فيسبوك تويتر RSS



العودة   مجلة الإبتسامة > الروايات والقصص > روايات و قصص منشورة ومنقولة

روايات و قصص منشورة ومنقولة تحميل روايات و قصص منوعة لمجموعة مميزة من الكتاب و الكاتبات المنشورة إلكترونيا



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم April 19, 2015, 12:56 PM
 
واية رائحة الموت للكاتب عبدالله ناصر الداوود

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
هذه قصة واقعية مؤلمة حزينة بعض الشي .. آمل أن تنال إعجابكم .. وأن أقرأ ردكم وتعليقاتكم عليها ..
------------------------------------------------


رائحة الموت


- 1 –
في إحدى ملاهي مدينة الرياض ، كنت واقفا مع زوجتي ، نراقب ابنتنا ندى ذات العامين تلعب في إحدى الألعاب الكهربائية ، كانت البنت يبدو عليها البرود وعدم الاهتمام باللعبة ، ولم تكن فرحة جدا باللعب كما غيرها من الأطفال . كانت ندى بطبعها هادئة جدا ، تذكرني بهدوئي عندما كنت صغيرا ، كان أهلي يمتدحون ذلك الهدوء ، وذلك الصمت الذي يعتريني أحيانا ، كنت وقتئذ استمتع بمنظر الوجوه وهي تتحدث ، وأبدأ أحلل النظرات والكلمات بطريقتي ، ولم أكن ألجأ إلى هذه الطريقة دائما بل في كثير من الأحيان . وحيث أن الشخص يحب نقيضه في الأمور التي لا يحبها ، لذا كنت فرحا جدا ، عندما رزقنا الله بزهرة أخرى تختلف عن أختها ، زهرة أخرى بعبق مختلف ، أضفت إلى البيت رائحة أخاذة ، فقد كانت غادة تحب اللعب ، كثيرة الحركة واللهو ، تستجيب لما تقوم به من كلمة أو حركة أو لهو ، كما أنها تعبر عما في داخلها أريد هذا ولا أريد ذاك ، وصوتها يملأ البيت بكاء وصراخا وحديثا . كبرت غادة وأخذت تلعب مع أختها ، وأصبح البيت يعج بالحركة و الصخب ، على الرغم أنه لم يكن هناك تشاحن أو خصام بينهما ، نظرا لطبيعة ندى الهادئة والمتسامحة ، وكذلك لم تكن غادة ذات مشاكل ، كل ما في الأمر أن البيت أخذ يسمع له صوت . في الشهر الحادي عشر خطت غادة خطواتها الأولى ، وبدأت تدب على قدميها ، فأصبح لها رونق آخر وهي تسير في أرجاء شقتنا وبجانبها أختها تمسك بيدها ، تسير بها هنا وهناك ، يلعبان معا ويلهوان معا ، ويذهبان معي إلى البقالة لشراء بعض الحلويات والحاجيات . كما بدأت غادة في نطق بعض الكلمات البسيطة ، زادتها جمالا ، وجعلنا نستمتع برنين تلك الكلمات وطريقة نطقها ، وكذلك حديثها مع أختها وكيف يتفاهمان معا . بمرور الأيام بدأنا نلاحظ تقوسا في قدمي غادة ، كانت تسير وتتمايل تقريبا يمينا وشمالا ، وللحق فقد كنت اعتقد أن حفاظ الأطفال له دوره في ذلك ، لكن إحدى قريباتي هي التي نبهتنا لذلك ، وذكرت أن الحفاظ لا يعمل ذلك التمايل الشديد . ذهبت بها إلى أحد المستشفيات الحكومية الكبيرة ، وأجرينا لها بعض الفحوصات اللازمة ، فاتضح أن لديها نقصا في فيتامين ( د ) ، ونصحونا أن تتعرض البنت لأشعة الشمس ، فهي أكبر مزود للفيتامين ، وأعطونا كذلك شرابا تأخذ منه البنت خمسين نقطة لمدة شهرين ، ثم خمس نقط يوميا ولعدة أشهر ، كما أخذت أمها تسقيها وتدهن قدميها بشراب ( الحوت ) بناء على نصيحة الأمهات . كم أتذكر تلك اللحظات التي تكون فيها غادة سعيدة ، تلعب بألعابها أو مع أختها ، وعندما يحين موعد الجرعة تناديها أمها ، ثم تفتح البنت فمها ، وعن طريق حقنة بلا إبرة تدفع سائلا مرا من فيتامين دال داخل فمها ، ولشدة مرورته ، كانت تقف قليلا و يتغير وجهها ، ثم تعاود نشاطها من جديد . بعد مرور فترة من العلاج ليست فصيرة ، تحسنت حالتها كثيرا ، وبدأ التقوس يتعدل ولكن ببطء ، وذهب قليل من ذلك التمايل الذي كان يظهر عليها أثناء مشيها ، فحمدنا الله على ما تحقق ، ثم سارت الأيام بنا جميلة إلى أن بدأت الحكاية .. .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم April 19, 2015, 12:56 PM
 
رد: واية رائحة الموت للكاتب عبدالله ناصر الداوود

- 2 –
في مساء يوم أحد ، اصطحبت غادة معي في مشوارٍ سريع ٍ إلى قريب لي لأعطيه غرضا ما ، كان عمرها وقتئذ سنة وستة أشهر ، وقفت بالسيارة أمام العمارة التي فيها شقته ، وجاء قريبي وأعطيته الغرض ، ومن عادته أن يلاعب غادة قليلا ، لكنها لم تتفاعل معه كعادتها ، أثار ذلك انتباهي . في طريق عودتنا إلى البيت لاحظت في وجهها شحوبا ، قلت لعله من آثار مرض الزكام الذي أصيبت به قبل أيام ، وعندما وصلت البيت حكيت ذلك لأمها الذي وافقتني على ذلك التفسير . سارت أيامها القادمة على ذلك الكسل والخمول والوجه الشاحب ، حتى جاء صباح يوم الجمعة ، فقد استيقظت معي في العاشرة صباحا ، وتناولنا إفطارنا معا ، وبدأت في قراءة الصحف ، بينما كانت تلعب بجانبي بوجهها الشاحب ، عندما عدت من صلاة الجمعة وجدتها نائمة ، استغربت الأمر ! فلم يكن من عادتها أن تنام مرة أخرى بعد استيقاظها ، فضلا عن نومها باكرا ليلة الجمعة ، واستمرت في نومها حتى الرابعة عصرا . في تلك الأثناء كنا نتناول غداءنا في صالة الشقة ، عندما استيقظت وأقبلت علينا بوجهها الشاحب المتكدر ، و بمشية غير متزنة ، فقدكانت المسافة من غرفتها إلى الصالة ثمانية أمتار تقريبا ، مشت خمسة منها ثم سقطت على الأرض وهي تبكي ، نهضت من مكاني وحملتها ووضعتها بجانبي . بدأت تظهر منا بعض التفسيرات لسقوطها : - لعلها شوكة في قدميها .. - بل لعلها قطعة زجاجة .. - أو لعلها دعست على شيْ آلمها .. - بل لعلها .. تحسست قدميها بيدي ، لا أثر لشيْ ، ولم تصرخ بمرور يدي عليها ، ومازلت تبكي متكدرة ، أكملنا غداءنا ، واستعدينا للخروج ، فلديهم زيارة لأقاربهم ، وبدأنا نعتبر الأمر عاديا كونه أمر عارض سيزول . في المساء اتصلت عليّ أمها ، لتخبرني أن البنت رغم أنها لم تمشي فقد بدت سعيدة ، وأنها تلعب مع الأطفال وتتفاعل معهم . في ظهر السبت ولما عدت من العمل ، كانت في الصالة هادئة ، جالسة بوجهها المتكدر ، سألت أمها عنها ، قالت : لما استيقظت لم تمش ، فحملتها ووضعتها في الصالة .. ذهبت إليها ، حملتها ، وقبلتها ، حاولت معها أن تمشي فرفضت كليا ، تحسست قدميها مرة أخرى ، لا يبدو هناك شيْ !حركت قديمها وحاولت منها أن تدفعني بقدميها ، فإذا هما قويتان وتحركهما بطريقة طبيعية ! لكن البنت في نهاية الأمر ترفض المشي على قدميها !! قررت الذهاب بها إلى طبيب ، ولكن ليس أي طبيب ، فالحالة ليست مرضا عاديا كزكام أوكحة ، بل هو أبعد من هذا ، إنها قضية مشي ، كان هناك طبيب له سمعة طيبة يعمل في مستوصف ، لكنها لا يعمل إلا ما بعد الثانية عشر ليلا .. ومع ذلك قررنا الذهاب إليه ، فهو الأفضل . في تمام الحادية عشر ليلا ، كنا في المستوصف ومعنا غادة التي مازالت مصرة على عدم المشي ، كان رقمنا أربعة في سجل المنتظرين ، ... في تمام الثانية عشرة وصل الطبيب ، وبعد نصف ساعة جاء دورنا ، كنا في لهفة تامة لمعرفة سر عدم المشي ، دخلنا على الطبيب ، أخبرناه بالأمر ، فحصها ، قال : لديها زكام سيذهب بمرور الأيام ، قلت: لا يهمني أمر الزكام المهم لماذا لا تمشي ؟! طلب الطبيب منها المشي ، فرفضت تماما ، أنزلتها وطلبت منها أن تمشي وشجعتها بحلوى ، رفضت أيضا ، فحص قدميها ، ثم قال : قد يكون هناك شيْ ما في قدميها ، والطفل يخاف أكثر لذا تجده يرفض المشي لوجود ما يؤلمه .. أكد لنا أن لا شيْ يعيقها عن المشي ، ولكن اصبرا عليها قليلا ، حتى يزول ما في قدميها أوتنسى أمره ، وستعود للمشي مرة أخرى . في تلك الليلة ، عاد إلينا بصيص أمل من كلام الطبيب ، فهو أدرى منا بأي حال ، ولعله كما قال أمر عارض وسيزول ، ولم نكن نعرف أن الأيام كانت تخبي لنا مناظر مرعبة




تـــــــــــــرى هالمــــــــــره مـــــــا راحـ احـــــــط البــــــارت الثـــــــالث الا لمــــــا اشـــــوف ردود نفـــــس النـــــاس...

– 3 –

عندما عدت من العمل ظهر يوم الأحد ، كانت غادة في الصالة جالسة ، كانت تحاول فتح بسكويتا ، فلاحظت أن يدها اليسرى ترتعش ، كما ترتعش يد المصاب بالشلل الرعاش ( باركسون ) ، هالني المنظر وأفزعني ، ترى ماذا يحدث ؟ وأي مرض هذا الذي تعاني منه البنت ؟! فتحت لها البسكويت ، ثم حملتها ، وذهبنا إلى المطبخ حيث أمها ، فسألتها عن البنت وماذا فعلت اليوم ؟ فقالت : استيقظت اليوم ، ولم تمش كعادتها ، فحملتها ووضعتها في الصالة. لم أخبرها برعشة اليد التي رأيت ، فلا أريد أن أزيدها خوفا وقلقا ، عدت للصالة ، جلست انظر إلى ابنتي بقلب وجل ، ومئات الاستفهامات تتصارع في ذهني ، آه لو كنت تتكلمين وتخبرينا ما بكِ ؟ ومم تشكين ؟ لاحظت أن يدها لم تعد ترتعش ، واكتشفت أنها إذا أرادت التركيز على شيْ ما فإن الارتعاش يعود إليها ، مما يزيد استفهاما جديدا على تلك الاستفهامات .

قررت أن أذهب بها إلى مستشفى الأطفال عصر اليوم ، عند الواحدة ظهرا ، ذهبت إلى غرفة النوم ، فأنا متعود أن أنام بعد الظهر ، رميت ذلك الجسد المتعب من العمل ، والذهن المتعب من كثرة التفكير ، والخوف مما يخبيه المستقبل ، وبعد كثرة التفكير استسلمت لنوم مضطرب .

بعد نصف ساعة فقط ، استيقظت على صوت بكاء ، أخذ قلبي يخفق بشدة ، وأنفاسي تتسارع ، فتحت عيني،وبدأ تركيزي يعود إلي ، كانت أمها تبكي وتقول : لابد أن نذهب بها إلى طبيب آخر ، فالبنت لها عدة أيام وهي لا تمشي ، جاء أولاد الجيران ، حاولت أن تمشي لكنها لم تستطع ، فكلما نهضت وقعت مرة أخرى ، فأخذت تزحف وهي جالسة ..! هل جرّب أحدكم أن يستيقظ على صوت أحد يبكي بحرقة ؟ كم هو مؤلم ! وكم هو مرعب ! أدعو الله من كل قلبي أن لا تروا ما رأيته .. فما رأيته شيْ فظيع لا يحتمل .. شعور لا يمكن وصفه يتراوح بين الفزع والاكتئاب . جلست على السرير وبدأت أفيق تماما ، طمأنتها أنني قد قررت أن نذهب بها مستشفى الأطفال عصر اليوم ، وستكون الأمور على خير إن شاء الله . نهضت من سريري ، وذهبت إلى حيث البنت ، كانت تتابع الأطفال بنظراتها دون أن تنهض لتلعب معهم ، عادت تلك الأسئلة تتصارع في ذهني مرة أخرى ، بدأت اتفحص قدميها مرة أخرى ، لعل وعسى ، مررت أصابعي ثم راحتي على أسفل قدميها ، لم يبدو شيْ ، ولم تتألم لوجود شيْ ، حاولت معها أن تنهض فرفضت ، ولكن مع ذلك كانت قدماها قويتان تحركهما وتدفعما بقوة .

في الخامسة عصرا ، انطلقت بنا السيارة إلى مستشفى الأطفال ، البنت في حضن أمها تمسح على شعرها وتقرأ عليها آيات من القرآن الكريم ، وندى في الخلف طفلة صغيرة ، لا تدرك ما يحدث أمامها ، ترقب بيعينيها البريئتين الشواراع والسيارات . بينما أطبق علي صمت مطبق ، أفكر في حل لهذا اللغز المحير ، عدت أحاول الإجابة ، لعله نقص فيتامين دال ، ولكن مستحيل فالبنت قد تحسنت جدا عن ذي قبل ، جلست أنظر إليها وأسألها في داخلي : -ترى ما بك يا ابنتي ، ماذا حلّ بك ؟ وماذا دهاك ؟ آه لو تتكلمين وتحكين لنا مم تشكين وبماذا تشعرين ؟ قلوبنا تخفق مما أصابك الذي لا نعلم له سببا ولا ندرك طبيعته وحقيقته . كانت البنت في حضن أمها ، بوجه شاحب وعينين تخفي في داخلهما الكثير من الأسرار ، كم تمنيت أن تبوح لنا ببعض ما فيهما ! خرجت من صمتي وبدأت أطلق على زوجتي عبارات التفاؤل ، رجلاه قويتان ، البنت سليمة بإذن الله ، لعله أمر عارض يذهب سريعا ، كنت اريد رفع المعنويات وبث قليلا من الحياة داخل السيارة التي ساد عليها الحزن والكآبة ، أب أرهقه التفكير وأم يعتصر قلبها الألم ، وطفلة غامضة لم تعد تمشي فجأة ، وتخفي سر ذلك في داخلها ، وطفلة أخرى تكبرها لا تدرك مدى مرارة ما يحدث أمامها .

وصلنا إلى المستشفى ، ونزلنا بقلوب تخفق لهفة لكشف السر وخوفا من مفاجأة مؤلمة ، كان المستشفى يعج بالأطفال وصراخهم يملأ المكان ، توجهت إلى مكتب الاستقبال ، سألنا الموظف عن اسم المريض ونوع الشكوى ، أخبرناه أن البنت لم تعد تمشي من يومين ، وبسرعة أشار إلى ممر وقال : هذه حالة اسعافية .. اذهبا من هنا .. أسرعنا الخطى نحو الممر ، كان في نهايته طبيب سعودي ، سألنا عن نوع الشكوى ، فذكرت له أن البنت لم تعد تمشي منذ يومين ، فأظهر اهتماما ثم أشار هو الآخر نحو ممر قائلا : من هنا لو سمحتم . كانت طريقتهما ، حتى وإن لم تكن مقصودةكافية لإثارة نوع من الخوف كان كافيا لأن تجهش الأم في بكاء خارق ، بينما تعلقت ندى بطرف ثوبي من الخلف وأخذت تبكي خوفا من بكاء أمها . وصلنا إلى المكان الذي أشار إليه الطبيب ، ووجدنا أنفسنا أمام طبيبة ،سألتنا عن نوع شكوانا ، فحكيت لها قضية المشي . كان يقف بجانب الطبيبة طالبان من كلية الطب بدا أنهما في سنة الامتياز ، فقد أخذت تشرح لهما عن حالة غادة ، حيث أخذت تخلط العربية بالانجليزية ، قائلة إن شكوى الأب بأن ابنته لا تمشي ، بينما هي خائفة وتطبق برجليها على جسم أبيها ..

أثارت الطبيبة غضبي ، فقد أخذت تشرح للطالبين ، ولم تراعي تلك الحالة السيئة التي كنا فيها ، وخاصة أنها كانت تشير بقلم رصاص على قدمي غادة التي ممسكة بي وتبكي خائفة ، وأمها تبكي هي الأخرى وندى أرعبها بكاء أمها ، فكان منظرنا يدعو للشفقة . قاطعت شرح الطبيبة غاضبا : ماذا سنفعل الآن ؟ قالت : لابد من تنويم الطفلة ليوم واحد حتى نعرف سبب عدم مشيها .. ثم أشارت إلى مكان نذهب إليه لنكمل إجراءات تنويم الطفلة . زاد بكاء الأم ، وزاد خوفي على ابنتي ، يبدو أن الأمر ليس بالهين ، مجرد فحص سريع ثم علاج ، أو تحليل ونتيجة ، بل الأمر أكبر من ذلك ، تنويم وعلاج قد يطول .




تــــــرى تعــــبت
رد مع اقتباس
  #3  
قديم April 19, 2015, 12:57 PM
 
رد: واية رائحة الموت للكاتب عبدالله ناصر الداوود

- 4 –

وصلنا إلى المكان المحدد ، استقبلتنا ممرضة ، فأخذت بعض البيانات ، الاسم والعمر ونوع الشكوى وتاريخها ،ثم اتصلت بالهاتف على قسم التنويم لتستفسر عن رقم السرير الخالي .
طلبت زوجتي إحضار حقيبة بها بعض الملابس لها وللطفلة ، وطلبت أن أضع ندى عند أختي ، فقد يطول تنويم البنت .
عدت للطبيب الذي استقبلنا أولا ، وسألته عن حقيقة مرض ابنتي ، لم يذكر لي ِشيئا ، بل قال هناك أسباب كثيرة لعدم المشي ، وأن الأشعة والفحوصات والتحاليل ستبين كل شيْ ، زاد قلقي وبدأ قلبي يخفق بشدة ، وبدأت الاحتمالات السيئة تلوح في ذهني .

أمسكت بيد ابنتي ندى ، وبدأت أسير في ممرات المسشفى بلا هدى ، كنت كالمخنوق ، وضاع تركيزي وتفكيري ، ركبت السيارة وانطلقت بها بفكر تائهة ، وابنة تجلس بجانبي تسألني بلا كلل : ليه تركنا ماما وغادة هناك يا بابا ؟ ليه غادة ما تمشي زي أول يا بابا ؟ وليش أخذوها ؟

زادت ندى بأسئلتها وببراءتها آلامي ، حاولت بأسلوب مبسط تفهمه ابنة الأربع سنوات أن أشرح لها أن غادة وماما سيعودان غدا ، كنت أشرح ذلك وأنا مشفق عليها ، فقد وجدت نفسها فجأة بلا أم ولا أخت وقريبا بلا أب .
رحماك يا الله .. ذهبنا أربعة وعدنا اثنين ، وبعد قليل سنتفرق أكثر .. بنت مريضة في المستشفى الله أعلم بحالها ، وأم قلبها منفطر مع ابنتها ، وبنت أخرى صغيرة ستعيش بعيدا عن أمها وأبيها ، وأب قلبه منقسم بين الجميع .

وجدت نفسي أقف أمام إحدى البقالات ، فاشتريت بعض العصائر والبسكويت لندى وللأطفال الذين ستحل ضيفة عندهم إلى الغد .

ذهبت إلى بيت أختي ، شرحت لها ما جد من أحداث وكيف أن المستشفى قد قرر تنويمها ليوم واحد ، ليعرف حقيقة شكواها ، طمأنتني أختها بأن ندى ستكون بخير عندهم ، ولا داعي للقلق على غادة فستكون بخير بإذن الله .
شكرت أختي على مشاعرها ، وذهبت إلى الشفة ودخلتها ، كانت موحشة ، لا أحد فيها وقبل ساعة كانت تعج باللعب والحديث ، جمعت ملابس الأم وذهبت إلى دولاب الطفلة ووقفت أجمع ملابسها الصغيرة ، فستان ذو ألوان جميلة ، هل يا ترى ستعود لترتديه ، وهذا الفستان لا زلت أذكرها عندما لبسته كانت رائعة وهي تركض به .

ألقيت نظرة على ألعابها ، سريرها ، عرائسها ، كان كل شيْ لمسته أو لعبت به أو كانت تفرح به يجعل قلبي يخفق ، وبطني يعتصر ، لم أعد أحتمل ، فحملت بعض ملابسها وخرجت من الشقة .

وصلت إلى المستشفى ، وعرفت أنهما في غرفة 7 أ ، طرقت باب الغرفة ، فسمع صوت أمها تقول أدخل ، كانت الغرفة مستطيلة الشكل ستة أمتار في ثلاثة تقريبا ، وكان يشاركهما الغرفة امرأة أخرى مع طفل مريض ، وجدت زوجتي قد هدأت قليلا ، وغادة بجانبها تلعب بعلبة عصير جاءت مع وجبة العشاء ، أخذت ألقي بعض كلمات التفاؤل عليها ، غدا ستخرجين يا أم ندى ، غدا سيعرفون سبب عدم مشيها ، هنا أفضل من جلوسنا في البيت بقلب خائف ..

نظرت إلى غادة ، كانت بوجهها الشاحب، ونظراتها التي تخفي وراءها الكثير من الأسرار ، أسرار مرضها وأسرار ما تحس به ، أخذت أكلمها : غادة ما بك ؟ لماذا لا تمشين ؟ ماذا حدث يا حبيبتي ؟ هلا تكلمت وأرحتينا ؟ هلا أخبرتنيا ما بك ؟

تعبت من الحديث ، فتركتها وعدت أتكلم مع أمها ، التي كانت تتفحص ملابسها وملابس البنت ، جاءت إحدى الممرضات فقامت بأخذ عينة دم من وريدها ثم تمتمت وهي خارجة : النتيجة بكره ..

في السابعة أعلن عن نهاية الزيارة ، ودعتهما وقلبي يعتصر ، خرجت من المستشفى ، قررت الذهاب إلى ندى ، رحبت أختي بي وسألتني بلهفة عن غادة وأمها ،أخبرتهم أنهم أخذوا بعض التحاليل وأن النتيجة ستظهر غدا ، جاءت ندى تركض لما رآتني ، وجلست بجانبي ، أخذت أسألها هل ترغبين أن تذهبين معي الى البيت أم تجلسين تلعبين معهم ؟ كنت أدعو الله أن تقول أريد البقاء هنا ، لكنها لم تجب ، بل ظلت بجانبي وكأنها لا تريدني أن أتركها .

بعد أن تناولت العشاء ، عدت إلى البيت وحيدا ، بدأ البيت لي وكأنه كهف موحش في غابة موحشة ، خلعت ثوبي ورميت جسدي المنهك ، وبعد طول تفكير وتعب شديد استغرقت في نوم كثير الأحلام وكلي تفكير في النتائج غدا .


جماعة تراني ما اشوف تقييمات<<< ومنهو قال انك تشوفين اصلا؟؟
- 5 –
بعد نوم متقطع وغير مريح نهضت من فراشي ، كنت متعبا ومرهقا ، قررت الذهاب إلى المدرسة ، حاولت أن أكون متماسكا ، لا أريد أن يحس أحد المعلمين بالأمر ، فلا أريد أن يسألني أحد عن مرضها ، فقد كنت على وشك الانهيار ..
لكن ولسوء الحظ ، قابلني معلم كثير الأسئلة ، فمجرد أن رآني حتى قال لي : ما بك ؟ وجهك شاحب ؟
- لا شيْ ..
- هل أنت مريض ؟
- لا ..
- ندى مريضة ؟
- لا .. بل غادة ..
- ما بها ؟
- لا تمشي ..
- كيف ؟ ومنذ متى ؟
- منذ يومين ..
- وماذا فعلت ؟
- ذهبت بها إلى المستشفى ..
كان يسألني وأنا أجاوبه باقتضاب ، وبقلب متماسك ، وأحاول أن أنهي هذا التحقيق بسرعة ، لكن لما طالت أسئلته ، أوشكت الانهيار ، فأخذت الكلمات تخرج مني ببطء ، فأحس بذلك توقف عن الأسئلة وأخذ يشد من أزري ، أعرف حرصه علي كزميل وصديق ، ولكن أحيانا تأتي لحظات ترغب في أن تكون وحيدا ..
كان اليوم الدراسي يمر بطيئا ، كنت انتظر موعد الخروج ، كي أذهب سريعا إلى المستشفى لمعرفة نتائج التحليل وآخر التطورات .
بمجرد أن أنهيت حصصي ، حتى خرجت من المدرسة ، وذهبت إلى المستشفى سريعا ، قفزت على السلالم ، ووصلت إلى الغرفة ، سألت أمها بلهفة عن النتائج ، فقالت يقولون كلها سليمة ، وسيعملون لها بعض الأشعات .
كانت غادة كما تركتها ، وجه شاحب ، وتلعب ببعض الألعاب التي كانت تحبها وأحضرتها لها من الشقة مساء أمس .
ذهبت إلى غرفة الأطباء ، كان فيها طبيبان باكستانيان ، هما المعنيان بعلاج الأطفال المنومين ، سألتهما عن حالة غادة ، فذكر لي أحدهم المكلف بعلاجها ، إن نتائج التحاليل الأولية لم تظهر لنا شيئا ، وسيقومون بأخذ أشعة على قدميها عصر اليوم ، سألته عن موعد الخروج فقال ليس قبل أن نعرف السبب !
عدت لزوجتي وغادة ، أخبرتهما بما قاله لي الطبيب ، وعن تأخر موعد خروجهما ، فقالت إني لم أتوقع الخروج سريعا من هنا ، سألتني عن ندى ، أخبرتها أنها بخير ، لم أذكر لها سؤالها الكثير عن أختها ولماذا أخذوها .
حضرت أختي ومعها بعض الألعاب لغادة ، لعبة تضغط على بعض الأزرار فتعطي لك أصواتا مختلفة ، أخذت تلعب بها بوجهها الشاحب وبصمت غريب .
في وقت الزيارة المسائية ، ذهبت إلى المستشفى بحثا عن خبر جديد ، خبر يحدد نوع المرض وطريقة العلاج ، ذهبت إلى غرفة الطبيب أولا ، لكنه قال لي : الأشعة سليمة وكل شيْ سليم ، لم نجد سببا ، سنجري أشعات وتحاليل أخرى .
لا أدري هل أفرح أم أحزن ؟! هل أفرح لعدم وجود مرض لدى غادة ؟ أم أحزن أن البنت تعاني ولم يكتشفوا ما بها ؟!
ذهبت لهما ، وكالعادة البنت شاحبة الوجه ، وتلعب بهدوء ببعض ألعابها ، كنت أمها متماسكة هادئة ، سألتني إن كان معي مئة ريال تريد أن تتصدق بها على الأم الموجودة معها في الغرفة ، فقد حكت لها عن سوء حالتهم المادية ، فتحت محفظتي لم يكن بها سوى مائتي ريال هي آخر ما تبقى من راتبي ، وبقي على موعد الراتب يومان فقط ، أخرجت مائة وأعطيتها إياها .
عندما جئت لزيارتهما ظهر الغد ، ذكرت زوجتي أن أخوها زارها ، وأعطاها مائة ريال ، أعطتها لي وقالت مئتك عادت لك ، تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ما نقص مال من صدقة بل تزده )
في المستشفى هدأت أعصابنا قليلا ، لكن سر عدم المشي يؤرقنا ، الفحوصات الأولية تقول إنها سليمة ، ومضى يومان ونحن نعيش هدوءا لم نكن نعرف أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة .




سوري البارت قصير لاني مشغوله هالايام

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب كخه يابابا للكاتب عبدالله المغلوث Yaqot تحميل كتب مجانية 0 December 24, 2014 12:40 PM
فتاة اليوتيوب رواية لـ عبد الله ناصر الداوود زيـــن العـآبديـن الروايات والقصص المترجمة 40 October 28, 2012 07:01 AM
تلخيص كتاب: هل يكذب التاريخ ؟ ل عبدالله بن محمد الداوود فايزة بلال كتب اسلاميه 3 April 21, 2010 09:15 PM
حينما رافقتني رائحة الموت لبضعة دقائق وبكى الناس من حولي وأيقنوا بالهلاك!! || ميآسين || روايات و قصص منشورة ومنقولة 2 February 23, 2010 06:27 PM
ناقص حظ - للكاتب عبد الستار ناصر advocate روايات و قصص منشورة ومنقولة 0 January 27, 2008 05:04 PM


الساعة الآن 09:12 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر