فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم April 16, 2017, 02:40 AM
 
مجتمعنا: بين الانفصام والتميّز

مجتمعنا: بين الانفصام والتميّز



أسّس النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي الأوّل على العقيدة الإسلامية وما ينبثق عنها من أنظمة تتمثّل في جملة من الأحكام منها ما ينظّم علاقة الإنسان ككائن اجتماعي بغيره. فكان من القواعد التي وضعها الشارع لتلك العلاقة قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وتفرّعت عن قاعدة الأخوة أو قاعدة الأمّة الكلّ أو قاعدة الجسم الواحد التي قرّرها الشرع جملة من الأحكام الأخرى تفيد معنى التكافل والتضامن والعيش المشترك المبني على الأثرة والحرص على الآخر، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ».

لامست هذه الأحكام أسماع المؤمنين الأوائل ولامست كذلك نخوتهم النابعة من حرارة إيمانهم، فعملوا بها وطبّقوها، ونشأ بذلك المجتمع الإسلامي الأوّل نشأة مثالية، ثم تلته مجتمعات إسلامية أخرى اقتدت حينا بتلك السيرة الحسنة للأوائل كلّها وحينا آخر بأغلبها وحينا ثالثا ببعضها، فكانت المجتمعات المتعاقبة تنعم بالرفاهية والأمن والأمان بقدر ما تلامس من أحكام وأخلاق امتثل لها المجتمع الإسلامي المثالي الراقي الأوّل ثمّ الذي يليه. ومع الأسف، إذا تدبّرنا في مجتمعنا اليوم، مجتمع الذئاب، نجده يفتقد تلك الأحكام والأخلاق، فقلّ من يفكّر فيها ويستحضرها ويعمل بها؛ إذ أصبحت شاذة نادرة، وإن وجدت فلا تجدها إلا عند بعض الأفراد الذين يشعرون بغربة مبدئية حضارية أخلاقية في وطن أضحى كوجار تسكنه سباع فتّاكة ضارية، ولسان حالهم يقول:
وما قتلتني الحـادثات وإنمـــــــا ... حياة الفتى في غير موضعه قتل

إنّ الأنانية والحسد، والشحناء والبغضاء، والجهل والكراهية، والنفاق والشقاق، والخبث والمكر، كلّها أعراض مرض خبيث يفتك بجسد هذا المجتمع. ومرضنا هو الفراغ المبدئي الذي نعيش وسط خوائه، فلا نحن أخذنا الإسلام بقوة وتبنيّناه كعقيدة ونظام، ولا نحن أخذنا غيره وتركناه، فنحن إذن نعيش حالة انفصام حادة، نفتقد معها الهويّة والإنّية والشخصيّة.

إنّ مكوّنات المجتمع هي الناس والأفكار والمشاعر والأنظمة، وهذه العناصر الأربعة مرتبطة ببعضها، وتحتاج إلى تناسق وانسجام لتنتج مجتمعا مميّزا متناسقا منسجما. "فالمجتمع المتميز هو المجتمع الذي يكون فيه الأفراد والأفكار والمشاعر والأنظمة من جنس واحد، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان الأفراد يعتنقون عقيدة أساسية واحدة، تصلح لأن يبتنى عليها جميع الأفكار اللازمة لإشباع غرائز الأفراد وحاجاتهم العضوية، ولحل مشكلات الحياة التي تعترضهم. فالمجتمع الإسلامي – مثلاً – هو المجتمع الذي معظم أفراد عادة من المسلمين، يعتنقون العقيدة الإسلامية، ويبنون أفكارهم، أي حكمهم على الأشياء، والأفعال على أساس هذه العقيدة، فتتكون لديهم مشاعر موحدة نتيجة نظرتهم الموحدة للحياة، فيكون لديهم مشاعر موحدة نتيجة نظرتهم الموحدة للحياة، فيميلون للحلال، ويعرضون عن الحرام، ويطبقون نظام الإسلام في علاقاتهم جميعها، علاقاتهم بربهم وبأنفسهم وبغيرهم. فالمجتمع الإسلامي، أفراده معظمهم مسلمون، وأفكار أفراده ومشاعرهم إسلامية، والنظام المطبق عليهم كالنظام الإسلامي... ولا يكون المجتمع متميزاً إلا إذا كانت العقيدة التي يعتنقها أفراده فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، ينبثق عنها أفكار تنظم جميع العلاقات الداخلية للأفراد، وتنظم علاقة المجتمع بغيره من المجتمعات. ولا توجد هذه العقيدة الأساسية إلا في المبدأ، لأن المبدأ عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام". (عن مفاهيم إسلامية لمحمد حسين عبد الله).

وإذا نظرنا إلى مجتمعنا اليوم، نجد أن أغلب الناس يعتقدون العقيدة الإسلامية، ويؤمنون بالإسلام، ولكنّ أفكارهم ليست صافية نقية ففيها الإسلامي وفيها غير الإسلامي، وكذلك مشاعرهم ليست إسلامية صرفة بل مختلطة بمشاعر أخرى غير إسلامية، وأما النظام فهو بلا شكّ غير إسلامي، لا يقوم على الأحكام الشرعية ولا يستند إلى الشريعة. وهذا يعني أنّ مجتمعنا غير مميّز، ولا يوجد فيه تناسق وتجانس بين الأفكار والمشاعر والأنظمة، فترى المسلم يعرف الحرام معرفة دقيقة، ومع ذلك يقبل عليه ولا يحجم وينغمس فيه متلذذا به، وترى المسلم يعلم الأخوة الإسلامية وما قرّره الشارع من حقوق وواجبات متعلّقة بها ومع ذلك يتناساها في معاملته ويعمل بفكرة: "أخطا راسي وأضرب" أو "روحي روحي لا يرحم من مات"، وإذا تطوّر قليلا يستحضرها تعصبا للوطنية أو للجهوية عند حصول حادثة ما ولكنّ تلك الحماسة تخمد نارها بسرعة ويعود إلى جبلته وطبيعته الأنانية التي تربّى عليها.

أليس من العجيب في مجتمع كمجتمعنا، أن ترى المسلم يرتكب الحرام مصرا عليه، ثم يدعو الله بأن يغفر له ويتوب عليه؟ أليس من العجيب أن ترى المسلم يرتكب المعصية، ويعلم أنّها معصية بل يقسم على ذلك بقوله "وراس ها المعصية" وكأنّه ينزّه ذكر اسم الله عند القسم عالما بأنه يعصيه؟ أليس من العجيب أن ترى البرلمان بعد انتهائه من التصويت على تخفيض ثمن الخمر يرفع الجلسة لأداء الصلاة في وقتها عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أي الأعمال أحبّ إلى الله فقال: "الصلاة على وقتها"؟ أليس من العجيب أن ننسى الله عز وجلّ في أفراحنا ومسراتنا فترى الخمر والاختلاط في أعراسنا، وأن نتذكّره في أحزاننا فنفصل بين النساء والرجال في الجنائز ونكثر الدعاء والاستغفار؟

إنها حالة انفصام الشخصية الفردية والجماعية، وهي حالة مرضية تحول بيننا وبين النهوض والتقدّم، ولذلك إذا أردنا أن تتطور ونتقدّم وننهض فعلينا أن نعالج أنفسنا وعلينا أن نحدد هويتنا وأن نتمسّك بمبدأ واحد وهو مبدأ الإسلام الذي يعبّر عن حضارتنا وثقافتنا المتأصلة فينا. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

فالتذبذب المبدئي والحضاري يجعل الإنسان كالإمعة الذي لا رأي له ولا موقف، وهو من صفات المنافقين الذي قال فيهم الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)}، وقال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرّةً» وفي رواية زاد: «لاَ تَدْرِي أَيّهَا تَتْبَعُ». وعليه، فإننا إذ ندعو الناس إلى مبدأ الإسلام لتأخذه بقوة كاملا غير مجزأ وتطبّقه تطبيقا جذريا شاملا إنما ندعوهم في حقيقة الأمر إلى التميّز في شخصيتهم من أجل الإبداع والارتقاء بأنفسهم ومجتمعهم. فلا نهضة، ولا رقي، ولا تقدّم، ولا أمن ولا ازدهار إذا بقينا على ما نحن عليه من انفصام في الشخصية الفردية والجماعية.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مالذي يحدث لدماغنا عندما نقع في الحب او الانفصال ؟ الكلمنجي علم النفس 0 October 1, 2016 04:38 PM
الانفصال الشبكي R007.84 مقالات طبية - الصحة العامة 1 August 7, 2010 10:12 PM
سلبيات الامهات في مجتمعنا..؟! ياذا الخطا الاسرة والمجتمع 14 June 27, 2010 07:06 PM
الغيره فى مجتمعنا اسراء555 الاسرة والمجتمع 1 September 11, 2008 10:48 PM


الساعة الآن 02:06 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر