوز عن «مالكل ساكسون» بعد أن تخلى عنه البصر وبعد أن صار ينطق الاسم صحيحاً، بل تشبث به أكثر كأنه يثأر له من العمى. لكنه ظل حتى أنهى المرحلة الإعدادية لا يرقص ولا يغنى إلا منفرداً فى غرفة مغلقة، أو عندما يعود إلى القرية وجمهوره القديم. كان يحس بأنه صغير وضعيف ومُعرَّض للبطش من شيوخٍ المدرسة الغلاظ القساة. ومع فوران دماء المراهقة فى عروقه واشتداد العود وتكاثر المتمردين من الطلاب حوله، افتتح مسرحه فى فناء المعهد الثانوى ليقدم أقوى عروضه، يتزاحم عليه المبصرون للمشاهدة ويلتحق بهم المكفوفون للرؤية بالأسماع، وتتجسس عليه بعض العيون الناقمة. كان يرتدى ثياب مايكل جاكسون التى تدبرها كيفما اتفق تحت الجبة التى لم يعد يمضى بها مفتوحة، فلم يعد تحتها قفطان ولا حزام، وكانت العِمَّة تلم انسدال شعره الطويل، وجواربه صارت كلها بيضاء تحت بناطيله المحبوكة الكميشة والمرصعة بالكباسين المعدنية التى تبرق. يدق جرس الفسحة، فيُقشِّر عنه الزى الأزهرى ويطلق سراح شعره الطويل. وينزل الساحة!
يشق تجمع جمهوره فتتكون حلقة المسرح الأرضى الحاشد، وعلى صوت مُسجِّل صغير يختزن أغانى مايكل جاكسون ويطلقها بكبسة زر، يشتعل فناء المعهد ببهجة الرقص الحار وفرح الغناء القاصف. يثور غبار الفناء الترابى، ويعلو الصياح وتصفيق الأيادى ودبيب الأقدام، وتتصاعد من فناء التراب أعمدة الفرح، وبالتوازى تنهال الشكاوى على شيخ المعهد، فيفتح نافذة جانبية فى مكتبه تطل من الطابق الثالث على الفناء وقت الفسحة. يريد التحقق مما جاء فى الشكوى. يشاهد ويستغرق فى المشاهدة، فلا يأمر بالإنهاء الفورى لما يحدث كما طلب الشاكون الذين أسموا ما يراه «حفلات فسق ومجون» يقودها طالب أعمى فى الصف الثالث اسمه «عبد العزيز محروس السندوبى». ويطلب الشيخ المدير من سكرتيره إحضار الطالب بعد انتهاء الفسحة.
لا يبدو ضريراً أبداً. بل لا يبدو مبصراً عادياً. إنه يرقص ذلك الرقص المُعجِز خاصة عندما تتحرك قدماه كأنه يمشى إلى الأمام بينما يمضى إلى الخلف. كأنه ينزلق على أرض زجاجية مشدوداً إلى الوراء بقوة غير مرئية بينما هو يتقدم! كأنه واحد من رواد الفضاء الذين هبطوا على القمر وراحوا يمشون على سطحه تلك المشية التى بين الطفو والخطو، فلا تعرف إن كانوا يتقدمون أم يتقهقرون. يتذكَّر الشيخ المدير ذلك الفيلم الذى يتكرر عرضه على شاشات الناشيونال جيوجرافيك وديسكفرى مع كل حديث عن هبوط الإنسان على القمر، أو ضمن أفلام عن التقدم فى رحلات الفضاء. ويربط الشيخ بين مشية رواد الفضاء على سطح القمر وبين هذه الأعجوبة المتحققة على الأرض فى رقص إنسان كفيف يقلد راقصاً أمريكياً شهيراً وغريب الأطوار! ويتساءل فى أعماق نفسه: إذا كانت مشية رواد الفضاء على سطح القمر مرجعها ضعف جاذبيته فهل حركة الرقص هذه مرجعها آلية معينة تغلبت على قليل أو كثير من جاذبية الأرض؟ ووجد الشيخ نفسه تواقاً لرؤية هذه الأعجوبة الأرضية من جديد!
■■■
«إنت كفيف من إمتى يا عبدالعزيز؟». كان الشيخ يريد التيقن من أن الطالب الذى رآه وهو يرقص فى الفناء مُجترحاً ما يشبه المعجزة كفيف بالفعل، فالشيخ برغم خبرته الطويلة بالمكفوفين لم يكن على يقين من أن الواقف أمامه أعمى. «من عمر تسع سنين فضيلتك» أجاب الطالب. «ويخلق ما لا تعلمون» همس الشيخ مندهشاً فى خفوت، واستدرجه إحساسه بالدهشة إلى إلحاح الرغبة فى رؤية ما أدهشه مرة أخرى، وعن قرب «كنت بتعمل إيه فى الحوش يا عبدالعزيز؟» سأله الشيخ وهو لا يعنى حرفية السؤال. «أبداً فضيلتك» أجاب، ولم يكن الإنكار هدف الإجابة، بل كان التودُّد غاية المُجيب. «ورينى اللى كنت بتعمله» أفلت السؤال الآمر من الشيخ، وتشبَّث به عبدالعزيز طالباً الأمان، فغمغم متسائلاً وهو يفتح ذراعيه حيرة «لكن. لكن فضيلتك يعنى» وأشار إلى الزى الذى يرتديه، وأومأ إلى الباب المفتوح وراء ظهره. وعندما أحس بالشيخ يتجه نحو الباب ليغلقه وسمعه يقول للسكرتير عبر الهاتف الداخلى ألَّا يُدخِل عليه أحداً، أحس عبدالعزيز بعافية مطمئنة، وتحول إلى عزوز، «عزوز جاكسون».
رفع العمامة عن رأسه فانهمر شعره الطويل وخلع الجبة فسطع تحتها قميصه الملون وبنطلونه المحبوك الكميش ذو الكباسين المعدنية، وضوَّت جواربه البيضاء. اعتدل رافعاً وجهه إلى أعلى متلفتاً ككل المكفوفين الذين يوجهون آذانهم لالتقاط أخفت الأصوات من حولهم، أو أخفى الأصوات من المجهول. شرع يطقطق بفمه إيقاعاً مُتساحِباً وهو يتمايل، وعلى الإيقاع شرع جسد جاكسون يحل بجسده. مقطوعة عجيبة من موسيقى الجسد العارمة اختتمتها بجملة المشى على القمر. وأوشك الشيخ أن يهتف طالباً تكرارها، لكنه وجد نفسه، كأنما بغير نفسه، ينهر الراقص: «كفاية. خلاص. قلت كفاية».
■■■
لم يكن الشيخ ينهر الولد الذى أحال مكتبه إلى مسرح حتى يتوقف، بل كان ينهر نفسه التى خشى أن تكون تمادت، واستدار نحو النافذة كأنه يروم الخلاص من فخ هذا السحر. أرسل بصره عبر زجاج النافذة يلتمس الأفق البعيد، فاستوقفه عصفور صغير منفرد على غصن رفيع من أفرع شجرة الكافور العتيقة التى تصل هامتها إلى الطابق الثالث وتكاد أفرعها تقتحم النافذة. كان العصفور يتواثب على الفرع تواثباً يتناغم مع هبات النسيم التى كانت أوراق الشجرة تهتز معها والفرع يتأرجح، ثم يميل خافقاً بجناح واحد ويتوقف معتدلاً، ثم يميل إلى الجانب الآخر خافقاً بجناحه الثانى ويتوقف ويعتدل. وأخيراً يختتم ما يفعله بما يُذهل الشيخ المأخوذ بما يرى، ينزلق العصفور جانبياً على الفرع ضاماً جناحيه فى حركة تشبه حركة الراقص الضرير وحركة الماشين على سطح القمر، ويتذكر الشيخ بجلاء وانبهار ذلك الفيلم الذى رآه على إحدى قنواته المفضلة عن أحد ما يسمونهم «عصافير الجنة» وهو ينزلق على غصن شجرة انزلاقاً عجيباً، يروح فيه ويجىء ويدور فى رواحه ومجيئه، وقد وصف معلق الفيلم هذا المشهد، أيضاً، بأنه «المشى على سطح القمر». ولاحظ الشيخ أن عصفور الفيلم كما عصفور شجرة الكافور، كلاهما يقوم بهذا العرض وهو مُنشرِحٌ يصدح! فماذا يكون ذلك إلا أنه رقص، رقص وغناء؟. ويهمس الشيخ فى خفوت: «سبحان الله. سبحان الله فى بدائع خلقه».
■■■
«عدِّل مظهرك يا عبدالعزيز وافتح الباب واخرج ولا تُرينى وجهك بعد الآن». قالها الشيخ وهو يستدير كأنما قال ما قاله مضطراً وهو لا يريد، وأضاف مستدركاً دون أن ينظر إلى من يُنذره: «ويا ويلك لو أشوفك بترقص فى المعهد تانى». تلقَّى عزوز إنذار الشيخ مدركاً أو متوهماً أن ثمة رسالة فى قلب الإنذار، وأنه فهم الرسالة. لم ينقطع عن الحضور الراقص والصخب الموقَّع وسط بهجة وتصفيق الطلبة فى فترات الفسحة، لكنه راح يفعل ذلك فى ركن الفناء الخلفى الذى لا تقع عليه عينا الشيخ إن أطل من نافذة مكتبه. وظل الشيخ يعرف باستمرار هذا ويتغاضى، لكنه لاحظ باستغراب شديد أن شكاوى المحرضين على الراقص الضرير بدعوى نشر الفسق والفجور قد انقطعت، انقطعت تماماً، فارتاب الشيخ الكبير.. واستشعر الخطر.
__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المخزنجي, بقلم, د. محمد, جاكْسون, عزُّوز

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من المُستفيد؟ بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 02:30 AM
لُوجوُرِيا بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 12:43 AM
ارحلا بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 27, 2013 12:35 AM
حفَّارو الظلام بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 26, 2013 11:59 PM
مصر بين القنادس بقلم د. محمد المخزنجي معرفتي مقالات الكُتّاب 0 July 26, 2013 11:05 PM


الساعة الآن 06:58 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر