فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم May 26, 2011, 07:32 PM
 
محمد عفيفي مطر.. عبقريّة التنوّع


محمد عفيفي مطر.. عبقريّة التنوّع







أوّل معرفتي بالشاعر المصري الكبير محمد عفيفي مطر ترجع ربّما إلى أكثر من عشر سنوات.. كانت صورته في مجلّة أدبيّة أظنّها "الشرق" خصّصت لتكريم شاعر فلسطينيّ من عرب الداخل هو الشاعر فاروق مواسي... فيما بعد سألت صديقاً شاعراً عنه فعرفت حينها أن هذا الشاعر المصريّ الأسمر الذي تنتمي ملامحه إلى ملامح أجداده الفراعنة أحد أهمّ الرموز الشعريّة في مصر والعالم العربيّ بأسره وأحد الذين شكّلوا ظاهرة الشعر الستينيّ وأغنوا تجاربها وجوانبها.

ولكنّه مغيّبٌ في طبيعة الحال لعدم إتقانه الغناء في جوقة ببغاوات وطواويس القصر.. حزنت حينها ولم أفهم كيف يكون أحمد عبد المعطي حجازي في مقام ومحمّد عفيفي مطر في مقام آخر وشتّان شتّان بين المقامين.


الحقّ يقال بأنني لم أتوّفر على تجربة الشاعر حتى ذلك الحين ولم أقرأ له إلاّ قصائد متفرقّة هنا وهناك. قراءةً لم تلق الضوء الكامل على تجربته الشعرية بيْد أنني قرأت أعمال مجايليه أمل دنقل وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي.

أتذكّر الآن أنني عثرت في مطبعة صديق حيفاويّ على ديوانه الفذّ الجميل والذي شدّني من أوّل وهلة " إحتفاليات المومياء المتوّحشة " ولكنني لم أقم باستعارته لقراءته.. قمت فقط بتصفّحه تصفّحاً عابراً ولاحظت أنّه يحمل في طيّاته نفساً متمرّداً جديداً وتحوّلاً خطيراً.. لا يشبه شعر أمل دنقل إلاّ في جموحه وكبريائه وسخطه على بلاط السلطان الظالم.. هناك بعدٌ مميّزٌ ينأى بغنائيّته عن قصائد عبد الصبور وحجازي أيضاً.. شعرٌ يحمل النار المقدّسة الطاهرة والخصوبة والتنوّع العبقريّ والموسيقا الوليدة التي تدغدغ الأحاسيس قبل أن تصلها كإعصار جامح..

ندمت فيما بعد على عدم استعارتي هذا الديوان من الصديق ولكنني قرأت عنه كثيراً من خلال دراسات عن الشاعر وتجربته. ديوان "احتفاليات المومياء المتوّحشة " كتب داخل السجن في أوائل التسعينيّات عندما عارض الشاعر وقوف بلاده بجانب القوّات المتحالفة ضدّ العراق... فزّج به في السجن وعذّب بأن علّق من يده في دهليز السجن فكان لا يرى إلاّ الظلام ويظنّ من شدّة ألمه أنّ أولاده معه في السجن فكان ينادي عليهم بأسمائهم.. وتجربة السجن التسعينيّة هذه طالما حملته إلى مشارف الجنون والهذيان.

يقول الشاعر واصفاً ليله في سجن طرة في قصيدة بعنوان" هذا الليل":

اقتباس:هذا الليل يبدأ
دهر من الظلمات أم هي ليلة جمعت سواد
الكحل والقطران من رهج الفواجع في الدهور!
عيناك تحت عصابة عقدت وساخت في
عظام الرأس عقدتها،
وأنت مجندل – يا آخر الأسرى...
ولست بمفتدى..
فبلادك انعصفت وسيق هواؤها وترابها سبياً
وهذا الليل يبدأ،
تحت جفنيك البلاد تكومت كرتين من ملح الصديد
الليل يبدأ
والشموس شظية البرق الذي يهوي إلى
عينيك من ملكوته العالي،
فتصرخ، لا تغاث بغير أن ينحل وجهك جيفة
تعلو روائحها فتعرف أن هذا الليل يبدأ،
لست تحصي من دقائقه سوى عشر استغاثات
لفجر ضائع تعلو بهن الريح جلجلة
..
هذا الليل يبدأ
فابتدئ موتا لحلمك وابتدع حلما لموتك
أيها الجسد الصبور
الخوف أقسى ما تخاف.. ألم تقل؟!
فابدأ مقام الكشف للرهبوت
وانخل من رمادك، وانكشف عنك،
اصطف الآفاق مما يبدع الرخ الجسور..
--------------




27/3/1991 معتقل طرة

وهو ربّما في نظري الشاعر الأبرز في عصرنا الحاضر الذي دفع من دمه وألمه ثمن
معارضته واحتجاجه ورفضه. ولا أقيس به إلاّ الحلاّج أو بشّار بن برد في صدر الدولة العبّاسيّة.

يقول عنه الكاتب أحمد الفيتوري ما يلي: وانبثق محمد عفيفي مطر في الشعرية المصرية مفردا ، تميز بشعرية ضد السائد أيا كان السائد وأنه خارج السرب ، وامتزجت هذه الشعرية بعجين الثقافة العربية المصرية ، فكانت شعرية خصوصية حتى التماهي في جوهر كل ما هو إنسان ، متخلقة وخالقة لغة الوجود الإنساني المتعين في الزمان باعتبار الزمان صيرورة الإنسان في عين مكان ، وفي المكان حيث المكان من إبداع إنسان يخلق زمانه ويحقق وجوده.

وامتزج الشاعر في الشعر فكانت حياته شعره ؛ ”سنابل” الجهد والمثابرة والبحث والدرس وفلسفة المعنى ، ولهذا كانت مجلة ”سنابل” التي أصدرها في نهاية الستينات حيث لم يكن من السهل الكتابة فما بالك بإصدار مجلة في كفر الشيخ بلدة الشاعر؛ هذه المجلة التي قدمت المتميز والأصوات الجديدة والمعروفة حاليا في راهن الثقافة العربية".

سمعته بعد رحيله يتكلّم على فضائيّة النيل الثقافيّة بفيض عظيم من النوستالجيا عن الناس والحبّ والشعر والأرض والموت والمرأة كلاماً أقلّ ما يقال فيه أنّه فوق أجمل شعر في الدنيا.. كأنّما يمتح كلامه من هوّة ومناخات صوفيّة لا توجد في عالمنا بل تسكن كيان الشاعر الطائر في مجرّة قاصيّة. حتّى أنّ بعض المثقّفين العرب أطلقوا عليه لقب نفرّي الشعر المصريّ الحديث ولا نغفل ما قاله الشاعر العراقيّ الكبير عبد الوهاب البيّاتي عن عفيفي مطر بأنّه أحد أصفى الأصوات الشعريّة العربيّة في النصف الثاني من القرن العشرين.. وأنّه شاعرٌ استطاع أن يجد المعادلة الصحيحة التي توازن بين اللغة واللون والحسّ الصوفيّ والعشق القتّال الذي تسلّح به الصوفيّون أبداً.. شاعرٌ استطاع أن يصل أبعد ممّا وصل سواه.

اليوم بعد رحيله يوم الأثنين الفائت الثامن والعشرين من يونيو عام ألفين وعشرة أخفض رأسي لشاعر فارس أصيل عشق الأرض كما لم يعشقها شاعرٌ آخر وأقدّم زهرةً بيضاء مخمليّةً لطير ملوّن الريش طالما غرّد خارج سربه وكان نسيج ذاته أبدا.








__________________



رد مع اقتباس
  #2  
قديم May 30, 2011, 06:06 PM
 
رد: محمد عفيفي مطر.. عبقريّة التنوّع

عاني كثيرا ولكنه شخصيه عبقريه..

دمتي بود..
__________________

رد مع اقتباس
  #3  
قديم May 30, 2011, 09:25 PM
 
رد: محمد عفيفي مطر.. عبقريّة التنوّع

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب جميل جدا - ابتسم من فضلك - محمد عفيفي advocate كتب الادارة و تطوير الذات 19 April 26, 2014 02:21 AM
تحميل كتاب سيرة حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ألاء ياقوت كتب اسلاميه 0 July 24, 2010 10:22 AM
تحميل كتاب العلامة الشيخ عبد الرازق عفيفى ومعالم منهجه الاصولى ألاء ياقوت كتب التاريخ و الاجتماعيات 0 July 23, 2010 10:03 AM
معالجة العنف في المدارس للكاتب أحمد أبوزيد تقديم الباحث محمد عباس محمد عرابي محمس عربي مقالات الكُتّاب 1 March 4, 2010 12:47 AM
تائه في لندن - محمد عفيفي المقدام الروايات والقصص العربية 5 November 25, 2009 07:18 PM


الساعة الآن 01:50 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر