فيسبوك تويتر RSS


  #7  
قديم October 18, 2017, 09:46 PM
 
رد: القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر بقلم الأديب الكبير مكاوي سعيد



القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر (6)
مكاوي سعيد



يشاهد من يمر بالشارع الرئيسى للمدينة من الشمال إلى الجنوب عدداً من أجمل مساجد القاهرة، أولها «البرقوقية»، ذلك الجامع المدرسة الذى يحتل جزءاً من موقع القصر الفاطمى الصغير، الذى عفت آثاره فى الوقت الحالى. بُنى هذا الجامع سنة 786هـ/1384-1385م، بواسطة السلطان برقوق. به قبة جميلة ومئذنة سامقة غاية فى الروعة، أما فى الداخل فقد زُين بالكثير من الرخام المُطعم، وشُكلت أرضيته بألواح الرخام والجرانيت المتفردة فى جمالها.
يجاور جامع البرقوقية تقريباً ضريح ومدرسة ومارستان السلطان قلاوون، والتى تُشكل جميعها بناءً واحداً، وتعد أيضاً جزءاً من موقع القصر الصغير. ولقد تم بناء هذه المجموعة بواسطة الملك المنصور قلاوون سنة 683هـ/1284-1285م. كان يُطلق على المدفن فى السابق «القبة المنصورية»، وعلى المسجد «المدرسة المنصورية»، أما المشفى فيطلق عليه «المارستان» (بالعامية مورستان). المدخل الرئيسى لهذا المبنى يقابل سوق النحاسين. والممر الذى يصل بين المدفن والمسجد يقود إلى المارستان الذى يقع خلفهما، وبه أيضاً طريق مفتوح للعامة. يقع المدفن على يمين الممر الرئيسى المذكور، وقد بُنى من الحجر مثل الجامع والمارستان، وتم طلاؤه من الخارج على شكل مربعات باللونين الأبيض والأحمر، كما كان مخططاً له. يعد المارستان (المشفى) أكثر اتساعاً من المسجدين (يقصد المؤلف الجامع والضريح). لقد تم نقل المرضى، فضلاً عن المجانين الذين كانوا مُحتجزين فيه إلى مشفى أفضل يقع فى الحى الإفرنجى من المدينة، ولكن باعتبار أنه يظل المشفى الأول الذى بنى فى القاهرة فهو يستحق الوصف. خلف مكان الضريح مباشرة يقع فناءان يحيط بهما حجرات معدة للمرضى العقليين- الفناء الأول للرجال والثانى للسيدات. أولهما (هو الوحيد الذى يُسمح للرجال برؤيته) مستطيل الشكل، تحيط به سبع عشرة حجرة، كل منها حوالى سبعة أو ثمانية أقدام مربعة بها نافذة ذات سياج. وكان المعتاد لكل زائر أن يأخذ معه بعض كعك الخبز (القُرص التى نعرفها الآن) لتوزيعها على مرضى العقول، الذين ما إن يروا دخول أحد الغرباء حتى يقوموا بالكثير من الصخب. وعندما يُعرض الخبز على الكثير منهم لا يقومون بتناوله أو أخذه وإنما يطرحوه أرضاً، وذلك بسبب وفرة ما يتناولونه من طعام، ومع ذلك كانت إقامتهم شديدة البؤس، إذ كانوا يُربطون إلى الجدار من رقابهم بالسلاسل، فى حين لا يتوفر لديهم سوى القش للنوم عليه، والقليل من الملابس. وهناك حوض صغير يقع فى الفناء. ويوجد وسط المارستان فناء كبير، بكل جانب من جوانبه صف من الأعمدة، ومصلى صغير فى المنتصف. وحول ذلك تقع المساكن التى يودع بها المرضى، وكلها تقع بالطابق الأرضى. ويستطيع هذا المارستان استيعاب أكثر من مائة مريض ومجنون، كان الكثير منهم فى السابق يعانون من الرمد بشكل عام. أما طعامهم فكان الخبز والعدس والأرز واللحم، وكان الطبيب (وهو حلاق سابق) يقيم فى المارستان. وكان من بين أعضاء هذه المؤسسة فى الأصل العديد من الموسيقيين، الذين كانوا مختصين بالعمل على تهدئة المرضى بواسطة العزف والغناء الموسيقى.
لاحظ أيها القارئ الكريم كيف كنا نتعامل مع المرضى العقليين بالرعاية الطبية والإعاشة والمساعدة على التأقلم بالموسيقى فى الوقت الذى كانت فيه أوروبا تحكم على المرضى العقليين بالموت حرقا أو إعداما مع أصحاب العاهات، إذ كانوا يتخلصون من العميان باعتبار أن الشيطان هو الذى أعماهم.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم October 18, 2017, 09:49 PM
 
رد: القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر بقلم الأديب الكبير مكاوي سعيد



القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر (7)
مكاوي سعيد


أما المساجد خارج المدينة، يُعد جامع السلطان حسن الكبير من الجوامع اللافتة للنظر، ليس فقط من أجل مئذنته وجدرانه السامقة على غيرها من مساجد القاهرة، ولكن أيضاً لجماله المعمارى. لقد قام السلطان حسن بتأسيس كل من الجامع والضريح عام 757هـ/1356م، وكان قد عزم على أن يبنى أربع منائر، تمت ثلاث منها، ولكن سقطت تلك التى كانت تقع أعلى الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة طفل بأحد الكتاتيب المجاورة، أما المنارتان الأخريان فقد ظلتا باقيتين حتى وقتنا الحاضر، واعتبر سقوط المنارة المذكورة حادث شؤم، اتفق بعده قتل السلطان بثلاثة وثلاثين يوماً.


يقع هذا الجامع مقابلاً للقلعة وفى غاية القرب منها، لذا استخدم كحصن فى كثير من الأحيان حين تصير فتنة فى الدولة، فعندها يصعد الأمراء الساخطون إلى أعلاه، ويصير الرمى منه إلى القلعة. نتيجة لهذا قام السلطان برقوق بهدم الدرج التى كانت تُصعد إلى المنارتين والبيوت التى كان يسكنها الفقهاء، ويتوصل من هذه الدرج إلى السطح الذى كان يُرمى منه على القلعة، وهدم أيضاً المصطبة العظيمة التى كانت تتقدم المدخل والدرج المؤدى إليها، وسد الباب وقام بتحويل إحدى النوافذ إلى مدخل، فامتنع صعود المؤذنين إلى المنارتين، وبقى الأذان على درج هذا الباب. وقد تم بيع الباب النحاس الكبير والتنور النحاسى الذى كان معلقاً فى المدخل إلى السلطان المؤيد، الذى خصصهما لجامعه ووضعهما فى نفس مكانهما السابق. وفى عام 825هـ أعيد بناء المصطبة والدرج، وأعيد الأذان فى المئذنتين كما كان.
أما جامع ابن طولون فيقع فى الجزء الجنوبى من القاهرة، ويُعد واحداً من أبرز وأهم آثار العمارة العربية الباقية حتى الآن. والوحيد فى مصر منذ صدر الإسلام وحتى العصر الفاطمى الذى لم تجر عليه تعديلات كبيرة فى العصور اللاحقة. ويعتبر الوحيد المتبقى من الصروح الكثيرة التى كانت تزين القطائع. تلك المدينة الصغيرة الرائعة. وعلى الرغم من أنه الآن مدرج ضمن العاصمة الحديثة لمصر، إلا أنه كان قد بنى قبل تأسيس القاهرة بقرابة قرن من الزمان.
هذا الجامع بُنى على جبل يقال له يشكر، وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل إن موسى ناجى ربه عليه بكلمات. وابتدأ ابن طولون فى بناء هذا الجامع بعد بناء القطائع، فى سنة 263هـ/876-877م. وأنفق عليه من الكنز الذى وجده على جبل المقطم. فلما أراد بناء الجامع قدر له ثلاثمائة عمود، فقيل له ما تجدها، أو تأخذها من الكنائس فى الأرياف، فأنكر ذلك ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر فى أمره. وبلغ ذلك كبير مهندسيه النصرانى (القبطى)، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه فى السجن، فكتب ذلك الرجل إلى الأمير: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عُمُد إلا عمودى القبلة، فأحضره، وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك، ما تقول فى بناء الجامع؟!، فقال: أنا أصوّره للأمير حتى يراه عياناً بلا عُمُد إلا عمودى القبلة. فأمر بأن تُحضر له الجلود، فأحضرت، وصوره له، فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه (ألبسه رداء التشريف)، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار (حوالى 65 ألف جنيه بقيمة منتصف القرن الثامن عشر)، فشرع فى البدء فوراً حتى أتمه. وأخذ النصرانى عشرة آلاف دينار كجائزة، وأجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم October 18, 2017, 09:51 PM
 
رد: القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر بقلم الأديب الكبير مكاوي سعيد



القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر (8)
مكاوي سعيد



يوجد بالقرب من جامع ابن طولون قلعة قديمة أو قصر يسمى «قلعة الكبش» تقع على مرتفع صخرى. وهى تقع غربى جامع ابن طولون، تشرف من جهتها الشمالية على شارع عبدالمجيد اللبان (مارسينا سابقا)، ومن الغرب على البغالة بحى السيدة زينب. ويدعى بعض سكان القاهرة أنها كانت قد بنيت على يد أحد الفراعنة، ولكن أطلق المقريزى على هذا البناء «مناظر الكبش»، مؤكداً أنه قد بُنى بواسطة الملك الصالح نجم الدين أيوب، بعد حوالى ثلاث أو أربع سنوات أو أكثر من عام 640هـ (حوالى 1245م).

«مازالت بعد الملك الصالح ظلت من المنازل الملوكية، وبها أُنزل الخليفة الحاكم بأمر الله أبوالعباس أحمد العباسى لما وصل من بغداد إلى قلعة الجبل، وبايعه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بالخلافة. فى سنة 723هـ (1323م) هدم الملك الناصر محمد بن قلاوون هذه المناظر وبناها بناءً آخر، وأجرى الماء إليها، وجدد بها عدة مواضع، وزاد فى سعتها. وعمل بها أيضاً زفاف ابنته.. ثم سكن هذه المنظرة أيضاً الأمير صرغتمش (ت 759هـ)، وعمر الباب الذى هو موجود الآن، لكن أمر الملك الأشرف شعبان بهدم الكبش، فهُدم وأقام خراباً لا ساكن فيه إلى سنة 775هـ (1373- 1374م)، فحكره الناس، وبنوا فيه مساكن، وهو على ذلك إلى اليوم».
ويقول على مبارك إن «شارع قلعة الكبش كان يُعرف أيضاً بشارع الحوض المرصود، من أجل حوض كان يعرف بالحوض المرصود، وهو حوض من الحجر الصوان الأسود كان فى فجوة على قدره من الكبش، وكان معداً للسقى، فلما دخلت الفرنساوية ديار مصر واستولوا عليها أخرجوه من موضعه وأرسلوه إلى باريز مع غيره من التحف التى أخذوها من الديار المصرية، لكنها لم تصل إلى باريز، بل فى أثناء الطريق استحوذ عليها الإنجليز، وأخذوها جميعها إلى بلادهم، وإلى الآن موجود هذا الحوض بخزانة الآثار بمدينة لوندرة (لندن). وهذا يعزز الزعم الذى يقول إن الكبش الذى هدمه الملك الأشرف شعبان هو أثر فرعونى ولم يقمه الملك الصالح أيوب!.
وهناك إلى جهة الشمال حيث الشارع الواسع، واجهة سامقة شُيدت من الحجارة الضخمة أعطتها مظهر الآثار الضاربة فى القدم. ولأن الجزء الأكبر منها تم بناؤه بالوجه العمودى من الحجر، فليس بها أى نوافذ باستثناء تلك الخاصة بالمساكن الحديثة التى تم بناؤها بالأعلى، وعلى اليسار يوجد بروز مشابه ولكن ليس مرتفعاً جداً، له سطح مستوٍ، هو الذى يُطلق عليه «مصطبة فرعون». وقيل إن فرعون كان يرقى إلى هذا العرش العالى عن طريق سلم درجاته مصنوعة من الذهب والفضة بالتناوب، ومن هناك كان يخاطب شعبه. وقد نحى بى هذا الاعتقاد غير المعقول من التصديق بأن هناك مبنى قديماً كان فى نفس المكان، وأن واجهته الضخمة التى تفوق الوصف ربما جزء من بقايا هذا الصرح، أما من الداخل فتحتله المنازل الحديثة، حيث تؤلف حياً مستقلاً يتم الدخول إليه من جهة الشرق، وعلى أقصى يسار الواجهة الرئيسية يوجد مسجد مهجور سُد مدخله بجدار. وتقود مجموعة من الدرجات إلى كوة واسعة أو تجويف كان يستقر به ذلك التابوت الجميل الذى استولى عليه الفرنسيون، ويقبع أيضاً الآن فى المتحف البريطانى.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر ،بقلم الأديب الكبير، مكاوي سعيد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل صور من شمالي جزيرة العرب في منتصف القرن التاسع عشر ، جورج أوغست فالين ، pdf معرفتي كتب السيرة الذاتية والرحلات 1 May 4, 2017 05:25 AM
صدر حديثا كتاب "أحوال العباد" للكاتب الكبير مكاوى سعيد FARES_MASRY الأخبار الثقافية وعروض الكتب 1 December 8, 2013 08:08 PM
تاريخ أوربا الحديث في القرن التاسع عشر مكتبة التاريخ كتب التاريخ و الاجتماعيات 6 April 19, 2012 01:36 AM
تحميل كتاب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع وردة الثلج كتب منوعه و أخرى 0 December 3, 2011 03:47 PM
ممكن كتاب أو حتى لو معلومات عن القرن التاسع عشر عنزية أرشيف طلبات الكتب 3 December 11, 2008 09:04 PM


الساعة الآن 06:56 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر