فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم April 21, 2011, 01:09 PM
 
ماريو فارغاس يوسا ...الفائز بنوبل للاداب 2010..




ماريو فارقاس يوسا

ولد يوسا عام 1936 في مدينة أريكويبا في بيرو، ويعيش حاليا في العاصمة الأسبانية مدريد. وترجم أكثر من 20 من أعماله إلى اللغات العالمية ومنها العربية. وقد كتب يوسا حتى الآن ما يزيد عن ثلاثين رواية ومسرحية، منها: "حديث في الكاتدرائية" و"البيت الأخضر". وقد حصل في عام 1995 على جائزة سيرفانتس، أرقي وسام أدبي في العالم الناطق بالإسبانية. ويعتبر فوز يوسا ثاني تكريم لأدب أمريكا اللاتينية بعد فوز الكاتب الكولومبي المشهور غابرييل غارثيا ماركيز بجائزة نوبل عام 1982

أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الأديب البيروفي ماريو فارغاس يوسا (74 عاماً) بجائزة نوبل للأدب عام 2010، ليكون ثاني أديب من أمريكا اللاتينية ينال أرفع الأوسمة الأدبية في العالم بعد الأديب الكولومبي الشهير غارثيا ماركيز.

لم يكن اسم الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا (74 عاماً) بعيداً عن قائمة الترشيحات لجائزة نوبل للآداب منذ سنوات طويلة. غير أن ظهور اسمه على القائمة ورجوعه في كل عام بخفي حنين جعله ربما لا يعلق آمالاً كبيرة هذا العام، لا سيما وأن التوقعات رجحت فوز كاتبة أو كاتب من أفريقيا أو أميركا الشمالية، كما رجحت فوز شاعر إذ أن هذا النوع الأدبي لم يحصل على جائزة نوبل منذ فوز البولندية فيسلافا سيمبورسكا عام 1996.

وهكذا استيقظ الروائي البيروفي في الخامسة صباح اليوم ليعد نفسه لإلقاء محاضرته في جامعة برنستون بنيويورك حيث يقيم في الوقت الحالي، وفي الظهيرة جاءه النبأ المفاجأة ليعلن عن غبطته وتأثره البالغ بهذا التكريم الذي انتظره طويلاً،بلا شك. وجاء في حيثيات الأكاديمية السويدية الملكية أنها قررت منح يوسا أرفع وسام أدبي في العالم تقديراً لبراعته "في تصوير هياكل السلطة وكذلك المقاومة والثورة والهزيمة في داخل الفرد".

Bildunterschrift: حصل يوسا 1995 على جائزة سيرفانتس، أرفع وسام أدبي في العالم الناطق بالإسبانية

فوز آخر لأمريكا اللاتينية

خطاب ماريو فارغاس يوسا
لدى تسلمه جائزة نوبل للآداب


تعلمت القراءة في سن الخامسة، في صف الراهب جوستنيانو، بكوليج لاسال، كوشبامبا (بوليفيا). ذا أهم ما حصل لي في حياتي. وها أنذا،بعد حوالي سبعين عاما، ما زلت أتذكر بوضوح تام كيف أن هذا السحر، الذي هو أن تترجم إلى صور كلمات الكتب، قد أغنى وجودي، وكسر حواجز القضاء والزمن، بأن سمح لي أن أقطع مع القبطان نيمو في غواصته عشرين ألف مكان تحت البحار [رواية جول فيرنٍ]، وأن أصارع إلى جانب أرتنيان، أتوس، وبورتوس، وأرامس، ضد المكائد التي هددت الملكة زمن الداهية ريشيليو، أو أن أتسلل في أحشاء باريس، وقد صرت جان فالجان[ بطل رواية البؤساء لفيكتور هوغو ] حاملا على ظهره جسد ماريوس الهامد. لقد حولت القراءة الحلم إلى حياة، والحياة إلى تهيؤ، لما وضعتْ عالم الأدب في يد الولد الذي كنت. وقد حكت لي أمي أن الأشياء الأولى التي كتبت هي تتمات الحكايات التي كنت أقرأ،لأنني كنت أحزن بانتهائها، وأنني أريد تصحيح النهاية. ربما كان هذا ما فعلته طيلة حياتي من غير أن أعلم: أن أمدد في الزمن ـ وأنا أكبر، وأنضج، وأشيخ ـ الحكايات التي عمّرت طفولتي بالحماس والمغامرات.
ما أشوقني لوجود أمي هنا بيننا، هي التي كانت شديدة التأثر، وتبكي وهي تقرأ أشعار أمادو نيرفو[ الشاعر المكسيكي ] وبابلو نيرودا [ الشاعر التشيلي ]، وكذلك جدي بيدرو، الذي لطاما احتفى بأشعاري، والعم لوشو، من شجعني كثيرا على الانهماك جسدا وروحا في الكتابة، رغم أن الأدب في هذه الفترة، وهذا المكان، لم يكن ليطعم محبيه إلا بالنزر اليسير. لقد عاش هؤلاء الناس دائما إلى جانبي، أحبوني وشجعوني، وكم بثوني إيمانهم حين يلحقني الشك. بفضلهم، ومن غير شك، أيضا، اعتمادا على عنادي وحظ لا بأس به، استطعت أن أكرس جزءا كبيرا من وقتي لهذا الهوس، هذه " العلة " والعجيبة: مُمثلةً في أن أكتب، أن أخلق حياة موازية حيث نحتمي ضد المحنة، وتجعل الطبيعي عجيبا، والعجيب طبيعيا، وُتبدد الخراب، وتجمِّل القبيح، وتخلِّد اللحظة، ويُمسي الموتُ مجرد مشهد عابر.
لم يك ثمة أصعب من كتابة الحكايات، فبمجرد ما تتحول إلى كلمات، تذبل المشاريع فوق الورق، وتتراخى الأفكار والصور. كيف يمكن إحياؤها، إذن؟ من حسن الحظ، فإن الأساتذة حاضرون لنتعلم منهم، ونحتذي مثالهم. فقد علمني فلوبير أن الموهبة هي انضباط مثابر وصبر طويل. ومن فوكنر تعلمت أن الشكل ـ كتابة وبنيةـ هي ما يغني أو يفقر المواضيع. وعن مارتوريل، ثربانتس، ديكنز، وبلزاك، كونراد، توماس مان، أخذت كون العددِ والطموح مهمين كذلك للرواية بقدر ما هي هامة المهارةُ الأسلوبية واستراتيجيةُ السرد. ومن سارتر أفدت أن الكلمات مواقف، وأن الرواية والمسرحية والبحث، وهي ملتزمة في زمنها وفي الاختيار الأفضل، يمكنها أن تغير مجرى التاريخ. ومن كامو وأورويل تعلمت بأن الأدب بدون أخلاق هو لا إنساني،ومن مالرو بأن البطولة والشعر الملحمي لهما مكانهما في الحاضر تماما كما كانا عليه في زمن الأبطال الأرغونوت الإغريق، والإليادة والأوديسة.
الحق أني لو استحضرت في هذا الخطاب كل من أنا مدين لهم من الكتاب، بقليل أو كثير، لألقت بنا ظلالهم في الظلام. فهم كثر. هم لم يعلموني أسرار مهنة الكتابة، حسب، بل وكشفوا لي عن مزالق الكائن، وأن أُعجب بمآثره، وأرتعب من انحرافاته. كانوا الأصدقاء الخدومين جدا، ومنشطي منزعي الأدبي، وفي كتبهم اكتشفت بأن ثمة دائما، وفي أسوأ الظروف، أمل. وبأن الحياة تستحق أن تعاش، ولو لمجرد معرفتنا أنه لولاها لما استطعنا، لا القراءة، ولا تخيل الحكايات.
وكم تساءلت إن لم تكن الكتابة في بلدان كبلدي، قراؤه قليلون، وفقراؤه غفيرون، وكثير من الأميين والمظلومين، وحيث الثقافة امتياز لطغمة؛ لكم تساءلت، إذن، أليست الكتابة ترفا توحُديا. غير أن هذه الشكوك لم ليخنق منزعي البتة، إذ ثابرت على الكتابة، حتى في أوقات امتصت فيها الأعمال المعيشية جل وقتي. أظن أني تصرفت بحكمة، ذلك أنه، ومن أجل أن يزهر الأدب في مجتمع ما لزم، أولا، الوصول إلى الثقافة الرفيعة، إلى الحرية، وإلى الرفاهية والعدالة، وبدون ذلك لما وُجِد. وبفضل الأدب، والوعي الذي كوّن، والرغاب والهالات التي ألهم، وخيبة الأمل في الواقع إذ تمتصها قصة جميلة، بفضل هذا أضحت الحضارة اليوم أقل رعبا مما كانت عليه حين شرع الرواة في أنسنة الحياة بحكاياتهم. ولكم كنا سنصبح أسوأ مما نحن عليه بدون الكتب التي قرأنا، أكثر محافظة، وأقل وسواسا، أكثر خضوعا، ولما وُجد الحس النقدي الذي هو محرك التقدم، قط. تماما مثلما يعني أنك إذ تكتب وتقرأ هما أن تحتج ضد نقائص الحياة. ومن يبحث في التخييل [ الرواية ] عن ما لا يملك، يعبر، من غير ما حاجة لقوله ولا علمه، أن الحياة كما هي لا تكفي لإطفاء غلتنا للمطلق، الذي هو عماد الوجود لإنساني، وينبغي أن يكون أفضل. ونحن نخلق التخييل لكي نعيش بطريقة ما الحيوات المتعددة التي نرغب، فيما لا نتوفر بالكاد، سوى على حياة واحدة. بدون تخييل سنصبح أقل وعيا بأهمية الحرية التي تجعل الحياة قابلة للعيش، والجحيم الذي تنقلب إليه حين يتم تمريغها تحت أقدام الطغاة، أو تحت سطوة إيديولوجية أو دين. وعلى الذين يشكون في أن الأدب الذي يغمرنا بحلم الجمال والسعادة، وينذرنا، فضلا عن هذا، ضد كل أشكال الاضطهاد، عليهم أن يتساءلوا لماذا يخاف الأدبَ كل تلك الأنظمة المهووسة بمراقبة سلوك مواطنيها من المهد إلى اللحد،إلى حد وضع نظم رقابة لقمع ومراقبة الكتاب المستقلين. تعرف هذه الأنظمة في الواقع أي خطر في ترك الخيال يرسل خطابه في الكتب، وكم هي مفتنة الروايات حين يقارن القارئ الحرية التي تتيحها وتنشرها، مقارنة بالظلامية والخوف للذين يتربصان به في العالم الواقعي. إن نساج الحكايات، سواء رغبوا في ذلك أو لم يرغبوا، علموا أو لم يعلموا، يعملون بخلقهم القصص على نشر عدم الرضا، بإظهارهم كيف أن العالم مصنوع خطأً، وأن حياة الخيال أغنى من رتابة اليومي. وهذه المعاينة، إذا ما استقرت في الحساسية والوعي، تجعل من الصعب تطويع المواطنين، وتقبلهم لأكاذيب الذين يريدون إقناعهم أنهم، وهم واقعون في شرك المحققين والسجانين، يعيشون عيشة راضية.
إن الأدب الجيد يمد الجسور بين ناس مختلفين، وهو بإمتاعنا، وإبهارنا أو إيلامنا، يوحدنا، مخترقا اللغات والأديان، والعادات والتقاليد والأحكام المسبقة التي تفرق بيننا. وحين يضرب سمك القرش الأبيض الهائل القبطان أشاب [ موبي ديك ] فقلوب القراء تنقبض وهي في طوكيو، أو ليما، أو تومبوكتو. وحين تبلع إيما بوفاري [ مدام بوفاري ] سُمَّها، وترتمي أنا كارنينا تحت قطار، أو حين نتبين أن جميع سكان كومالا، قرية بيدرو برامو [ عنوان الرواية الشهيرة للمكسيكي خوان رولفو ]، فالرعشة ذاتُها تنتاب في القارئ، آمنَ ببودا، أو كونفوشيوش، عيسى، أو الله، وسواء ارتدى سترة بربطة أوجلبابا، أو كيمونو. إذ الأدب يخلق أخوة داخل التنوع البشري، ويسقط الحدود القائمة بين الرجال والنساء بسبب الجهل والأديان، واللغات، والغفلة.
وكما عرفت كل العصور خوفها الخاص، فإن عصرنا هو عصر التطرف، والإرهاب الانتحاري، وهو نوع قديم يعتقد أنه بالقتل ُتشترى الجنة، وأن دم الأبرياء يغسل العار الجماعي، ويصحح الظلم، ويفرض الحقيقة على المعتقدات الزائفة. ولكم من ضحية تذهب يوميا في أماكن متفرقة من العالم، على يد من يشعرون أنهم مالكو الحقيقة المطلقة. وقد كنا اعتقدنا أن انهيار الإمبراطوريات الشمولية، وأن التعايش، والسلام، والتعددية، ستؤدي إلى استتباب حقوق الإنسان، وأن العالم سيترك وراءه الأهوال، والغزوات وحروب الإبادة، والحال أننا إنما نرى من جديد استفحال أشكال جديدة من الوحشية، تؤججها أشكال التطرف، ولا نستبعد قيام حرب نووية بوقوع أسلحة الدمار الشامل في يد جماعات متطرفة. لذا، ينبغي قطع الطريق في وجههم، وتفكيكهم. وهم ليسوا عديدين، حتى ولو دوّت شظايا جرائمهم في آفاق الدنيا. علينا أن لا نقع تحت تهديد الذين يريدون سلب الحرية التي كسبنا في المدى الطويل والبطولي للحضارة. لندافع عن الحرية الليبرالية، فهي برغم ما ينقصها، تعني التعددية السياسية، والتعايش، والتسامح، وحقوق الإنسان، واحترام النقد، والمساواة، والانتخابات الحرة، التناوب على الحكم، وكل ما أخرجنا من حياة التوحش، وقرّبنا، دون أن ندركها أبدا، من الحياة الجميلة والكاملة التي يوهم بها الأدب، الحياة التي لن نستحقها إلا بابتكارها، بكتابتها وقراءتها. كما أننا بمواجهتنا للمتطرفين القتلة ندافع عن حقنا في الحلم وفي جعل أحلامنا حقيقة. في شبابي، وشأن عديد كتاب من جيلي، كنت ماركسيا، وآمنت بأن الاشتراكية هي الدواء ضد الاستغلال، والظلم الاجتماعي الضاربين لبلادي[ البيرو ] وأمريكا اللاتينية وباقي العالم الثالث. وإذ تركت خلفي النزعة االدولتية والجماعية، جاء عبوري إلى وضع الديموقراطي والليبرالي الذي صرته ـ أحاول ـ جاء صعبا وطويلا، وتحقق ببطء.(...).
وفي طفولتي حلمت بالذهاب إلى باريس، لأنني بافتتاني بالأدب الفرنسي، حسبت أن العيش هناك، وتنفس! الهواء الذي استنشقه بلزاك، وستندال، وبودلير، وبروست، سيساعدني على أن أتحول إلى كاتب حقيقي، وأنني بعدم الخروج من البيرو لن أكون أكثر من كاتب هاو. الحق أني مدين لفرنسا وللثقافة الفرنسية بفوائد جمة لا تتنسى، منها القول بأن الأدب موهبة بقدر ما هو انضباط، هو عمل ومثابرة. لقد عشت هناك وسارتر وكامي حيان ويكتبان، في سنوات بيكيت، وباتاي، يونيسكو وسيوران، خلال اكتشاف مسرح بريخت وسينما إنغمار برغمان، مسرح جان فيلار وجان لوي بارو، الموجة الجديدة للسينما، والرواية الجديدة، وزمن الخطابات وقطع الحماسة الأدبية لأندري مالرو، وكذا الفُرجة الأكثر مسرحية لأوروبا آنئذ، ممثلة في الندوات الصحفية والضربات المدوية للجنرال ديغول. بيد أن لفرنسا عليّ ديْناً أكبر كونها عرفتني على أمريكا اللاتينية. ففيها تعلمت أن البيرو جزء من مجموعة واسعة يُوحَِدها التاريخ، والجغرافيا، والإشكالية الاجتماعية والسياسية، وبطريقة ما للوجود وباللغة العذبة التي تتحدث وتكتب. وأنها خلال تلك السنوات أنتجت أدبا مجددا ومثيرا. هنا قرأت بورخيس، أوكتافيو باث، كورتثار، غارسيا ماركيز، كارلوس فوينتس، كابريرا أنفانتي، رولفو، أونيتي، كاربانتيي، إدواردس، دونوسو وآخرين ممن ثوّرتْ نصوصهم الكتابة السردية باللغة الإسبانية، وبفضلهم اكتشفتْ أوروبا مع قسم مهم من العالم بأن أمريكا اللاتينية ليست بلد الانقلابات العسكرية فقط، والزعماء من قش، والمحاربين الملتحين، أو راقصي المامبو والتشا تشا تشا، بل، وأيضا، قارة الأفكار والأشكال الفنية والنزوات الأدبية ذات اللسان العالمي. منذ هذه الفترة وإلى يومنا، وبما لا يخلو من تعثر وأخطاء، حققت أمريكا اللاتينية خطوات متقدمة، إنما، وكما قال سيزار فاليخو في هذا البيت: " يا إخوتي هناك كثير مما ينبغي أن يأتي".
(...) لنعد إلى الأدب. ليست جنة الطفولة عندي أسطورة أدبية، ولكن حقيقة عشتها، وتمتعت بها في بيت العائلة بكوشابامبا، أو مع بنات عمي ورفاقي في الصف المدرسي، حيث كنا نقلد قصص تارزان وسالغاري... خلال هذه السنوات، كانت الكتابة لعبة تصفق لها عائلتي، وتحتفي بي، أنا الحفيد، الإبن بلا أب، لأن أبي كان قد رحل عن هذا العالم. أتذكره: رجل ذو قامة عالية، ووجه حسن، وبهندام بحّار، والذي صورته منصوبة عند حافة سريري أقبلها بعد أداء صلاتي، وقبل النوم. وذات صباح في بيورا، لم أتعاف أبدا من صدمته، أسرّت لي أمي أن هذا الرجلَ حيٌّ يُرزق، وأننا من هذا اليوم سنذهب إلى ليما للعيش معه. كنت في الحادية عشرمن عمري،ومنذئذ تغير كل شيء عندي. فقدتُ براءتي واكتشفت الوحدة والحياة الراشدة والخوف. ونجوت بالقراءة، قراءة الكتب الجيدة، لُذت فيها بعوالم مثيرة، كثيفة، مغامرةً إثر مغامرة، وحيث شعرت بالحرية وبالسعادة من جديد. كذلك بالكتابة في الخفاء، مثل من يمارس رذيلة، أو هوىً محرما. منذئذ كف الأدب عن كونه لعبة ليتحول إلى طريقة لمقاومة المحن، وللاحتجاج، والتمرد، والإفلات من الشطط؛ أضحى غاية للعيش. منذئذ، وإلى الآن، وفي المناسبات التي شعرت فيها بالإنهاك، وعلى حافة اليأس، يصبح انهماكي جسدا وروحا في عملي الروائي ضوءاً يشير إلى مخرج النفق، وطوق النجاة الذي يقود إلى بر الأمان.
ورغم أن هذا يمثل شغلا شاقا، ويسيلني عرقا، ولأني على غرار كل كاتب أحس أحيانا بتهديد شلل الخيال أو توقفه، فلا شيء أمتعني في الحياة نظير قضاء أشهر وسنوات في بناء قصة، منذ ولادتها غير الموثوقة، هذه الصورة التي اختزنتها الذاكرة من نثار تجربة معيش وغدت مقلقةً وحماساً ونزوة، إلى أن تثمر مشروعا وقرارا بتحويل هذا الضباب الآهل بالأشباح إلى قصة. لقد قال فلوبير: " أن تكتب، لهي طريقة في العيش ". بكل تأكيد، طريقة للعيش في الوهم والفرح، بنارتلعلع في الرأس، بمحاربة الكلمات العِصيَّة إلى أن تطوع، وباستكشاف العالم الواسع صنيعَ صياد خلف طريدة ليغذي تخييله الناشئ، ويُهدِّئ من الشهية المفترسة لكل قصة تنزع وهي تكبر إلى افتراس باقي القصص الأخرى. هي أيضا الوصول إلى الإحساس بالدُّوار الذي ترمينا فيه رواية قيد التكوين، حين تتشكل وتبدو وهي تحيا لحسابها الخاص، بشخصيات تتحرك، تعمل، تفكر وتحس، وتتطلب الاحترام والاعتبار، والتي لا يمكن أن نفرض عليها عسفا أي سلوك، ولا أن نحرمها من اختيارها الحر، وإلا قتلناها، بدون أن تفقد القصة قدرتها على الإقناع؛ هذه هي التجربة التي تعجبني دائما، كما أعجبتني المرة الأولى، بكل امتلائها وهوسها، الشبيهين بممارستنا للحب مع المحبوبة أياما وأسابيع وشهورا، بدون توقف.
(...) إن الأدب لهو تمثيل مغشوش للحياة، يساعدنا مع ذلك على الاهتداء في المتاهة التي ولدنا فيها، التي نعبر، وحيث سنموت. هي تعوضنا عن خسائر وإحباطات نُمنَى بها في الحياة الحقيقية، وبفضلها نفكك، جزئيا على الأقل، الهيروغليفيا التي هي بمثابة الوجود بالنسبة لغالبية البشر، خاصة نحن، الذين نمتلئ بالشكوك أكثر من اليقين، ونعلن ارتباكنا إزاء مواضيع كالتعالي، والمصير الفردي والجماعي، والروح، والمعنى ولا معنى التاريخ، والعقلانية..
لقد فتنت دائما وأنا أتخيل الظرف الملتبس حين كان أسلافنا،وهم بالكاد يختلفون عن الحيوان، وللتو وُلِد الكلام الذي سمح لهم بالتواصل بينهم، وقد شرعوا في المغارات، وحول نار حطب،في الليالي المحفوفة بتهديد البروق والرعود، وزئير الوحوش، في اختلاق الحكايات وروايتها. لقد كانت هذه اللحظة الحاسمة لمصيرنا، إذ في حلقات الكائنات البدائية المشدودة إلى صوت خيال الحكواتي، هذه، بدأت الحضارة، هذا المسار الطويل، الذي سيؤنسننا شيئا فشيئا ويتيح لنا ابتكار الفرد ذي السيادة، بفصله عن القبيلة، ومعه العلم والفنون، القانون والحرية، ولتقصي ثنايا الطبيعة، وجسم الإنسان، والفضاء، وللسفر في الكواكب. هذه الحكايات والخرافات والأساطير، التي تتردد في المرة الأولى كموسيقى جديدة أمام مستمعين مرتعبين من غوامض ومخاوف عالم كلُّ شيء فيه كان مجهولا وخطيرا؛ لاشك أنها مثلت حمّاما منعشا، وملاذاً لأرواحٍ دائما على حافة القلق، والتي كان الوجود عندها لا يكاد يتعدى الأكل، والاحتماء من عوارض الطبيعة، والقتل والتوالد. وبمجرد ما بدؤوا يحلمون جماعة، ويتقاسمون خرافاتهم المغذاة بحكايا الرواة، انعتقوا من غلِّ العيش وحده، ودوامة الأعمال المنهكة، وتحولت حياتهم إلى حلم، متعة وأُلهية، وإلى مصير ثوري ـ أي القطع مع هذه العزلة، وتغيير أوضاعهم وتحسينها ـ ومعركةً لتخفيف التطلعات والمطامح المستثارة لديهم بالحيوات المجازية، وبفضول كشف مجاهل يعكسها محيطهم.
وقد اغتنى هذا المسلسل الذي لم يتوقف أبدا بولادة الكتابة، ولم تعد الحكايات ُتسمع فقط، بل وتٌقرأ أيضا لتبلغ الديمومة التي يخولها لها الأدب. ولذا علينا أن لا نتوقف عن تكرار القول إلى أن تقتنع الأجيال الجديدة، بأن التخييل [ القصة، الرواية ] هي أكثرمن تسلية، أكثر من ممارسة ثقافية تشحذ الحساسية وتوقظ الفكر النقدي. بإنها ضرورة لابد منها لتستمر الحضارة، ولتتجدد وتحفظ فينا أفضل ما لدى الإنسان. وحتى لا نتقهقر إلى وحشية اللا اتصال، ولا تنحسر الحياة في براغماتية المتخصصين، يرون الأشياء في العمق، لكن يجهلون ما يحيط بهم، يسبقهم، ويليهم. ومن أجل أن لا نتحول إلى عبيد وخدم للآلات التي اخترعوا. ولأن عالما بلا أدب سيُمسي عالما بلا رغبات، بلا مثل، بلا جرأة،عالمَ مؤتمتين مفتقرين لما يصنع الإنسان حقا، أي قدرتَه على الخروج من نفسه ليصبح آخر وآخرين، عالما مجبولا بطين أحلامنا.
من المغارة إلى ناطحة السحاب، من الدبوز إلى أسلحة الدمار الشامل، من الحياة الرتيبة للقبيلة إلى عهد العولمة، ضاعفت تخييلات الأدب تجارب البشرية بحيلولتها دون أن نتهاوى في الخمول والانطواء، والاستسلام. لاشيء زرع القلق، وهز الخيال والرغبات مثل حياة الأكاذيب التي نضيفها إلى ما عندنا بفضل الأدب،حتى نتعرف على المغامرة الكبرى والمبتغى الأكبر الذي لن تهبه لنا الحياة الحقيقية أبدا. إن أكاذيب الأدب تصبح حقائق عبرنا نحن، قراءها، المتحولين، المصابين بعدوى المطامح، وهذا جراء خطأ التخييل، الذي يعيد دوما النظر في الحقيقة الهزيلة.. بهذا السحرالذي يهدهدنا بوهم امتلاكنا لما ليس بحوزتنا، وبكوننا ما لسنا عليه، وبالانتقال إلى هذا الوجود المستحيل، الذي، شأن الآلهة الوثنية، يجعلنا نحس بأنفسنا أرضيين وسرمديين في آن واحد، به يبث الأدب في نفوسنا روح الاختلاف والتمرد اللذين يثويان خلف كل الوعود التي ساهمت في كل مآثر ما خفف العنف في العلاقات البشرية. أقول ساهم في تخفيف العنف لا إنهائه، لأن عنفنا سيبقى دائما، من حسن الحظ، تاريخا ناقصا. لهذا نحتاج إلى الاستمرار في الحلم، في القراءة والكتابة، وهي الطريقة الأمثل ما وجدناه للتخفيف من وضعنا المتردي، وللانتصار على استنزاف الزمن، وجعل الممكن مستحيلا.



17/12/2010
العلم الثقافي
ترجمة: أحمد المديني



رد مع اقتباس
  #2  
قديم April 23, 2011, 08:34 AM
 
رد: ماريو فارغاس يوسا ...الفائز بنوبل للاداب 2010..

بسم الله الرحمن الرحيم

مشكورة خيتووو

معلومات جديدة

قيمة

و فريدة

بانتظار جديدك
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم May 12, 2011, 11:19 AM
 
رد: ماريو فارغاس يوسا ...الفائز بنوبل للاداب 2010..

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة lady bathory مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم


مشكورة خيتووو

معلومات جديدة

قيمة

و فريدة


بانتظار جديدك
العفو........شكرا لمرورك.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من هو الفائز؟؟ رقه ورده النصح و التوعيه 2 February 25, 2011 08:47 PM


الساعة الآن 12:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر