فيسبوك تويتر RSS



العودة   مجلة الإبتسامة > الروايات والقصص > روايات و قصص منشورة ومنقولة

روايات و قصص منشورة ومنقولة تحميل روايات و قصص منوعة لمجموعة مميزة من الكتاب و الكاتبات المنشورة إلكترونيا



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم May 8, 2014, 11:22 AM
 
أهم قراءة أولى في الأدب المهجري

قراءة أولى في الأدب المهجري

وجدته موضوع جميل وله فروع كثيرة ولكنها هامة للمعرفة بها

وحبيت أنقلها وكذلك بـ اسم كتابها المتعاونين احتراما وتقديرا لهم

ونبدأ معا فى هذه الدراسة الجميلة والمفيدة لمن لا يعلم مثلى


بقلم الكاتب: ديب شاهين

"أنت أول عاصفة انطلقت من الشرق ’ واكتسحت الغرب ،ولكنها لم تحمل إلى شواطئنا إلا الزهور"

(الرئيس الأميركي روزفلت مخاطبا جبران خليل جبران )

الحديث ، ولنقل الكتابة،عن الأدب المهجري ، فيه من السحر والجمال والروعة ، بقدر ما فيه من الغموض والتشتت وعدم الوضوح ، فسحره وروعته تعيد الكثيرين منا إلى الشباب ومقاعد الدراسة ، والاستمتاع بجمال الكلمة والفكرة ، وسحر المضمون ، وتفرد النص الأدبي الذي حمل في معظمه نزعات قومية وإنسانية تنقلنا من عالم غابت عنه العدالة والحرية والجمال إلى آخر قيدتنا فيه التقنية والحداثة والعولمة والتحديث تلك التي باتت سمات مميزة "اعتمده بعض الذين يهمهم تجريد انساننا العربي من كل مخزونه الحضاري وتراثه الثري " , كما يقول الباحث المهجري كامل المر ،وبالتالي عدم التحديد ، بل التوسع إلى ما لا ينطبق عليه لا توصيف ولا تشخيص لأدب مهجر ، إذ بات الباحث مشتتا في صفاته كل بما يريد أن يطلق على هذا النص مهجريا ، أو ذاك أنه ليس كذلك ،وكأننا نضع العنوان قبل الخوض في التفاصيل .

في واقع كهذا ، لا ننكر بالطبع مهجرية الأدب ، أو وجوده ، ولكن نود معرفة صفاته ، بل مزاياه ، كي نستند إليها عند الدراسة . العديد من الأسئلة تطرح نفسها أحيانا ونطرحها نحن أحيانا أخرى ، والتي قد لا نجد لها إجابات شافية .

لماذا لا يوجد أدب مهجري إنكليزي، يوناني أو أسترالي مثلا ؟

هل أن نتاج أي كاتب في بلده الأم ونشره في بلد المهجر هو أدب مهجري ؟

ما الفرق بين الأدب المهجري عند أدباء الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية من جهة وبين الأدب الأندلسي ؟

وأسئلة كثيرة متشعبة قد تؤدي بنا ال معرفة خصوصيات لأدب مهجري منتشر الآن في بلدان الاغتراب …الدول الأوربية …استراليا، أفريقيا والأميركيتين . وهل لهذا الأدب الجديد من خصوصية تميزه ؟.

فإذا ما حصرنا نقاط بحثنا في نقاط كالتي ذكرت نود هنا من أ صحاب الاختصاص التفضل مناقشة هذا كي نخرج بنتائج تحد أطرا عامة لموضوع هذه الدراسة .

نفي المؤرخ السيد شاكر مصطفي مرة ، في إحدى مقالاته في مجلة العربي ، أن يكون ثمة أدب مهجري متميز أو حتى فيه شيء فيه يدل على أنه أدب مهجري إذ يقول :"ما هو إلا بضاعتنا ردت إلينا ، كل ما كتب حوله فإنما هو تزييف ، وبعضه زلفي ، وبعض عن ارتزاق ، وبعض عن جهل بالحقيقة ."

وفي رده على هذا يقول الباحث والأديب حنا عبود :"أكان بين أدباء المهجر ملوك وأمراء يتقرب إليهم الأدباء زلفي ؟أما أن يقول تزييفا فعليه أن يثبت ذلك ويبين الغرض من هذا التزييف ؟

كما يذكر شاكر مصطفي أن:"الأدب المهجري " بضاعة شرقية " لا جديد فيه ، ولا يجوز أن نسميه أدبا مهجريا لأنه لم يتفاعل مع الآداب واللغات الأخرى ، ولم يتفاعل مع البيئة الجديدة ."

بالطبع يتحدث الدكتور مصطفي عن أدب مجموعة الرابطة القلمية في أميركا الشمالية ومجموعة العصبة الأندلسية في أميركا الجنوبية وآخرين من أدباء فترة زمنية معينة ، وتحديدا في الأميركيتين . وفي هذا المعيار الذي يقيس به المؤرخ الأدب ا لمهجري لا يمكن لنا الاتفاق معه ’ إذ يبقى أدب تلك الفترة مميزا بمهجريته سواء تفاعل أم لم يتفاعل . واللافت في هذا المجال أن أدب تلك المرحلة كان محصورا في بقعة عربية واحدة هي سورية ولبنان الآن .

في هذا السياق يقول حنا عبود:

" سنسلم بأن أدب المهجر هو بضاعتنا التي ردت إلينا ، ونسأل : لو كانت هذه البضاعة ليست بضاعتنا فهل كنا نطلق عليها اسم أدب مهجر؟ بضاعات كثيرة تأتي إلينا من وراء البحار وكلها تتحدث عنا نحن ، إنكليزية ، إسبانية ، برتغالية ، فرنسية …. وتاريخنا ،أدبنا ، شعرنا … كله تجده ومع ذلك لا نجرؤ أن نقول أن هذا الأدب هو أدب مهجري . شرط الأدب المهجري أن يكون أدب لغة وأدب قضية ، وإلا كان أدب غوته و لامرتين وأولئك المعجبين بالشرق أدبا مهجريا " .


إذن يحدد لنا هنا السيد عبود بعضا من خصائص الأدب المهجري : أدب لغة ، وأدب قضية . ونسأل السيد عبود من قبيل المعرفة فقط ، ما الفرق هنا بينه وبين الأدب المقيم ؟ أليس أدبنا المقيم في معظمه أدب قضية وفي مجمله أدب لغة ؟ الشاعر شادي الخوري ، بدأ بقرض الشعر وهو في الخامسة عشر من العمر ، وما وصلنا من شعره هو شعر قضية ، وكان المترجم موفقا جدا في نقل كافة المشاعر والخلجات عبر الكلمات العربية ، ذهب والده إلى الولايات المتحدة بقصد الدراسة ، وانتهى به المقام مهاجرا . أين نضع شعره في التصنيف ..مهجري …أميركي ..أم …؟


يجمع الدارسون على أن وطأة السياسة العثمانية كانت ثقيلة جدا على سورية ولبنان خلافا لما عاناه الشعب في دول عربية أخرى ،حيث المصادرات والمطاردات والاغتيالات والاعدامات ، إذن كان للهجرة ما يبررها ، وكان بنتيجة ذلك الأدب المهجري .وفي هذا المجال يقدم لنا حنا عبود أسبابا،قد تكون مقنعة ، عن كون وتسمية هذا الأدب مهجريا ، فيقارن ما بين الأدب الأندلسي ، والأدب المهجري ، فلا يسمي الأول مهجريا ، ويدعم الثاني بالتسمية ، ويقول أن من باب البديهيات ألا نسمي الأدب الأندلسي أدبا مهجريا علما بأن هذا الأدب كتب بلغة عربية صافية ، والتراث الذي نهل منه العرب في الأندلس هو التراث العربي من دون شك، ذلك لان الذين ذهبوا إلى الأندلس إنما ذهبوا بقصد الاستيطان والاستقرار، غير أن الذين ذهبوا إلى الديار الأمريكية كانت العودة في نيتهم ، ولا يوجد شاعر مهجري إلا وتحدث عن قضيتين أساسيتين : العروبة لتحريرها من العثمانيين ،والعودة التي ظلت أمنية لم تتحقق لدى الكثيرين ، وان تحققت لدى بعضهم .


إذن ذهب العرب إلى الأندلس للاستيطان ، وسموا أنفسهم أندلسيين ، فهم بذلك حددوا انتماءهم ، ولم يطلق عليهم أحد هذا اللقب ، هم الذين اختاروه ، ولو أن أدباء المهجر قالوا أننا أمريكيون لما تجرأ أحد أن يسمي أدبهم أدب مهجر ، معظمهم حصل على الجنسية الأميركية ، ولكن أحدا منهم لم يقل أنه أميركي ، وكان يفاخر دائما بأنه عربي أصيل ، الفرق بين الفريقين هو أن الأول أراد أن يفرد نفسه وأن تكون له شخصيته ، والثاني رغم حصوله على الجنسية ، ظل مصرا على التباهي بأمته العربية.


تابعوا معى حضراتكم

ملحوظة هامة قبل البدء بالمتابعة

رجاء المتابعة بعد الردود الجميلة والتى تنبع من قراء هذا الموضوع

للفاضلين والفاضلات والذين يملكون كل المشاعر الطيبة للتشجيع

والتقدم ولكم جميعا كل الشكر


ونخلص هنا إلى خصوصية ثالثة من خصائص الأدب المهجري ، ألا وهي الإقامة المؤقتة بقصد العودة إلى الوطن بعد أن تنجلي ، بل تنتهي مسببات الهجرة .ويحضرني هنا سؤال : إلى أي مدى يمكن أن نطبق هذا على واقع الأدب العربي في استراليا مثلا ؟ وهناك ما نفخر ونفاخر به من نتاج أدبي رائع لكبار من الشعراء والأدباء أمثال : نعيم خوري ، وديع سعادة ، وفؤاد نعمان الخوري وغيرهم هل جاءوا إلى المهجر بقصد العودة ؟ أم من الواجب علينا أن نفرق مابين أدب مهجري قادته المدرسة الجبرانية والرابطة والعصبة في الأميركيتين ,وأدب قادت طلائعه وثبتت وجوده أمثال من ذكرت وآخرين منتشرين في الأميركيتين والدول الأوربية أمثال جمال حمدان في السويد ؟ وهل كانت المؤسسات (الرابطة والعصبة ) أحد أسباب تسمية نتاج أعضائها بالأدب المهجري ؟ اعتقد ذلك ، في هذا الحال ما أحوجنا إلى عمل مؤسساتي ندعم من خلاله هكذا هدف ، وأن نتوجه بهذا الدعم باتجاه رابطة إحياء التراث العربي ، وتوسيع نشاطاتها من خلال فروع لها في كافة الولايات الأسترالية .



يحق لنا الآن أن نجري نوعا من المقارنة ما بين الأدب المهجري (ما يختص منه بالرابطة والعصبة، ) والأدب الأسترالي الذي ظهر في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. انه أدب إنكليزي اللغة والتقليد والتراث ، ولا يختلف عند بدايته على الأقل ، عن الأدب الإنكليزي ، ومع هذا لم يجرؤ أحد أن يسميه أدبا إنكليزيا ، ولا أدبا مهجريا . بل بقي الأدب الأسترالي متفردا على الرغم من السمات المشتركة من حيث استخدام اللغة الأم والتقاليد الأدبية والثقافة التراثية الأصيلة .



يقول الدارسون في هذا السياق أن الأسترالي فقد صلته بالوطن الأم على الرغم من اعتماده اللغة والتقليد الأدبي والتراث الفكري الإنكليزي ، الأمر الذي لا يعني قطعا وحدة هذا الأدب مع أصله ، ولا يعني بالضرورة استمرارا له ، لان الأستراليون أرادوا أن تكون لهم شخصية مستقلة ، ولو أنهم التصقوا بالوطن الأم لكان لهؤلاء الدارسون حديث آخر ، أو ربما أعطوه صفة الأدب المهجري . ولكن ماذا سيطلقون على الأدب الكندي المكتوب بالفرنسية والإنكليزية . إذن الاتفاق باللغة والتراث أمر لا يكفي لطرح التسمية .



تقول إحدى الدراسات الحديثة عن الأدب المهجري : " بما أنه لا يوجد أدب مهجر في كل الآداب العالمية ، وفي كل الآداب العربية عدا الأدب الشامي ، وبالتحديد سورية ولبنان ، وبما أن هذا الأدب ظاهرة فريدة فان تعريف أدب المهجر يكون بسيطا للغاية : انه الأدب الذي أنتجه الشاميون من سورية ولبنان ، الذين هاجروا هربا من السياسة العثمانية التي ضيقت الخناق عليهم حتى في لقمتهم ، وظل هذا الأدب محتفظا باللغة والتقاليد الأدبية والتراث الثقافي ، بل محافظا عليها ، سوى أنه اتخذ في مهجره موقفا وهو أنه أدب مناوئ للسياسة العثمانية.



صفات كتلك المذكورة أعلاه قد تنطبق ,إلى حد كبير على الأدب المهجري الذي تعرفنا عليه، وتحديدا هو أدب الأميركيتين العربي. ولكن ماذا عن الأدب المهجري الحديث في استراليا تحديدا ، نحن بحاجة جديه لدراسة هذا الأدب الذي فرض نفسه على الواقع الأدبي مقيما كان أم مهاجرا . أم أننا سندرس هذا من خلال كل شاعر ،أديب أم كاتب كل على حدا ؟ وبالتالي أضعنا صفة المهجرية في هذا الأدب .



إبان التحضير لمواد العدد الثاني من هذه المجلة ورد إلينا مقالا للسيدة الأديبة نجاة فخري مرسي بعنوان بداية الأدب المهجري في استراليا ، تحدثت فيه عن الإعلام العربي ، وكانت دراسة وافية وشاملة في الإطار الإعلامي . ولكن هل الإعلام والترجمة حقلان من حقول الأدب وأبوابه العربية العديدة : مهجري، قومي، اجتماعي، نسائي، أطفال، وحتى أدب المراسلات …. علما، وعلى حد معرفتي المتواضعة لم يخرج الأدب الإنكليزي عن كونه رومانسيا .واقعيا . كلاسيكيا .

لقد جادت خواطر الباحثين والنقاد بالعديد من الخصائص التي أطرتالأدب المهجري : لغة . بيئة . تراث . حنين ووطنية …الخ

ولكن الغاية من تأسيس الرابطة القلمية كما جاء في الأهداف هو : التجديد في الفكر والمعنى والخيال والأسلوب،

والابتعاد عن الأفكار المبتذلة ….

نتابع بعد ذلك ( حول نشأة الأدب العربي المهجري في أستراليا )

حول نشأة الأدب العربي المهجري في أستراليا

بقلم الكاتبة: نجاة فخري مرسي

صحافة مهجرية..أدب مهجري..مواضيع تُنشر..دواوين شعرية تُطبع..مؤلفات توقع.. ندوات أدبية..دعوات لأدباء وشعراء من الأوطان..جائزة جبرانية عالمية..استحسان وتشجيع..نقد وهجاء وتقريع..ضجيج فكري..سجال أدبي..رعاية دينية..ومشاركة دبلوماسية.

وسط هذه الأعراس الفكرية، لا بدَّ وأن ترجع بنا الذاكرة إلى فجر نشأة هذا التحرك الأدبي العربي في أستراليا.

يعود تاريخ الهجرة العربية إلى عام 1860م، إلا أن الصحافة العربية قد بدأت بوادرها في الظهور عام 1957م، وهو تاريخ صدور أول نشرة نصف شهرية اسمها” الوطن العربي “ ولم تستمر أكثر من عام. وفي العام 1965م صدرت جريدة “القمر” النصف شهرية ثم جريدة ”الهدف” الأسبوعية. وفي أواخر الستينات صدرت صحيفة “صوت المغترب” ثم غابت ثم عادت، وكانت عودتها بداية انتظام الصحف اللبنانية والعربية، تبعتها جريدة “التلغراف” كل خميس “ وفي عام1975م، أصبحت التلغراف ملك لأربعة شركاء هم: بطرس عنداري، إدوارد عبيد، جورج جبور، وجوزيف خوري” وما زالت تصدر حتى الآن ثلاث مرات في الأسبوع. وفي العام 1977م، تم تأسيس جريدة “النهار” وهي مازالت تصدر حتى الآن مرتين في الأسبوع. وفي العام 1986م، صدرت جريدة “البيرق” وهي تصدر حالياً ثلاث مرات في الأسبوع. وصحفنا العربية اليوم تصدر جميعها بانتظام، وبدأت تستعمل التكنولوجيا الحديثة التي تُمكنها من نسخ نصف موادها عن الصحف العربية، حتى أنها تستعمل نفس أسماء الصحف العربية في الوطن الأم.

يقول تقرير سليم الزبال في مركزه للمعلومات، إن مائة جريدة ومجلة عربية صدرت في أستراليا منذ عام 1957م، حتى صدور مركزه للمعلومات عام 1989م، “منها حوالي 36مجلة”.



واختصاراً للوقت، سأكتفي بإدراج أسماء أوائل المجلات العربية التي صدرت في أستراليا.



أوائل المجلات العربية في أستراليا:

يقول هذا التقرير المعلوماتي إن أول مجلة صدرت في مدينة ملبورن عام 1963م كانت مجلة “النور” واستمرت تصدر حتى عام 1867م، شهرية وأحياناً نصف شهرية. وإن مجلة “ المنارة” كانت أول مجلة دينية صدرت عن اتحاد المجالس الاسلامية في أستراليا عام 1964م، وكانت تصدر أربع مرات في السنة، ثم أصبحت تصدر مرتين سنوياً، وتحتوي على مقالات بالعربية والانكليزية. وإن مجلة “ الرسالة “ كانت أول مجلة سياسية اجتماعية، صدرت في ملبورن عام 1975م، شهرية استمرت لمدة عامين. وإن مجلة “الثقافة” كانت أول مجلة حزبية شهرية تصدر في أستراليا عام 1975م، استمرت لعدة سنوات. وإن مجلة “الاقباط” كانت أول مجلة دينية تصدر عن الهيئة القبطية الأسترالية عام 1977م، وتوقفت بعد إصدار عددها الثاني.
وهكذا استمرت المجلات العربية بالصدور، منها من يستمر، ومنها من يتوقف بسرعة تدل على أن الأعباء المادية، وضآلة التوزيع هما السبب في هذه المعاناة. ومع ذلك ما زلنا نقرأ مجلات التسعينيات، حتى صدور مجلة “الجذور” في ملبورن التي نتمنى لها قوة الاستمرار.



هكذا، وبعد هذا العرض المختصر، نجد بل ونستنتج أن الصحافة العربية كانت ومازالت تصر على تأكيد وجودها، ولو بشق الأنفس، بل ومازالت الدليل الصارخ على رغبة المهاجر اللبناني خاصة، والعربي عامة، في التمسك بلغته وتراثه،

“ وكما نعلم أن أكثر مشاريع الصحف كانت تجارية وثقافية معاً”.



رابطة إحياء التراث العربي:

ننتقل الآن للحديث عن هذا الحدث الثقافي العربي في المغترب الأسترالي.

تأسست رابطة إحياء التراث العربي في سدني عام 1981م ”في سنة جبران العالمية”، وبدأت نشاطها تحت اسم”تجمع أصدقاء جبران” وفي الحفل الذي أحياه التجمع للمشاركة بتكريم جبران، أعلن عن إنشاء جائزة وقدرها “500دولار” تُمنح لأفضل بحث أو دراسة تتنأول سيرة جبران وأدبه، وأن تحمل هذه الجائزة اسم”جبران خليل جبران” وكما قرر التجمع أن يتخذ اسم”رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا” وحدد أهدافه في دستور، وكان من بين أهدافه إحياء التراث العربي في أستراليا. وفي عام 1984م، احتفلت الرابطة بأول جائزة تحمل اسم “جبران خليل جبران” وكان الحفل حافلا بالمؤيدين والخطباء، حيث فازت السيدة وداد الياس بالجائزة الولى، وفاز السيد إيلي ناصيف بالجائزة الثانية، وهكذا استمرت الرابطة باقامة الندوات وتقديم الدعوات ومنح جائزتها الجبرانية لمن تقرر لجنتها أنه يستحقها، إلى أن سجلت نجاحها بعد أن فردت أجنحتها إلى الأوطان العربية، وإلى المغتربات والمهاجر العربية الاخرى.



وسأورد هنا مقابلة كنت قد أجريتها مع السيد كامل المر/مؤسس ورئيس الرابطة ونشرتها في جريدة البيرق المهجرية بتاريخ 1992م ضمن استفتاء عام حول نشأة هذا الادب العربي المهجري في أستراليا قال فيها: “بعد نجاح التجربة الأولى، قررت الرابطة أن تعيد النظر بشأن الجائزة، فأوقفت العمل بقرارها السابق حتى عام 1987م، حيث جعلت من جائزة جبران جائزة تقديرية تُمنح لنتاج أدبي مُميّز يلتزم قضية الحرية عامة، وحرية الكلمة على الخصوص، ويلتزم قضية الانسان بالمطلق، كما رأت ألا تقتصر الجائزة على النتاج الأدبي الصادر في أستراليا، بل تتعداه إلى الوطن الأم، وإلى المغتربات العربية الأخرى، فاستمدت بذلك صفتها العالمية. وقد منحت على مدى الأعوام الماضية إلى مجموعة من الأدباء الأعلام في لبنان والعراق، ومصر وسوريا، والأردن، والبرازيل، والأرجنتين، بالاضافة إلى عدد في أستراليا، عرباً وغير عرب.



ذكرنا سابقاً أن اتساع نشاطات الرابطة الأدبية قد دفع حركة النشر إلى الأمام، وإلى مدى بعيد، فصدرت عشرات الدواوين الشعرية بالفصحى والعامية، كما صدرت عشرات الكتب، تتفاوت طبعاً من حيث الأهمية والاتساع. وأستطيع أن أقول إن لنا في أستراليا، ولا سيما في حقل الشعر، شعراء يضاهون شعراء الوطن الأم. كما أنه عندنا من المفكرين والأدباء، من نفتخر بهم ونعتز، وأتجرأ وأقول، إن أوطاننا الأم تفتخر بهم بدورها وتعتز. أما عن دور الصحافة المهجرية في نشر الأدب والشعر في المهجر الأسترالي غني عن القول أن صدور صحف باللغة العربية في أستراليا، هو بحد ذاته نشاط أدبي ملحوظ، فكيف إذا كانت هذه الصحافة تحتضن النتاج الأدبي فتنشر قصيدة إلى هذا الشاعر، ومقالة إلى ذلك الكاتب، وهذا ما يشجع الشاعر أو الكاتب على الإنتاج. ولكن الصحافة مطالبة بدور أكبر في عملية النشر والدراسة والتقييم، وهذا من شأنه أن يساعد على تقدم الأديب وتسديد خطاه. وأخيراً أتمنى أن يكون للصحافة العربية المهجرية دور أكبر في التعريف بنتاجنا الأدبي المهجري، وفي أية حال فلها الشكر على ما قامت به وتقوم به في هذا المضمار”. وفي مقابلة كنت قد أجريتها مع البرفسور نديم نعيمة/ رئيس الدائرة العربية ولغات الشرق الأدنى في جامعة بيروت الأمريكية أثناء وجوده في أستراليا لتسلم جائزته الجبرانية عام 1992م، سألته فيها عن رأيه بالحركة الأدبية المهجرية في أستراليا، وهل يرى فيها بوادر لأدب عربي مهجري واعد يبعث على التفاؤل؟ فأجابني بالآتي:

“ أنا كنت معجباً طبعاً بالحركة الأدبية نثراً وشعراً في أستراليا، وأعتقد أن لهذه الحركة، إذا قيض لها أن تستمر وأن تتطور، مستقبلاً يجعلها واحدة من حركاتنا الأدبية المهجرية، التي سبق وعرفناها في الأمريكيتين. والذي أرجوه أن تولي هذه الحركة المزيد من الاحتكاك والتفاعل مع الأدب الأسترالي المحلي بشكل خاص، والأدب الإنكليزي والعالمي بشكل عام. مثل هذا الاحتكاك، وهذا التفاعل، هو الذي كان وراء عالمية أدبنا المهجري في أمريكا الشمالية، وجعل أعمالاً كالتي كانت لبطاركة هذا الأدب المهجري أمثال: نعيمة وجبران والريحاني تحتل مكانها في معظم لغات العالم الحية". بقي أن نقول إن رابطة إحياء التراث العربي، قد منحت على مدى ثمانية عشر عاماً ما يزيد عن ستين جائزة جبرانية لنخبة من الكُتاب والشعراء والمفكرين محلياً وعالمياً: من وزن الشيخ عبد الله العلايلي، والأديب مارون عبود، والشاعر نزار قباني، والمفكر أمين العالم، وهذا العام منحتها للمؤرخ أحمد داوود، وعالم الآثار البرفسور نجيب قنواتي، وأم الطفل زهية سلمان. أما محلياً فقد منحتها لأدباء وأديبات وكتاب وشعراء يضيق المجال عن ذكر أسمائهم. من الملاحظ أن الأسماء التي نالت الجائزة هذا العام كانت جميعها من خارج أستراليا فما سبب ذلك؟ هل لأن الانتاج المحلي قد خفَّ أم أن جائزة جبران قد وجدت من يليق بها أكثر؟ وقبل أن أنهي هذا البحث دعونا نفتش عن المرأة، في هذا الجزء الهام من تاريخ أدبنا المهجري في أمريكا أولاً ونتساءل: هل كان للمرأة فيها دور؟ هل بَعدَتْ المرأة؟ أم هل استبعدت؟ هل ساهمت ثم هُمّشت؟ واقتصرت الأضواء على الرجال كالعادة؟



لمعلوماتي المتواضعة أن سيدة ”لا أذكر اسمها” كانت مع “الرابطة القلمية” في نيويورك، ولكن ذكرها قد اختفى ولم يظهر لأسباب لا نعرفها. والذي يبعث على الإطمئنان هو أن رابطتنا لإحياء التراث العربي في أستراليا، قد منحت أكثر من جائزة جبرانية لأديبات وفنانات وسيدات عربيات، كذلك منحتها لشاعرة أسترالية. ونعلم أيضاً أن في الرابطة بعض العضوات، ولكن ليس للمرأة في لجانها التأسيسية والتنفيذية وجود. بمعنى أن مشاركتها رمزية بعيداً عن وضع القرار. وكل ما نرجوه أن يبقى للمرأة وجود في سجل الرابطة مستقبلاً، إذا أصبح لها سجل. كذلك إذا عدنا للحديث عما أسميناه بنشأة الأدب العربي المهجري في أستراليا ورجعنا للحديث عما قدمته الصحافة العربية، وما تقدمه الرابطة، فهذا لا يعني وجود محأولات لمنتديات أدبية في سدني وفي ملبورن وباقي ولايات أستراليا، ولم يكتب لها النجاح والاستمرار لأسباب لا نعرفها. ولا يعني أيضاً أننا نستطيع أن نقلل من أهمية ما نتج عن وجود صحافة عربية، ووجود رابطة أدبية ثقافية، وما نتج عن وجودهما من نهضة فكرية بين أبناء جاليتنا العربية، تذكيها روح المنافسة، خاصة في مدينة سدني، حيث تصدر جميع الصحف العربية، وحيث يوجد مقر رابطة إحياء التراث العربي وندواتها الأدبية والثقافية، وحيث أثمرت هذه اليقظة الإعلامية والادبية، الكثير من المؤلفات الأدبية والتسجيلية، ومن الدواوين الشعرية الجيد منها والمتواضع. والذي أذكره ولا أنساه، ذلك النقاش الحاد، الذي تطور إلى نقاش جادّ بين شاعرين من الأوائل، حول من ألف أولاً في أستراليا، ومن طبع أولاً في أستراليا ”مع أن تاريخ الإصدار ومكان الطبع” بإمكانهما حسم النقاش الحاد ببساطة تحفظ لكلٍ منهما حقه في الأولوية المنشودة. طبعاً كان لهذه الحركات الأدبية تأثيرها الايجابي الكبير على وجود نتاج فكري كبير في الجالية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا عن مستقبل أدبنا العربي المهجري في أستراليا؟ وهل سيبقى محصوراً في مؤسساته؟ أو مقصوراً على أستراليا فقط؟ أم أنه سينطلق إلى آفاق أوسع من المشاركة والتشاور؟ وإلى عالمية أدب نعيمة وجبران؟
رد مع اقتباس
  #2  
قديم May 8, 2014, 11:25 AM
 
رد: أهم قراءة أولى في الأدب المهجري

الأدب المهجري: تأّثره بالغرب وتأثيره فيه ( 1 )

بقلم الكاتب: د. نعيم نعيمه

شرط الكلام على تأّثر وتأثير بين فرد وفرد أو جماعة وجماعة أو بين حضارة وحضارة، أن يكون لكل من الاثنين المتفاعلين شخصية واضحة وكيان معروف وهوية محددة، ألا يتوّفر ذلك في أي من الاثنين المتفاعلين، انقلب الكلام من تأثير وتأّثر بينهما إلى متبوع وتابع وصانع ومصنوع، بل إلى مولى مقطوع النسب وسيد به وإليه يتم الانتساب. لقد كان من الغرب الحديث في أخريات القرن الثامن عشر أن فاجأ العربية وأهلها في عقر ديارهم وهم في غفلة شبه تامة، لا عنه وعن حقيقة آدابه وتراثه وحضارته فقط، بل عن واقع حالهم هم وحقيقة لغتهم وآدابهم وتراثهم، بل عن هويتهم ومكانهم في التاريخ. جلّ ما كانوا يعونه من أمرهم، شعور غائم أّنهم عثمانيون، وأن غربا يقتحم أبوابهم كما فعل نابوليون في مصر 1798 لا يعدو كونه غراما متطفلا عن أرض هي أرض السلطان، على حد ما قاله أهل الإسكندرية ومماليك القاهرة لمحّذريهم الانكليز من خطر الفرنسيين: "هذه بلاد السلطان، وليس للفرنسيين ولا لغيرهم عليها سبب فاذهبوا عّنا... إذا جاء جميع الإفرنج فلا يقفون في مقابلتنا وإّننا سندوسهم بخيولنا". فلا عرب بلاد السلطان يومها، والتركية لغة أمتهم الرسمية، كانوا بالنسبة إلى أنفسهم عربا وأهل عربية حية فاعلة، ليؤّثر الغرب الطارئ بلغتهم وآدابهم، ولا الغرب هذا كان بالنسبة إليهم، والإسلام مرتكز دولتهم، أكثر من إفرنجي غامض مضلل متطفل مصيره حوافر خيولهم، كي يكون له تأثير في إسلامهم أو كي يتأّثروا بشيء من تراثه وحضارته. قصة التأثير والتأّثر في الآداب العربية منذ الجبرتي إذن، بل ربما قصة التراث العربي الحديث جميعا، هي في مدى استفاقة العربية وأهلها على ذاتهم كشعب وكتارث من جهة، وفي درجة يقظتهم من جهة أخرى بفعل تلك الاستفاقة ونتيجة لها، على هوية الغرب وحقيقة تراثه وحضارته. إذ ليس لنقيض أن يفعل أو ينفعل بنقيضه إلا في مدى وعيه حّقا كم هو مختلف ونقيض. لذلك يقتضي كل بحث في موضوع الأدب العربي وتأّثره بالغرب أو تأثيره فيه أن يتمحور حول مسألة الهوية. بين عرب بلاد السلطان المتحفزين لإبادة الغرب الطارئ ودوسه بحوافر خيولهم وبين المهجريين النازحين عن تلك البلاد في نيويورك، "دردور" الحياة الغربية، كما وصفها ميخائيل نعيمه، وأحد أهم مجسات نبضها، قرن كامل. إّنه قرن تململ أهل العربية واستفاقتهم المتنامية على ذاتهم كشعب وتراث تحت ضغط المد الغربي المتفاقم وبسبب منه. وإّنه ليصعب الإلمام بطبيعة الأثر الذي كان للغرب على الأدب العربي خلال تلك الفترة، وما بعدها، بما فيه المهجريون ومدرستهم التي نعتبر مقال أمين الريحاني "خطبة في التساهل الديني" سنة 1900 فاتحة لها، من غير أن نرافق عند أبناء العربية مسارهم الجدلي مع الغرب وتنامي وعيهم له ولأنفسهم كما انعكس في تراثهم حّتى في ذلك التاريخ. لعلّ أبرز ما يستوقف الباحث عند الجيل الأول من أجيال ما يمكن أن نسميه "الجدلية العربية الغربية في أرض السلطان" أثران اثنان استثارت كلا منهما ظاهرة واحدة هي نابوليون والوجود الفرنسي في المشرق العثماني، واحد للجبرتي في مصر وآخر لنقولا الترك، أحد شعراء بلاط الأمير بشير في لبنان. ففي الأول استفاضة في الكلام على ما كان للحملة النابوليونية من مساوئ وقباحات خاصة في ما يتعّلق بالقيم الأخلاقية والاجتماعية والروحية بحيث أن زوال تلك الحملة الملحدة يقرب من أن يكون قدرا إلهيا لصون نقاء حياة المصريين وشرف دينهم وتراثهم. لذلك لم يجد الجبرتي لتسمية كتابه خيرا من مظاهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس. أما كتاب الترك تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية الذي يرجح أن يكون بتكليف من أميره الحريص، نظرا إلى موقعه الحساس، على معرفة طبيعة المستجدات حوله في المنطقة، فيتناول الحملة بروح أقل عداء وإن لم يكن أكثر قبولا. وإذا لم يغب عن باله أن نابوليون هو في الحقيقة ابن الثورة الفرنسية، يقبل على هذه الثورة، وبأسلوب لا يعوزه الذكاء، فيتحدث عن بعض مسبباتها ومرتكزاتها دون أن يذهل كما لم يذهل الجبرتي، عن أن جماعتها دهريون وأن خطرهم على الدين والأخلاق والمجتمع عميهم. ليس المقصود من الأثرين هنا التوقف عند المضامين، ذلك أن حقيقة الحملة وبطلها ومن ورائها الثورة الفرنسية بما أحدثته أو رمزت إليه من انقلاب هائل في مجرى الحياة الغربية برمتها، ظلت أبعد من أن يلم بها قلما الكاتبين. المهم في الأمر ما تجّلى واضحا عند الرجلين وعند أبناء جيل من متفقهي العصر حولهما، من تبديات شعور ال "نحن" وال "هم" فكانت تعني "الفرنجة" أو الغرب على وجه العموم، على تنسم، وإن بعد غامضا، لما يعنيه ذلك الغرب، خاصة غرب الحداثة بالمعنى العلمي والفكري والحضاري، وأما ال "نحن" وقد أصابتها الهزة وعصفت بسقفها ريح الحداثة فلم يعد بوسعها أن تبقى مستكينة تحت ذلك السقف مطمئنة إلى ثوابت وجودها ومطلقات قناعاتها ولا نهائية نظرتها إلى الكون والحياة. لقد تسبب الغرب في المنطقة، إضافة إلى الهزة العسكرية التي أحدثها مجيئه، بعدد من الأفكار والممارسات وطرائق الحياة التي كانت مغايرة، بل نقيضة للمعهود والمسّلم به والمتعارف عليه. وهكذا لم يعد ممكنا لهذه ال"نحن" باسم هويتها الضبابية القائمة أن تتعامل مع هذه المستجدات بمجرد التجاهر والرفض. فحّتى الرفض ذاته أصبح يقتضي العودة إلى الذات لتبرير ما هو مقبول. وهكذا دخلت الذات العربية ما بعد جيل الجبرتي والترك، وقد هزها الغرب وربما لأول مرة في تاريخها الحديث، جدلية الرفض والقبول. فالجبرتي مثلا، الذي كان في رأس ما أزعجه عند الفرنسيين فساد المرأة وتفّلتها في مقابل المرأة المسلمة المتميزة، يسترسل في الكلام على فظاعة هذا المسلك، وخطره على دين أهل الإسلام وأخلاقهم وقيمهم. ولا يخفى تشّفيه المثلج بابنة البكري التي خالطت، وعددا من مثيلاتها، الفرنسيين وتشبهت بهم، عندما دّقوا عنقها بعد رحيل الحملة وعودة مصر ثانية إلى سلامة ما كانت سابقا عليه. أما المفارقة ففي أن ما ارتاح له الجبرتي بعد جلاء الفرنجة من إغلاق لباب المرأة، ومن اطمئنان إلى سلامة هويتها من المؤّثرات الغربية، لم يكن إغلاقا على الإطلاق، بل كان فتحا لذلك الباب من حيث لم يدر الجبرتي يومها، على قضية مستحدثة لا عهد للتراث بها من قبل: إّنها المسألة النسانية التي ما لبثت أن شغلت فكر ما بعد الجبرتي من الطهطاوي مرورا بقاسم أمين واستطرادا حّتى العصر الحاضر. إلا أن مشكلة هذا الفكر جميعا ففي أّنه من منطلق الإيمان بوجود هوية ثابتة ومميزة للمرأة المسلمة وبوجوب بلورتها والحفاظ عليها في مقابل المرأة الغربية المباينة، عمد إلى تحريك تلك الهوية وإعادة رسمها باستمرار، بحيث غدت عند واحدة كنوال السعداوي في أخريات هذا القرن، غربية خالصة، زواجا وطلاقا وعملا وحرية واستقلالا وقيما وغيرها، تكاد لا تحمل من سماتها الأولى غير الاسم. فالمفارقة هي في أن المرأة الشرقية من حيث المبدأ لم تصبح غربية لأّنها تنكرت لذاتها وتغربت، بل أن الحرص على التباين من باب إعادة رسم الهوية وترسيخها هو الذي أفضى في نهاية الأمر إلى التماثل. والذي يقال في المرأة وقضيتها في ضوء جدلية الرفض والقبول، وال"نحن" وال"هم" التي دخلها أهل العربية منذ مطلع القرن الماضي، يصح أيضا وبالتمام في مجمل ما أتى به الغرب إلى الشرق من مقومات ترتكز إليها هويته الحضارية الحديثة: من شريعة وسلطة مصدرهما الشعب وليس الله، إلى علمانية تفصل في المجتمع بين الحياة الدينية والحياة المدنية، وفي المعرفة بين ما يتعّلق منها بالطبيعة وما يّتصل منها بعالم الماوراء، إلى تركيز على الفرد كقيمة نهائية، إرادة وحرية فعل وفكر واعتقاد، إلى الديموقراطية كسبيل أمثل للحكم، إلى الأمة المّتخذة من الأرض والتاريخ والنفع القومي مبدأ انتماء، إلى غير ذلك مما يتصل بهذه جميعا ويتفرع عنها ويكون ما اصطلح على تسميته الغرب الحديث. وأّنه من باب الحرص نفسه كما في المسألة النسائية على التباين بين ال"نحن" وال"هم" في كل هذه القضايا، أن أفضى الأمر بالنسبة إليها جميعا إلى تماثل يكاد يكون خالصا.

فالطهطاوي مثلا الذي عايش في باريس أواخر العشرينات من القرن الماضي نظرة أوروبا الوضعية العلمانية إلى المجتمع والشريعة والسلطة والفضائل والمعارف والعلوم، لم يستطع، على إعجابه بمنجزات الغرب، أن يتقبل النظرة الكامنة وراءها. وهكذا وجد نفسه مسوقا، مراعاة لهذا الإعجاب من جهة وحرصا على التميز هوية من جهة أخرى، إلى تحريك تلك الهوية معتبرا، وفي ذهنه كمسلم أن الله خالق كل شيء بما في ذلك الطبيعة، أن لا كبير فرق بين مبادئ القانون الطبيعي الوضعي ومبادئ القانون الإلهي المتمّثل في الشريعة الإسلامية، فاتحا هكذا الباب أمام الجيل اللاحق للتأكيد بلسان إمام ذلك الجيل الشيخ محمد عبده في مقولته فقد كان من شأن هذه المقولة عند الأجيال التالية من مريدي .« الإسلام دين العلم والعقل والمدنية » : الشهيرة الإمام، لا أن تعطي العقل والعلم والمدنية هوية إسلامية كما هو مقتضى التميز المطلوب، بل أن تضفي على الإسلام هوية علمية بالمعنى الغربي للعمل، فينتهي بذلك إلى التماثل الذي سبق رفضه. ذلك بين لا في تفسير الإمام عبده للقرآن الكريم فقط حيث يحاول فهم الكثير من آيات الكتاب في ضوء معطيات العلوم الحديثة، بل في أعمال تلامذته ومتأّثري مدرسته من قاسم أمين إلى علي عبد الرازق وحسين هيكل ولطفي السيد وطه حسين في القرن العشرين. إذا كان الإسلام هويتي التي بها أتميز، وكان في الوقت نفسه دين العلم والمدنية، مناص، إذا أدت العلوم الوضعية في الغرب إلى اعتماد العلمنة، من أن اعتبر الإسلام قائلا بها كذلك. وهكذا خرج كتاب عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم بأن الإسلام لم يكن دولة في الأصل إذ لا نص على الخلافة في القرآن ولا هي في السّنة ولا حصل بشأنها إجماع. بل "الحق أن الإسلام بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون"، التي كانت "نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد" وإذ زال هكذا كون الإسلام دينا ودولة انفتح الباب أمام المشرقي على مصراعيه كي يكون مسلما إيمانا وهوية، وعلمانيا في الوقت ذاته، ذا نظرة وضعية غربية خالصة إلى سائر شؤون الكون والحياة. أما وقد بلغ التمايز عند جيل عبد الرازق بمن فيهم لطفي السيد وحسين هيكل في الباكر من إنتاجه حد التماثل، خاصة في مجال الفكر القومي والقومية المصرية، فأي جدوى يمكن بعد أن تجنى من بقاء ال"هم" وال"نحن". وهكذا يأتي طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر تتويجا لهذا المسار، فيلغي الجدلية من جذورها ويدمج ال"نحن" بال"هم" على أساس أّننا والغرب أبناء حضارة واحدة والمقومات موحدة الجذور والمنطلقات والأهداف، فلا تمايز أو تماثل ولا رفض أو قبول، بل "سنسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع" جاهدين في أن نمحو من قلوب المصريين، أفرادا وجماعات، هذا الوهم الآثم الشنيع الذي يصور لهم أّنهم خلقوا من طينة غير طينة الأوروبي وفطروا على أمزجة الأوروبية، ومنحوا عقولا غير العقول الأوروبية... علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات... علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يحمد فيها وما يعاب. إذا كانت جدلية الرفض والقبول قد أفضت بمسلمي العربية تحت شعار التمايز هوية وحضارة، إلى التماثل التام بل إلى الوحدة الخالصة فشرعنت دخول الغرب حضاريا إلى المنطقة من الباب الأوسع، فإّنها بالنسبة إلى مسيحي العربية منذ بدايات القرن وحّتى المهجرين قد سلكت، وإن على تواز، خطا آخر ترتبت عليه نتائج مختلفة. ذلك أن مبدأ ال"نحن" في المنطقة عند من استجار به من مسيحيي العربية في وجه ال"هم"، لم يكن الإسلام بل اللغة العربية. والأصعب والأصعب أن يفسر تفسيرا كاملا هذا الإقبال الملفت عند مثقفي المسيحيين المحليين منذ أوائل القرن الثامن عشر، على العربية وسائر علومها امتدادا من حلب إلى لبنان ولبنانيي مصر على امتداد القرن التاسع عشر. إن محاولات هؤلاء التعبيرية حّتى بدايات القرن الماضي ظّلت على وجه العموم ركيكة ومخلخلة مما جعل شاعر أحد بلاطات بغداد في حينه يحجم مثلا عن أن يحتفل بقصيدة شائعة ألا فاعفنا من رد شعر » : لأحد شعراء الأمير الشهابي في لبنان طلب إليه سيده داود باشا أن يعارضها، قائلا تنصرا. ألا إّنها ركاكة كان يحتدم خلفها جهد حار لتجاوزها إلى عربية أولى أصيلة خالصة تطلب لذاتها لا كوسيلة تقتضيها حاجة إلى إبلاغ، في ضوء هذا تفهم تلك الغيرة الشديدة مثلا التي يبديها نقولا الترك في إحدى قصائده على الشعر، بسبب قصور مجايليه الفاضح عن الوفاء بمقتضياته البنائية وصون مقدساته اللغطية وحرماتها. كما يفهم حرصه على التزام الأسلوب المقامي في التوجه إلى مولاه الأمير بشير وفي محاولاته الترفيه عنه.

ثم نبدأ فى الجزء التالى من ( الأدب المهجري: تأّثره بالغرب وتأثيره فيه2 )
الأدب المهجري: تأّثره بالغرب وتأثيره فيه2

بقلم الكاتب: د. نعيم نعيمه

ويقفز هذا الولاء الخالص للعربية وعلومها على أيدي الجيل اللاحق ممّثلا برجالات كناصيف اليازجي وفارس الشدياق وغيرهما قفزة تكاد تفوق كل توقع. ففي أعمال ك مجمع البحرين وسر الليال والجاسوس على القاموس والساق على الساق ومحيط المحيط ما يجعل أصحابها لا لغويين ممتازين فقط بل أئمة العربية في مختلف ديارها بلا منازع. وإن ما يلفت في كتاب ك مجمع البحرين، ليس فقط تلك الإحاطة الموسوعية بالعربية وفنونها وبمختلف ما يمكن لّلغوي أن يستحدثه من تحديات تعجيزية في هذه المجالات، بل أيضا توزيع مقاماته الستين على مختلف مدن العربية وقبائلها وديارها في أرضها التاريخية، من اليمن في أقصى الجنوب إلى الحجاز ومدنه ونجد وقبائلها إلى العراق وتخومه وسوريا وتوابعها وصولا إلى أنطاكية ونزولا إلى فلسطين وغزة ووادي النيل. إّنه ليصعب إزاء كل هذا ألا يخرج الباحث بأن هذا الإلحاح على اللغة وديارها عند مسيحيي العربية أكثر من مجرد هوس لغوي. فكأن فيه إثباتا لمبدأ هوية وتميز قوامه انتماء إلى أمة كانت العربية كما لم تزل علامتها الفارقة. فهي قوام ال "نحن" الذي في ضوئه يتم التميز عن ال"هم" ويتحدد مبدأ الفرض والقبول. أما أن هذه اللغة قد بدأت فعلا تتحول إلى عقيدة، فطلائعه ظاهرة واضحة عند غير واحد من الجيل اللاحق في حدود .« تنبهوا واستفيقوا أيها العرب » : منقلب القرن، كما في القصيدة الشهيرة لليازجي الإبن التي مطلعها إلا أن المفارقة في هذا المسار المسيحي، ليست في أّنه تحول باللغة إلى عقيدة فتحتم على العربية العقيدة أن تصطدم بعقيدة أخرى قائمة فعلا في صلبها وهي الإسلام، ذلك أن بالإمكان اعتبار الإسلام كما المسيحية المشرقية في جملة ما ينتمي إلى هذه العلامة الفارقة التي هي العربية، ولا حرج في اجتماع أبناء العقيدتين في ظلّ العقيدة اللغوية الجامعة. المفارقة الحّقة هي في أن ال"نحن" القائمة على اللغة كمبدأ هوية وتميز ستفضي إلى تصنيف ال"هم" من منطلق لغوي أيضا، فيغدو التمايز، أو مبدأ الرفض والقبول قائما على جدلية لغوية لا على جدلية مضامين. وهكذا لم يلبث العربي الجاهد في سبيل التميز هوية، أن غدا متميزا نطقا فقط. أما مضمون النطق، أما الناطق نفسه الذي ظلّ خارج الجدلية فلم يشمله الرفض وأضحى بالتالي غريبا خالصا. وبالغربنة هنا لا نعني فقط ما انتهى إليه نصارى العربية بعد منقلب القرن الماضي والعقود الأولى لهذا القرن من القول بالقومية عربية أكانت أم سورية أم محلية، أم بالاشتراكيات على أنواعها أثناء ذلك وبعده - وكل ذلك قائم على نظرة غربية خالصة، وإن معربنة، إلى الحياة المجتمع وطبيعة الأشياء- بل نعنيبا لغربنة أيضا، الفكر العربي المسيحي وما رافقه من أدب عربي على امتداد القرن التاسع عشر، من داروينية شبلي الشميل الاجتماعية، وسبنسرية يعقوب صروف وجماعة المقتطف وحّتى علمانية فرح انطون. إن هذا الفكر هو في حقيقة أمره فكر بالعربية لا فكر عربي. كذلك كان ما رافقه من أدب، أدبا بالعربية لا أدبا عربيا. ذلك أن الذي كانت تجسده الأقصوصة أو الرواية أو المسرحية أو غيرها من الفنون الأدبية المستحدثة والمقتبسة لم يكن شخصيات وأحداثا ومواجد عربية تقتضي بطبيعتها أساليب فنية بعينها للخروج متكاملة إلى النور، بل كان في مجمله أدبا غربيا يّتخذ من هذه الشخصيات وهذه الأحداث والمواجد ظاهرا عربيا. لقد كان من شأن مسرح مارون النقاش مثلا، أو روايات سليم البستاني ويعقوب صروف وحّتى محاولات جرجي زيدان في الرواية التاريخية، أن تسّلي العربي أو تمّتعه، أو تزيده ثقافة، معتمدة في ذلك المقتضيات الشكلية لهذه الفنون المستوردة. لكن ليس بينها واحدة تناولت النفس العربية لا كما يقتضيه الشكل بل كما تمليه الموجبات الضمنية لهذه الفنون، كأن نقبل على الذات العربية لا لنزيدها عن طريق الفن تسلية أو متعة أو معرفة أو ثقافة أو غير ذلك. فهذه شؤون كمية، الكم تعميمي، ولا شأن للفن الذي دأبه الفرادة، بعالم الكميات. فالفرادة تقتضي تناول الذات العربية لا من حيث الكم بل من حيث الكيف، فندخل إليها لا لنزيدها من هذا الأمر أو ذاك، بل لنبرز كم هي خصوصية في إقبالها على هذا الأمر أو ذاك وكم هي في كل ذلك فريدة ومتميزة ومستوجبة في تميزها تعبيرا متميزا. لم يكن متوقعا من الأدب العربي خلال القرن التاسع عشر وقد أفضت جدلية الرفض والقبول بأربابه، من حرص على التمايز إلى التماثل بل إلى الانصهار التام، أن يتكشف عن أي فرادة إن في مساره الإسلامي أو المسيحي.

فالانصهار الحضاري التام في المسار الإسلامي بين أبناء العربية والغرب الذي توجه أيديولوجيا طه حسين في العقد الرابع من القرن العشرين، كان قد انتهى إليه في العقد السادس من القرن الماضي، وإن بمنطق مختلف نسبيا، المعلم بطرس البستاني الذي يمكن أن يعتبر بحق إمام التجديد في حركة مسيحيي العربية آنئذ والروح الكامنة وراءها والمسددة لمسارها حّتى نهاية القرن. ففي محاولاته الحثيثة لجعل العرب ينفتحون على الغرب الحديث بعلومه وثقافته وحضارته من غير أن يشعروا هوية بالاغتراب، ذكر بما كان لأجدادنا أيام العباسيين من ثقة بالنفس في انفتاحهم على مختلف الحضارات الغربية وتعريبها وهضمها وتمثلها والبناء عليها. فانفتاحنا اليوم على تراث غريب لن يكون سوى انسجام مع ماضينا من جهة، واسترداد من جهة أخرى لحضارتنا نحن التي استدانها الغرب نفسه زمن كنا غافلين، وهاهو اليوم يعيدها إلينا مع فلتب ّ شر بنو سام لأن أولاد » : الفائدة. فالحضارة هذه إذن ليست اثنتين بل واحدة ولا فرق بين عربي وغربي عمهم بني يافت قد ابتدأوا يرجعون لهم ما أخذوه منهم مطبوعا وعلى ظهره اكتشافاتهم المتأخرة نظير فائدة لا .« رباء عن مدة أربعمائة سنة الهجرة اقتلاع، لذلك هي حنين إلى الجذور، من هنا كانت جدلية المغترب مع ديار غربته جدلية كيانية وجودية لا جدلية نظرية تتصل باللغة أو بالثقافة أو بالدين أو بالقومية أو غيرها من إيديولوجيات انتماء، كما كان واقع الأمر عند أهل العربية القائمين في ديارهم إذ واجهوا الغرب الحديث. فالمغترب قد يحتفظ في ديارغربته بلغته ودينه وثقافته وأيديولوجياته على أنواعها ويبقى مع ذلك غريبا، ذلك أن هذه جميعا إضافات على الذات من غير أن تكون هي الذات التي تحملها. في الجدليات تسقط الإضافات وتبقى الذات، فإن لم تكن ذات وكانت إضافات فقط عند أحد النقيضين، أفضى التباين إلى تماثل واتحاد، وهو ما كان من أمر مقيمي العربية مع الغرب الحديث وإنسانه. أما حنين المقتلع إلى جذوره، فهو في عمق حقيقته حنين إلى الذات التي كانت في الأصل قبل أن تطرأ عليها الإضافات: كانت في الأصل، فكانت لها بعد ذلك الإضافات: من إطلالتها الخاصة على الوجود، إلى تراثها المتميز الناتج عن خصائص كيانها وطبيعة تركيبها الروحي والذهني والشعوري لغة أكان أم دينا أم ثقافة أم حضارة. جدلية المهجريين في دار هجرتهم مع الغرب إذن لم تكن في عمقها جدلية إضافات، بل كانت عملية مواجهة بين ذات وذات، أو بين إنسان وإنسان؛ بين إنسان مشرقي عربي له مقوماته الذاتية الأصيلة التي تملي عليه نظرته الخاصة إلى الكون والحياة، وبين إنسان غربي له أيضا مقوماته ونظرته إلى الحياة والوجود. الإنسان، كسائر الكائنات جبلة وطبيعة، وأّنه من غير الممكن تغيير جبلة الأشياء من خارج طبيعتها. لذلك كان من شأن مواجهة الإنسان المهجري للغرب، وإن مست فيه بعض الإضافات كأن يستبدل عربيته بالانكليزية أو قناعته بغيرها من القناعات أو نظام حياته بنظام آخر، ألا تمس هويته التي كأّنها في الأصل بل أن تزيده نزوعا إليها وتشبثا بالولاء لها ووضوح رؤية لجوهر حقيقتها. ففيما كان مقيمو العربية ينزحون حضاريا في ديارهم فيها إلى تماثل مع غرب دخيل عليها، كان نزوح المهجريين من غرب هم فيه إلى التميز ذاتا وحضارة في شرق عربي ينتمون أصلا إليه. فكأن مشرقية المقيمين ما كانت إلا لتزيدهم تغربا وكأن تغرب المهجريين ما كان إلا ليزيدهم مشرقية. ففي حين كان طه حسين مثلا يدعو أبناء قومه في أواسط أن نسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع... وأن نصبح أوروبيين في كل » الثلاثينات إلى كان ميخائيل نعيمه يخاطب أبناء بلاده بعد « ... شيء... ونسلك طريقهم... لنكون لهم شركاء في الحضارة مدينة » ، شهر من وصوله في حزيران 1932 إليها تاركا خلفه عشرين سنة من الاغتراب في نيويورك وأنتم يا أبناء بلادي ليس يؤلمني من أمركم شيئا على قدر ما » : كما أطلق عليها، قائلا « الآلات والأزمات يؤلمني تطلعكم إلى الغرب، وجهدكم في تقليد مدنيته المحتضرة، واحتقاركم لأنفسكم ولكل ما فيكم من غنى فطري وعري روحي... يا أبناء بلادي، لا يبهرنكم برق يلعلع في عيون المدنية الغربية- إّنه لبرق خلب، ولا يهولنكم رعد يزمجر .« في صدرها- إّنه لحشرجة الموت الآلات » وبعد عشر سنين من اغترابه في الثانية عشرة من عمره إلى نيويورك، وانخراطه في مدينة نفسها، يسلك أمين الريحاني في بعض قراءاته الإنكليزية ما ارتد به إلى قومه وهو بعد يكاد لا « والأزمات يعرف عن هويتهم شيئا. يغوص في لجة ما يقرأ في التراث الغربي فلا يلبث أن يجد نفسه منسربا فيه إلى صاحب كتاب « كارليل » المشرقي فكرا وتصوفا، إلى « أمرسن » مجاري تعود به إلى مشرقه العربي من في كتابه عن حمراء الأندلس، إلى غيرهم من الغربيين « إيرفن » الأبطال، وعلى رأسهم النبي محمد، إلى النزاعين إلى الشرق. وهكذا تجري الجدلية بالريحاني لا من التباين إلى التماثل والانصهار بل من التماثل، وكان كارليل أول من عاد بي من وراء البحار إلى بلاد العرب... لله أنت أيها » : ارتدادا إلى الذات المتميزة البلاد العربية التي لم يشأ الله أن أجهلك حياتي كلها، فبعث إلي، وأنا بعيد عنك، إنكليزيا يعرفني إلى رسولك وأمريكيا يصف لي محاسن أبنائك... فصرت أحلم بذلك المجد الماضي أحلاما تمّثلني حيا فيه أو تمثله حيا أمامي... وكنت لا أعرف من لغتي غير اليسير اليسير، فتغلغلت في سراديبها دون أن أرثي لحالي

قرأت اللزوميات معجبا بها، ثم قرأتها مترّنحا ورحت أفاخر بأّني من الأمة التي نبغ فيها هذا الشاعر الحر الجسور.« الحكيم يروي نسيب عريضة، الذي كان قد مضى عليه أيضا ما يقرب العقدين من « قصة الصمصامة » وفي بقوة » في نيويورك وانجذابه « الميتروبوليتان » الاغتراب في مدينة الآلات والأزمات، قصة زيارته لمتحف خفية إلى قفص من البلور منفرد... فيه سيف وحيد قد سلّ بعضه من غمده ألقى على قطعة من الحرير .« سيف أبي عبد الله آخر أمراء العرب في الأندلس » : ورقعة من تحته تقول « شرقية النسيج والزركشة وعندما يهز الحارس كنف الكاتب مشيرا إلى موعد الإقفال، ينتبه إلى أّنه قد مضى عليه ذاهلا ساعات أمام ذلك القفص، قص السيف عليه خلالها مفارقات تنّقله العجيب منذ عهده بالوجود من يد قحطان، جد العرب العاربة، إلى ابن ذي يزن فهانيء بن مسعود الشيباني ومعركة ذي قار، إلى خالد بن الوليد، فالقادسية وهكذا مرورا بجملة من أبطال العربية ووقائعها الفاصلة في التاريخ شرقا وغربا حّتى انتهاء آخر معاقل مجدها على يد الغرب في الأندلس. قد كان بالإمكان التوّقف عند هذا الحد من استنطاق عريضة للسيف واعتبار ذلك الاستنطاق خيالات مغترب يحن في ديار هجرية إلى قومه وحضارته. إلا أن في القصة، بغض النظر عن مستواها الفني، جملة رموز دالة تتخطى مسألة الحنين والتخيل لتنفذ إلى الذات العربية كما ترى نفسها في تكونها البدئي، وكما تتمثل تبعا لذلك دورها الخصوصي في الحياة والوجود. فعندما يروي السيف عن بدء تكوينه، وهو في قصة عريضة رمز العروبة منذ تفتحها على الوجود، نفهم أّنه لم يصنع كما تصنع سائر السيوف من معدن ترابي. إّنه ليس كنت » مجرد سيف آخر بين أسياف مماثلة عرفتها سائر الحضارات والشعوب في التاريخ أو ستعرفها بل في أول أمري نارا سائلة في أحد النجوم القصية يضيء نوري بين الدراري في السماء. ولأمر ما من أمور الباري الخفية أُهبطت إلى الأرض في هيئة نيزك... في بلاد العرب النبيلة في طليعة تاريخها، فعثر علي قين.« يماني... أتم صقالي فصاغني سيفا يخطف البصر وهكذا كانت العروبة منذ البدء كما يرمز إليها سيف عريضة، ذاتا رسولية خصوصيتها أن تنير الأرض باسم السماء وأن تبدد الظلمة باسم النور وأن ترتفع بالسفلى عن طريق ما هو أعلى. من هنا جاء إعلانها على لقد أرسل الله إليها نارا من » : لسان السيف منذ يومها الأول في ضبابية التاريخ، ولعلّ ذلك كان في عدن.« السماء لنشعل المسكونة، فلتستعد جيوشنا لافتتاح الأرض ويرمز جبران خليل جبران، بعد ما يقارب العقود الثلاثة من اغترابه في غرب العلم والمختبر والآلة، إلى هذا العلوي الذي هو هاجس الذات المشرقية، ب إرم ذات العماد المدينة الأسطورية المغيبة في مجاهل الربع الخالي. أّنها مدينة الكشف الروحي التي ما لم تبلغها الذات وتطل من خلالها على العالم ظلت جميع معارفها المتعّلقة بدنيا المحسوسات والمجسدات جهالات مموهة باليقين. ذلك أن الشفيف سابق للمكثف والرؤيات سابقة للمرئي الذي هو الصورة المكثفة المعتمة لنورانيتها، أو كما تقول آمنة العلوية، بطلة حوارية جبران التي.« أن الخيال حقيقة لم تتحجر بعد » : تمكنت من بلوغ أرم وعادت لتعلم في ضوء ما خبرت لعلّ هذه النزعة الإرمية بالضبط هي ما كان معول جبران في موضوع التأثير والتأّثر بين شرق العربية والغرب الحديث إذ ألح على أن تكون للشرق ذاته المميزة ومعدته الخاصة، حّتى إذا تناول شيئا من مطابخ بدون أضراس تقضم ولا معدة تهضم، فالطعام يذهب سدى » الغرب حوله إلى ذاته هو. فإذا كان هذا الشرق بل ينقلب سما قاتلا... أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه ولكنه لا يتحول إلى كيانهم الشرقي بل يحولهم إلى شبه غربيين. إن روح الغرب صديق وعدو لنا... صديق إذا فتحنا .« له قلوبنا وعدو إذا وهبنا له قلوبنا
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
طلب تحقق ، دراسات عن الأدب المهجري- شعرا رحماني عبد القادر أرشيف طلبات الكتب 14 June 26, 2013 04:52 AM
دراسات عن الشعر المهجري رحماني عبد القادر أرشيف طلبات الكتب 1 August 8, 2010 04:50 PM
المعتزلة: قراءة في مخطوطات البحر الميت إسماعيل الجوهري كتب اسلاميه 0 August 18, 2008 09:44 PM
لماذا انصرف الناس عن قراءة الأدب؟ المقدام معلومات ثقافيه عامه 2 January 20, 2008 05:40 PM


الساعة الآن 08:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر