فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم December 30, 2009, 02:19 AM
 
الدكتور فريد عبدالخالق ودكتوراه بعد التسعين

لم تكن مفاجأة كما وصفها الكثيرون أن يتفرد المربي الفاضل الدكتور "محمد فريد عبد الخالق" بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة، وذلك في 17 من نوفمبر 2009م وبعد تسعة عقود قضى أكثرها في الدعوة إلى الله منذ تعرف على الشيخ حسن البنا -رحمه الله- مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في حقبة الأربعينيات. ومن منظور الناس أن الرجل بعد أن بلغ 94 عامًا -وهو رقم له مغزى- يريد أن يحقق حلمًا كان يراوده منذ كان يافعًا، أو لعلّه يريد أن يدخل موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، أو أن لديه فضل قوة وفراغ، وقد كسر حاجز التسعينيات يريد أن يستغلها لتحقيق مجدٍ ما، أو إرضاء نفس تواقة إلى فعل شيء جديد غير مسبوق ليشار إليه بالبنان، فالعمل بالدعوة إلى الله يمنح الحياة كلها بركة.



لكن الرجل لم يكن في حاجة إلى حزمة الاحتمالات التي يزن بها الناس الأمور بموازين لا تخلو من الخلل، فهي موازين مادية، فالأستاذ فريد عبد الخالق كان من الدُّعاة إلى الله على بصيرة، وحمل عبء الدعوة مهما كلفته من جهد وعناء، ونال ما يمكن أن يناله رجل في مثل موقفه في دولة لها موقف من الدعاة إلى الله.



من هذا المنطلق قال الأستاذ محمد فريد عبد الخالق في باعث التقدم بهذه الأطروحة التي تعدّ درسًا للأجيال، وزادًا تربويًّا لمن عانى الضعف والهزال والشيخوخة المبكرة وهي ما زالت في ريعان شبابها، فقد قال رسولنا r: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"[1]. كأن الأستاذ في علوّ الهمة يعطي الأجيال درسًا في الثبات، فما غيّر وما بدل طوال عمره المبارك.



هذا التقديم من أجل إنجاز جديد لرجل تجاوز التسعينيات، وما بين 1915- 2009م عاصر أحداثًا كثيرة، وقضى زهرة شبابه في الدعوة إلى الله، وأراد أن يكون الختام مسكًا بأن يضرب المثل والقدوة في دعوته، فلماذا لا يكون قدوة في مثابرته وإصراره، وسلفًا ومثلاً للشباب؟!



مسيرة حياته
وُلِدَ فضيلة الدكتور محمد فريد عبد الخالق في مدينة فاقوس محافظة الشرقية بمصر في 30 من نوفمبر عام 1915م، ثم انتقل مع عائلته بعد ذلك إلى مدينة القاهرة، وأكمل دراسته حيث تخرج عام 1936م في معهد التربية العالي، وكان فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق شاهد عصر على الحركة التجديدية الإسلامية الراشدة منذ الأربعينيات وحتى يومنا هذا، وقد شارك في كثير من المؤتمرات، وهو مع تقدم عمره لا يزال مشتغلاً بأمانة الكلمة وتبعة الهمّ العام، ويعدّ أحد رموز مدرسة الفكر المتوازن، والوعي بمتغيرات العصر، وبالفقه الراشد في الكتاب والسنة، وجمع -فضيلته- في دراسته العليا بين العلوم والرياضيات، والقانون والشريعة. وقد عمل مديرًا عامًّا لدار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية في السبعينيات، ثم وكيلاً لوزارة الثقافة. بذل حياته في سبيل الدعوة بكل جهد ووقت، خطيبًا وشاعرًا وباحثًا ومفكرًا.



مؤلفاته
أول نتاجه العلمي بحث قيم بعنوان: أساسيات في موضوع "الإسلام والحضارة"، بحث ألقي في "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" بالرياض عام 1979م، وبحث بعنوان "الإخوان المسلمون.. فكرة وحركة" بحث ألقي في ندوة البحرين بتكليف من مكتب التربية للخليج العربي عام 1984م، ثم "الإخوان المسلمون في ميزان الحق" كتاب صدر له عام 1987م، وتلاه "مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك" ملحمة شعرية عام 1993م، وتبعه "ديوان المقاومة" تقديم فهمي هويدي عام 2003م، ثم "تأملات في الدين والحياة" عام 2003م، وأخيرًا "في الفقه السياسي الإسلامي" عام 2007م.



موضوع الرسالة
وموضوع رسالته "الاحتساب على ذوى الجاه والسلطان" ففي غاية الأهمية، وهو الذي منيت بعواقب الدعوة إليه الحركة الإسلامية في مصر وغيرها، مهما كان المسمى لخصام مفتعل من قبل السلطات المختلفة والتي ورثت العروش، ومع أن النظم الديمقراطية في العالم ابتكرت مصطلحات مثل "النقد الذاتي"، والرقابة الذاتية، وأسست نظمًا ك"الرقابة الإدارية"، و"الجهاز المركزي للمحاسبات"، فمهما اختلفت المسميات فهؤلاء جميعًا لم يحققوا جدوى كبيرة؛ لأنهم لم يطلقوا "باعث الضمير" الذي يغيب إن لم يكن هناك رقيب من البشر، بخلاف الإسلام الذي أيقظ الضمائر برقابة الله.



وكانت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة الزقازيق، والأستاذ الدكتور محمد يوسف قاسم أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور محمد نجيب عوضين أستاذ الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق بجامعة القاهرة. والرسالة في مجملها كما يدل عنوانها تناقش قيمة وأهمية الدور الرقابي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة، لا سيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة، وتطرح نظامًا احتسابيًّا جماعيًّا ومؤسسيًّا لمقاومة الفساد. كما تهدف إلى تسليط الضوء على الضوابط الشرعية للحسبة في الإسلام، وشروط المحتسب والمحتسب فيه، وتبرز احترام الإسلام لمبدأ الفصل بين السلطات.



علاقة سوية بين الحاكم والمحكوم
يقول الدكتور فريد عبد الخالق في عرضه لرسالته: "إن رسالته حول الاحتساب ناقشت العلاقة المتأزمة بين قيمتي العدل للحاكم والطاعة للمحكومين، وطبيعة العلاقة بينهما، وإن غياب العدل والعمل بالشورى والمساءلة تؤدي إلى انتشار الفساد". وأكد أن مساءلة الحاكم وأي مسئول في موضع سلطة فرضٌ شرعيٌّ، وأن تغيير المنكرات وإقرار الحرية وإعلاء قيمة المواطن والمساواة ضرورةٌ إسلاميةٌ، وأن الدور السياسي الذي تلعبه الحسبة كنظام رقابي شعبي لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم ومواجهة الحاكم ومساءلته؛ يتطلب صحوةً جماهيريةً واعيةً بحقوقها وواجباتها.



وفي تصريح خاص للصحفي شريف الدواخلي من موقع "إسلام أون لاين" استهل الدكتور فريد عبد الخالق كلامه بحديث رسول الله r: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، مؤكدًا أنه حريص على طلب العلم. مضيفًا: "لم أفعل الكثير مثلما يقال عني، فلو كانت الظروف ساعدتني لقدمت للدعوة أكثر من ذلك، ولكن قدّر الله وما شاء فعل"، مشددًا على أن "الأمل هو الهواء الذي أتنفسه، وبدونه تفقد الحياة معناها".



وتابع قائلاً: "حاول الغرب أن يخدع أمتنا بأنه الأفضل، ولكننا خير أمة أخرجت للناس، وأنا أدعو الجميع للتحرك والإيجابية وعدم التواكل والأخذ بالأسباب، ومحاربة القصور السياسي، فليس شرطًا أن يرى الإنسان نتائج ما يصنع، وإنما يجب أن يعمل لغيره وليس لنفسه فحسب".

وكان الدكتور عبد الخالق قد قام بتسجيل الرسالة قبل 44 عامًا، وتحديدًا عام 1965م، لكن ظروفًا سياسية حالت دون مناقشتها.

شهادات
شهدت الجلسة حضور عدد كبير من أصدقاء فريد عبد الخالق وتلامذته، فضلاً عن متابعة أجهزة الإعلام المختلفة، وكان في مقدمة الحضور الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وسيف الإسلام حسن البنا، والمستشارة نهى الزيني، والدكتور صلاح عبد الكريم، وغيرهم.

ولفت الدكتور محمد سليم العوّا -عضو لجنة المناقشة- إلى أن الباحث فريد عبد الخالق يعدّ أكبر مَن ناقش رسالة دكتوراه في التاريخ، مشيرًا إلى أن أكبر الباحثين قبل الدكتور فريد عبد الخالق ناقش رسالته وهو في ال 70 من عمره، أي وهو أصغر من الباحث بأكثر من 20 عامًا.

وأعرب العّوا عن سعادته البالغة بكونه أحد أعضاء مناقشة رسالة "الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان"، مشيرًا إلى بعض مواضع التميز والابتكار في الرسالة. ونبه العوّا إلى بعض المآخذ على الرسالة، والتي جاء في مقدمتها رفضه لما قرره الباحث من أن إقامة الخلافة هو واجب الأمة؛ حيث رأى العوّا أن الخلافة نظام تاريخي لا يصلح لهذا الزمان، وأن العبارة الأكثر دقة هي أن واجب الأمة هو إقامة الحكم العادل أيًّا كان مظهره. وأكد العوّا أن وجود فريد عبد الخالق ومن مثله دليل على يقظة الأمة وتميزها، وأشار إلى فريد عبد الخالق قائلاً: هذه هي الأمة التي تطلب العلم من المهد إلى اللحد.

يقول عنه الدكتور حلمي القاعود الأديب والباحث والناقد: "الأمر بالنسبة للطَّالب محمد فريد عبد الخالق يختلف كثيرًا، فعمره أربعة وتسعون عامًا، وهو أول طالب في العالم في مثل هذه السن يتقدم إلى درجة الدكتوراه؛ مما يؤهله لدخول موسوعة جينس للأرقام القياسية، من خلال عزيمة شابة، وإرادة قوية، ورغبة جارفة في العلم والمعرفة والبحث، تدفعه دفعًا إلى القراءة والتحصيل".

مضيفًا: والطالب بهذه الصفة ينفي عن الإسلاميين التهمة الرخيصة التي يوجّهها الموالون للغرب عادة إليهم، وهي الجهل وعدم القراءة؛ فكثير من الإسلاميين يحققون تقدمًا فريدًا في العديد من التخصصات العلمية، وجماعة الإخوان نفسها تضم عددًا كبيرًا من المهنيين العلميين، أو ممن يسمون بالتكنوقراط لهم باع واسع في جميع التخصصات، ولا سيّما التخصصات الدقيقة، ومنهم من يحمل أكثر من شهادة في تخصصات تبدو متعارضة مثل الطب والحقوق، أو غير متعارضة مثل اللغة العربية والحقوق، ومنهم من استفاد من فترة اعتقاله الظالمة ليحصل على شهادات عليا، أو درجات علمية في الماجستير والدكتوراه.

إن الإسلام يحض على طلب العلم من المهد إلى اللحد، والإسلاميون -كما لاحظتهم- يحرصون على اكتساب المعرفة بكل الوسائل، وهم ينطلقون في ذلك من كون طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، لبناء الأوطان وصنع المستقبل القائم على القوة التي تصنعها المعرفة.

ومن تواضعه الجمّ، ورغم أنه قدم للمكتبة الإسلامية زادًا فكريًّا متعدد الاتجاهات لم يمنعه ذلك أن يقف موقف الطالب أمام أساتذة فضلاء، هم في الحقيقة بمنزلة أبناء وتلاميذ له، يقول الأستاذ عادل الأنصاري الصحفي والكاتب: "لم يمنعه علمه وهو الذي أثرى المكتبة الإسلامية بأبحاث ودراسات علمية ومؤلفات... لم يمنعه فضله وسبقه في الدعوة أن يكتفي بما قدم، ويستريح ما بقي له من الأجل بعد أن وهن العظم واشتعل الرأس شيبًا، بل حمل معه عزيمة وإصرارًا على العمل والأداء في تلك اللحظات الحساسة من حياة الإنسان".

كان الدكتور محمد فريد عبد الخالق قدوة لتلاميذه ومعاصريه، ومن المؤكد أن العشرات ممن ترددوا في الإقدام على عمل كبير سوف يغيرون رؤاهم، في زمنٍ تفتقد القدوات، وما أحوج بلاد المسلمين لذوي العزائم! اللهم اجعلنا منهم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] رواه أحمد في مسنده (13004)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (1424) في صحيح الجامع.

__________________
منقول
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فريد fffarid الترحيب بالاعضاء الجدد ومناسبات أصدقاء المجلة 4 November 16, 2007 08:45 PM
خبر فريد من نوعه !! هدى أرشيف الأخبار اليومية 4 September 6, 2006 04:25 PM


الساعة الآن 12:07 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر