فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم November 23, 2010, 09:24 PM
 
Rose جبران خليل جبران والبنفسجه الطموحه

البنفسجة الطموحة



كان فى حديقة منفردة بنفسجة جميلة الثنايا طيبة العرف ، تعيش مقتنعة بيت أترابها وتتمايل فرحة بين قامات الأعشاب .
ففى صباح ، وقد تكللت بقطر الندى ، ورفعت رأسها وتنظرت حواليها فرأت وردة تتطاول نحو العلاء بقامة هيفاء ورأس يتسامى متشامخاً ، وكأنه شعلة من النار فوق مسرجة من الزمرد .
ففتحت البنفسجة ثغرهل الأزرق وقالت متنهدة : ما أقل حظى بين الرياحين ، وما أوضع مقامى بين الأزهار ! فقد ابتدعتنى الطبيعة صغيرة ، وحقيرة أعيش ملتصقة بأديم الأرض ، ولا أستطيع أن أرفع قامتى نحو ازرقاق السماء أو أحول وجهى نحو الشمس مثلما تفعل الورود .
سمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة فاهتزت ضاحكة ..ثم قالت : ما
أغباك بين الأزهار ! فأنت فى نعمة تجهلين قيمتها . فقد وهبتك الطبيعة من الطيب والظرف والجمال ما لم تهبه لكثير من الرياحين . فخلى عنك هذه الميول العوجاء والأمانى الشريرة ، وكونى قنوعة بما قسم لك ، واعلمى أن من خفض جناحه يرفع قدره ..و ان من طلب المزيد وقع فى النقصان .
فأجابت البنفسجة قائلة : أنت تعزيننى أيتها الوردة لأنك نائلة ما أتمناه ، وتغمرين حقارتى بالحكم لأنك عظيمة ، وما أمر مواعظ السعداء فى قلوب التاعسين ! و ماأقسى القوى إذا وقف خطيبا بين الضعفاء .
وسمعت الطبيعة ما دار بين الوردة والبنفسجة ..فاهتزت مستغربة ثم رفعت صوتها قائلة !
ماذا جرى لك يا ابنتى البنفسجة ؟ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك ، عذبة بصغرك ، شريفة بمسكنتك ، فهل استهوتك المطامع القبيحة ، أم سلبت عقلك العظمة الفارغة ؟
فأجابت البنفسجة بصوت ملؤه التوسل والإستعطاف :
أيتها الأم العظيمة بجبروتها ، الهائلة بحنانها ، أضرع اليك بكل ما فى قلبى من التوسل ، وما فى روحى من الرجاء أن تجيبى طلبى وتجعلينى وردة ولو يوما واحدا ..
فقالت الطبيعة : انت لا تدرين ما تطلبين ، ولا تعلمين ما وراء العظمة الظاهرة من البلايا الخفية ، فإذا رفعت قامتك ، وأبدلت صورتك وجعلتك وردة تندمين حين لا ينفع الندم ..
فقالت البنفسجة : حولى كيانى البنفسجي إلى وردة مديدة القامة مرفوعة الرأس ، ومهما يحل بي بعد ذلك يكن صنع رغائبى ومطامعى .
فقالت الطبيعة : لقد أجبت طلبك أيتها البنفسجة الجاهلة المتمردة ، ولكن إذا دهمتك المصائب والمصاعب فلتكن شكواك من نفسك .
ومدت الطبيعة أصابعها الخفية السحرية ، ولمست عروق البنفسجة فتحولت بلحظة إلى وردة زاهية متعالية فوق الأزهار والرياحين .
لما جاء عصر ذلك النهارد تلبد الفضاء بغيوم سوداء مبطنة بالإعصار . ثم هاجت سواكن الوجود فأبرقت وأرعدت وأخذت تحارب تلك الحدائق والبساتين بجيش عرمرم من الأمطار والأهواء . فكسرت الأغصان ولوت الأنصاب ، واقتلعت الأزهار المتشامخة ، ولم تبق إلا الرياحين الصغيرة التى تلتصق بالأرض أو تختبئ بين الصخور .
أما تلك الحديقة المنفردة فقد قاست من هياج العناصر ما لم تقاسه حديقة أخرى .
فلم تمر العاصفة ، وتنقشع الغيوم حتى أصبحت أزهارها هباءا منثورا ، ولم يسلم منها بعد تلك المعمعة الهوجاء سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدار الحديقة.
ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها ، فرأت ما حل بأزهار الحديقة وأشجارها فابتسمت فرحا ثم نادت رفيقاتها قائلة : ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة تيها وإعجابا ً.
وقالت بنفسجة أخرى : نحن نلتصق بالتراب ، ولكننا نسلم من غضب العواصف والأنواء.
وقالت بنفسجة ثالثة : نحن حقيرات الأجسام غير أن الزوابع لا تستطيع التغلب علينا .
ونظرت إذا ذاك مليكة طائفة البنفسج فرأت على مقربة منها الوردة التى كانت بالأمس بنفسجة وقد اقتلعتها العاصفة وبعثرت أوراقها الرياح ، وألقتها
على الأعشاب المبللة فبانت كقتيل أرداه العدو بسهم .
فرفعت مليكة البنفسج قامتها ، ومدت أوراقها ، ونادت رفيقاتها قائلة : تأملن ، وانظرن يا بناتى ..انظرن إلى البنفسجة التى غرتها المطامع ، فتحولت إلى وردة لتتشامخ ساعة ، ثم سقطت إلى الحضيض ..ليكن هذا المشهد أمثولة لكنَّ .
عندئذ ارتعشت المحتضرة واستجمعت قواها الخائرة ، وبصوت متقطع قالت :
ألا فاسمعن أيتها الجاهلات المقتنعات ، الخائفات من العواصف والإعصار ، لقد كنت بالأمس مثلكن ، أجلس بين أوراقى الخضراء مكتفية بما قسم لى ، وقد كان الأكتفاء حاجزا منيعاً يفصلنى عن زوابع الحياة وأهوائها ، ويجعل
كيانى محدودا ً بما فيه السلامة ..متناهيا بما يساوره من الراحة والطمأنينة
. ولقد كان بإمكانى أن اعيش نظيركن ملتصقة بالتراب حتى يغمرنى الشتاء بثلوجه ، وأذهب كمن ذهب قبلى إلى سكينة الموت والعدم قبل أن أعرف اسرار الوجود ومخبآته غير ما عرفته طائفة البنفسج منذ وجد البنفسج على سطح الأرض...لقد كان بإمكانى الإنصراف الى المطامع ، والزهد فى الأمور التىتعلو بطبيعتها عن طبيعتى .
ولكنى أصغيت فى سكينى الليل فسمعت العالم الأعلى يقول لهذا العالم " إنما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود " فتمردت نفسى على نفسى ، وهام وجدانى بمقام يعلو عن وجدانى ، ومازلت أتمرد على ذاتى ، وأتشوق إلى ما ليس لى ، حتى انقلب تمردى إلى قوة فعالة ، واستحال شوقى إلى إرادة مبدعة فطلبت إلى الطبيعة ، وماالطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية ، أن تحولنى إلى وردة ففعلت ، وطالما غيرت الطبيعة صورها ورسومها بأصابع الميل والتشويق .
وسكتت الوردة هنيهة : ثم زادت بلهجة مفعمة بالفخر والتفوق : لقد عشت ساعة كوردة ..ولقد عشت ساعة كملكة ، لقد نظرت الى الكون من وراء عيون الورود ، وسمعت همس الأثير بآذان الورود ، وملست ثنايا النور بأوراق الورود ، فهل بينكن من تسطتيع أن تدعى شرفي ؟
ثم لوت عنقها ، وبصوت يكاد يكون لهاثا ، قالت : أنا أموت الآن . اموت وانا عالمة بما وراء المحيط الحدودى الذى ولدت فيه . وهذا هو القصد من الحياة . هذا هو الجوهر الكائن وراء عرضيات الأيام والليالى .
وأطبقت الوردة أوراقها وارتعشت قليلا ،،،ثم ماتت وعلى وجهها ابتسامة علوية ، ابتسامة من حققت الحياة أمانيه ، ابتسامة النصر والتغلب ، ابتسامة من الله !


-كن كما تُريد لا كما الاخرون يريدونك
-اسعي لان تكون افضل والافضل
-ثق بالله ثم نفسك انك تستطيع تحقيق اي شئ مهما كان


هل علمتكم التجربه شئ آخر؟
رد مع اقتباس
  #2  
قديم November 23, 2010, 09:45 PM
 
رد: جبران خليل جبران والبنفسجه الطموحه

ان اتغلب على كل ما يراودني
__________________
يُراقبني مِن بعيد ،
يراني أضحگُ كثيرًا : )
فيظُن أني نسيتهہ !
و يرحَل ..

رد مع اقتباس
  #3  
قديم November 24, 2010, 07:43 AM
 
رد: جبران خليل جبران والبنفسجه الطموحه

رائع يا اجمل احساس ( اننا لم نخلق انفسنا بايدينا ، لكن الذي اوجدنا ليس عبثا وانما ارادنا لشئ نعمله ، سبحانه وتعالى ) نحمد الله على نعمة القناعة
تحياتي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النبي - رائعة جبران خليل جبران advocate كتب الادب العربي و الغربي 64 February 19, 2013 06:47 PM
اقوال في الحب بأقلام المشاهير افلاطون ارسطو جبران خليل جبران وغيرهم صفو الايمان كلام من القلب للقلب 4 September 11, 2012 02:57 PM
مناجاة ارواح - جبران خليل جبران advocate الروايات والقصص العربية 5 September 18, 2009 11:42 PM
عيسى ابن الانسان ........رائعة جبران خليل جبران !! nebr كتب الادب العربي و الغربي 5 July 4, 2009 10:45 AM
البدائع والطرائف - جبران خليل جبران advocate كتب الادب العربي و الغربي 6 January 20, 2008 09:04 PM


الساعة الآن 04:53 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر