فيسبوك تويتر RSS



العودة   مجلة الإبتسامة > الروايات والقصص > شعر و نثر

شعر و نثر اكتب قصيده , من انشائك او من نِثار الانترنت , بالطبع , سيشاركك المتذوقين للشعر مشاعرك



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم December 10, 2009, 09:35 PM
 
دروس تكوينيّة في الكتابة العروضيّة..1.الضعف العام في اللغة العربية (مظاهره آثاره علاجه


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد البحث أرى من الضّروريّ مواجهة بعض الأخطاء السّائدة في الكتابة من ناحية
وفي تدوين الأشعار فلا بدّ من معرفة مصادرها وسبل الحدّ منها قدر الإمكان
الضعف العام في اللغة العربية
(مظاهره آثاره علاجه)

ترتفع بين الحين والآخر أصوات من كلّ الأقطار العربيّة شاكية مُرَّ الشّكوى من الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة، ومتألّمة من الوضع المؤسف الّذي وصلت إليه هذه اللّغة على أيدي أبنائها، ومتوجِّسة الخوف الشّديد من خطر هذا الضّعف الّذي يزداد مع الأيّام سوءًا، ويتفاقم بإهمال شأنه صعوبة وتعقيداً.
ولا شكّ أنّ هذه الصّيحاتِ صادقة في التّعبير عن هذه المحنة الواقعيّة الّتي لا يُنكرها إلاّ مكابر، وصادقة في وصف الأخطار الماحقة المدمّرة الّتي تترتّب عليها إن استمرّتْ ولم يسارع أهل اللّغة الغيارَى على لغتهم إلى علاج ضعفها لدى القوم، والعمل على إعادة العافية إليها بينهم.



الحلقة الاولى: مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة

أوّلاً في المجال المكتوب:
- الجهل بقواعد الإملاء ومصطلحاته؛ فكُتِبَتْ همزةُ الوصل في أوّل الكلمة همزَةَ قطع، وهمزةُ القطع همزةَ وصل، وكتُبت الهمزة المتوسّطة والمتطرّفة بأوضاع مخالفة للقواعد المتعارف عليها، وأُهملت الشَّدَّة الّتي يعني إهمالُها إسقاطَ حرفٍ من الكلمة، ووقوعَ اللَّبْس في بعض الكلمات، وأهمل نقط الذال المعجمَة وصارت دالاً مُهَّملَة، وعوملت الثّاءُ بنقطتين فقط فصارت مُثَنّاة، وأُهمل نقط التاءُ المقفَلَة فساوت الهاءَ في آخر الكلمة رسماً ونطقاً، وكُتِبت الألف اللّيّنة في آخر الكلمة على حسب مزاج الكاتب ممدودةً أو مقصورةً بلا اعتبار للقواعد المعروفة، وكُتِبت التّاءُ المقفلَة مفتوحة والمفتوحة مقفلَة، وكُتِبت ألفٌ بعد واو (أرجو، ويدعو ويشكو .. وأمثالها). وهكذا سادت الفوضى والعبث في قواعد الإملاء العربيّ في الكتب والصّحافة والرّسائل والتّقارير وفي كلّ مكتوب.
- الجهل بالقواعد الصّرفيّة الواضحة الّتي يتلقّاها المتعلّم عادةً في مرحلة التّعليم الإعداديّة أو الثّانويّة، من ذلك قولهم على سبيل المثال : دعيْت بدلاً من دعوت، واستمرّيْنا بدلاً من استمررنا، ومُصان بدلاً من مَصون، والكبرتان بدلا من الكبريان، والهاديون بدلاً من الهادون… .
- الجهل بقواعد النّحو العربيّ جهلاً عمّت به البلوى حتّى أصبح ملازماً للكتابة إلاّ فيما ندر، فنصبوا المرفوع وجرّوا المنصوب، ولم يفرّقوا بين حالات الإعراب للمثنَّى وجمع المذكّر السّالم، وكتبوا الأعداد بالحروف كتابةً غريبة مخالفة للقواعد المرعيّة، ولم يعرفوا للصّفة أحكاماً، ولم يميّزوا بين النّكرة والمعرفة، وغير ذلك ممّا يطول الكلام فيه ولا نستطيع له حصراً.
- كثرة الأخطاء اللّغويّة الشّائعة المخالفة للمسموع من اللّغة وأصولها الثّابتة، كقولهم : جماد بدلاً من جُمادَى، ووريث بدلاً من وارث، والمبروك بدلا من المبارَك، و"لا يجب.." بدلاً من "يجب ألاّ.."، "وسوف لا"بدلا من "لن"، إلى آخر القائمة الطّويلة من الأخطاء اللّغويّة الشّائعة.
- الجهل بمعاني الأدوات اللغويّة ووظائفها، بحيث تُستْعمل استعمالاً اعتباطيّاً لا تُراعَى فيه دقة توظيف الأداة ؛ كعدم تفريقهم بين : "إذا" و"إن" الشّرطيّتين، و"لم" و"لما" الجازمتين، وحرفي الجواب "نعم" و"بلى"، و"لا"النافية للجنس و"لا"النّافية للوحدة، وكاستعمال أداة التوكيد في موضع لا يقتضي التوكيد، وسوء استعمالهم ل"أحد" و"إحدى" في مثل قولهم: إحدى المستشفيات وأحد المدارس…
- عدم السّلامة في الأسلوب، وتركيب الجمل تركيباً يَنِمّ على التّكلُّف، وغلبة الرّكاكة والسّماجة والبعد عن جماليّات اللّغة، حتى إنّ الكلام المكتوب يهبط في أحيان كثيرة إلى مستوىً يقربُ من العامّيّة، أو يتسم بالجفاف الّذي لا يهزّ مشاعر ولا يُحدث في النّفوس الأثر المطلوب.
- إهمال علامات التّرقيّم من فاصلة وقاطعة وشارحة وغيرها إهمالاً تامّاً يُرْهق قارئ الكلام المكتوب في فهم معانيه، ويُصعِّب عليه إدراكَ علاقات الكلمات والجمل بعضها ببعض، ومعرفة النّهاية للكلام والبدء بكلام آخر. وبعضهم يستعمل علامات التّرقيم استعمالاً خفيفاً، ولكنّه يسئ وضعها في أماكنها الصّحيحة؛ فيضع الفاصلة موضع القاطعة وبالعكس، ويضع علامة التّعجّب مكان علامة الاستفهام.
قد يقال: إنّ علامات التّرقيم ليست من أصول اللّغة العربيّة، وهي دخيلة اقتبسناها من غيرنا، فكيف نعتبر إهمالها مظهراً من مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة؟.
وأقول: إنّ اقتباس لغتنا العربية علامات التّرقيم من اللّغات الأوربيّة، كان اقتباساً طيّباً أفادت منه لغتنا كثيراً، إذ تساعد هذه العلامات على معرفة المواقع المناسبة للوقف والابتداء في الكلام، وربط الجمل بعضها ببعض، وبيان علاقاتها الإعرابيّة والمعنويّة، وتنويع النّبرات الصّوتيّة الّتي تُبرزالأغراض المقصودة من الكلام، كالاستفهام، والتّعجّب، والاستنكار، والتّحسّر، والإغراء، والتّحذير، وغير ذلك، فهي لذلك ضروريّة في الكتابة العربيّة الحديثة، وخُلُوّ الكتابة منها يُعَدّ في العصر الحديث عَيْباً لا يقلّ قبحاً عن عيب الخطأ الإملائيّ أو النّحويّ، حيث يؤدّي ذلك إلى عناء القارئ في فهم المكتوب، أو تداخُل في الألفاظ والجمل، أو إلى غموض أو اضطراب في المعنى، أو عدم التّمييز بين كلام الكاتب والكلام المنقول عن غيره.
وإذا كانت علامات التّرقيم الحديثة دخيلةً على لغتنا، فإنّ لها أصلاً في تراثنا يدلّ على مبدئها وأغراضها، من ذلك علامات الوقف والابتداء الّتي وضعها علماؤنا لحسن أداء تلاوة القرآن، وبيان معاني آياته، والإشارة إلى العلاقة الإعرابيّة والمعنويّة الّتي تربط بعضَها ببعض. ومن ذلك أيضاً مباحث أهل اللّغة في الفصل والوصل، والوقف والسّكت، والعطف والاستئناف، ونصُّهم على تنويع النّبرات الصوتيّة تبعاً للمعنى المراد من ترغيب وترهيب، وتحذير وإنذار، واستفهام وتأثّر، وغير ذلك.
- المبالغة في استعمال الكلمات العامّيّة في الصّحافة العربيّة عموماً، أي إنّ الفصحى تتراجع في صحافتنا وخاصّة الفّنيّة والرّياضيّة أمام زحف العامّيّة.
- الإكثار من استعمال الكلمات الأجنبيّة بلا داعٍ مع سهولة المقابل العربيّ لها، كقولهم في مباراة كرة القدم: "ماتش" و"تيم" و"هاف تايم"،وقولهم في أمور العمل الصحفيّ: "ريبورتاج" و"مانشيت" و"ماكيت"، وقولهم في شؤون السّفر:"باسبور" و"فيزا" و"ترانزيت"، وقولهم في شؤون التّسويق :"شوبينج"، و"أوكازيون" و"سوبرماركت"…


ثانيا في مجال المسموع:
ونعني به الكلام الّذي يُسمع عموماً في محاضرة أو ندوة أو حوار وغيرها، أو ما يُسْمع من الإذاعتين المسموعة والمرئيّة من نشرات الأخبار والتّعليقات السّياسية والأحاديث والبرامج المتنوّعة والمسلسلات التّمثيليّة والإعلانات وغير ذلك.
- تشترك المجالات المسموعة مع الكتابة المقروءة في كلّ ما ذكرناه من الأخطاء الصّرفيّة والنّحويّة، والأخطاء الشّائعة، وركّة الأسلوب، وعدم التّرابط والانسجام بين الجمل، إلى آخر ذلك. إلاّ بعض الأخطاء لا تظهر في الكتابة بسبب عدم شكل الحروف عادة، ولكنّها تظهر عند النّطق. فمثل:دَعَوْا، نَسُوا، يَسْعَون، أنتِ تَحْظَيْن، المتوفّوْن، المصطفَيْن، لا يتبيّن الخطأ فيها إلاّ عند نطقها، فيقرأون: دَعُوا بدلا من دَعَوْا، ونَسَوْا بدلاً من نسُوا، ويَسْعُون بدلاً من يَسْعَوْن، وأنتِ تحظِينَ بدلاً من أنت تحظَيْنَ، والمتوفُّون بدلاً من المتوفَّوْن، والمصطفِين بدلاً من المصطَفَيْن، ومثلُ ذلك كثير على ألسنة المذيعين والمذيعات والمتحدّثين والمتحدّثات.
- القضاء تقريباً على النّطق الصّحيح للذّال والثّاء والظّاء، حيث تُنطق الذّال دالاً والثّاءُ سيناً والظّاء ضاداً. ويزيد البعض في بليّة طمْسِ الذّال والثّاء والظّاء بطمس الطّاء الّتي انقلبتْ في ألسنتهم إلى تاء، وطمس الضّاد الّتي ينطِقْنَها دالاً. ولا شكّ أنّ الملايين يُلازمون الاستماع إلىالإذاعات المسموعة والمرئيّة، ويتأثّرون بكيفيّة النّطق المشوَّه للأحرف المذكورة، وخاصّة الأطفال والبراعم الّذين هم في سنّ التّكوين والتّلَقِّي. ويُخْشَى إن استمرّ هذا الحال أن تنشأ أجيال عربيّة يَسْقُط من كلامها الذّال والثّاء والظّاء والضّاد، أو تجد في نطقها صعوبةً وعسراً يجدهما الأجنبيّ الّذي لم يتعوَّدْ نطقَها العربيّ من مخارجها الصّحيحة.
- نطق همزة الوصل في درج الكلام همزة قطع؛ فينطقون: الإستعمار، الإقتصاد،الإستثمارات، ما إسمك، هذا إبنك، بدلاً من النّطق الصّحيح: الاِستعمار، الاِقتصاد،الاِستثمارات، ما اسمُك، هذا ابْنُك، بحذف همزة الوصل لفظاً في أثناء الكلام، ولم نعد نسمع النّطق السّليم لهمزة الوصل في درج الكلام إلاّ نادراً ومن قبيل الصّدفة. وأسوأُُ استعمال لهمزة الوصل في درج الكلام هو نطق همزة"ال" همزة قطع، حتىّ أصبحت على ألسنة المذيعين والمذيعات محسوبةٍ من مواقع همزة القطع وفَقَدَتْ صلتها بهمزة الوصل فيقولون مثلاً: (عقد أَلمؤتمر أَلتّّعليمي أَلعربيّ دورته أَلخامسة يوم أَلأحد أَلماضي).
- الوقف على التّاء المقفَلة تاءً لا هاءً في نحو: فتاة، قناة، قُضاة، الزّكاة، مرضاة…
- إلغاء نطق التّاء المقفَلة في درج الكلام، والاكتفاء بنطق الحرف الّذي قبل التّاء المقفَلة على ألسنة المذيعين والمذيعات والمتحدّثين والمتحدّثات حتّى أهل الاختصاص في اللّغة، فالجملة: (اجتمعت اللّجنة المختصّة بالقضيّة الفلسطينيّة التّابعةُ للجامعة العربيّة اليوم بالقاهرة)، تُنطَقُ: (اجتمعت اللّجن المختص بالقضي الفلسطيني التّابع للجامع العربي اليوم بالقاهرة).
- نطق الأعداد والمعدودات باللّهجة العامّيّة الدّارجة في كلّ أنواع العدد، ولا تكاد تسمع من إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة النّطق السّليم للأعداد، فيقولون مثلاً: اتناشر دينار بدلاً من اثني عشر ديناراً. وخمستاشر درجات بدلاً من: خمس عشرة درجة، ومَاءَة بفتح الميم بدلاً من مِئَة أو مِائة، و"ثمن البرميل من النّفط ستّ وعشرين دولار وأربعتاشر سنت" بدلاً من:" ثمن البرميل من النّفط ستّة وعشرون دولاراً وأربعة عشر سنتاً"، و"أنفقت الشّركة على الدّعاية اثنين مليون دولار" بدلا من:"أنفقت الشّركة مليونَيْ دولار" و"كان في الطائرة المنكوبة ميتَيْن وسبعَ وستّين راكب" بدلاً من:" كان في الطّائرة المنكوبة مئتان وسبعةٌ وستّون راكباً".
- إلغاء الإعراب من أواخر الكلمات ونطقها بالسّكون في درج الكلام، ولم يَسْلَمْ من هذه الآفة حتّى بعض كبار الأدباء والعلماء والصّحافيّين ومن هم على رأس مؤسّسات لغويّة متَخصّصة. أمّا في الإذاعتين المسموعة والمرئية فإنّ الوقف على أواخر الكلمات المتّصلة هو السّائد، ولا يكاد يظهر الإعراب على أواخر الكلمات إلاّ قليلاً.
- أداء الكلام المكتوب بالفصحى بطريقة اللّهجة العامّيّة وبنبرات الحديث الدّارج، وخاصّة في برامج قراءة ما يرد في الصّحف اليوميّة، وبذلك تنزل الفصحى إلى مستوى العامّيّة، ولا يحدث العكس وهو أن ترقى العامّيّة إلى مستوى الفصحى.
- غلبة اللّهجات العامّية المحلّيّة على الفصحى في معظم إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة، حتّى أصبح نصيب الفصحى في هذه الإذاعات قليلاً جدّاً.
- طغيان الكلمات الأجنبيّة الّتي لا تدعو إليها ضرورة، والّتي لها مقابلٌ عربيّ أخفّ لفظاً، وأيسر نطقاً، وأعمق معنىً، وأدنى إلى وجدان المستمع. وقد امتدّت هذه الآفة إلى عناوين البرامج المرئيّة، ويحضرني من ذلك العناوين: كليك، كلينِكْ، فلاش، ستوب، إيتيلية، ميوزيكا،أرابيسك،مانشيت، بل إنّ فضائيّة عربيّة تنطلق من بلد عربيّ، ولغتُها عربيّة، وموجّهةٌ إلى العرب، تحمل اسماً أجنبيًّا، وفضائيّات عربيّة عديدة تنطق بالعربيّة، وموجَّهة إلى العرب، تتّخذ أسماءها من أحرف لاتينيّة، كأنّ العربيّة قد عقمت عن ولادة الأسماء والعناوين، ولكنّها عقدة (الخواجة) مازالت تتحكّم في نفوسنا، وتستعمرعقولنا وقلوبنا، وتجرّنا إلى التّبعيّة الذّليلة لكلّ ما هو غربيّ. ومن المضحك المبكي أنّ بعض الفضائيّات العربيّة تكتُب كلمات عربيّة بطريقة كتابة الحروف اللاّتينيّة، وهذا منتهى الاستهتار باللّغة العربيّة وخطوطها الجميلة.
- الخطأ في ضبط كثير من الكلمات، كقولهم :لُجْنة بدلاً من "لَجْنة"،وثَكَنَة بدلاً من ثُكْنَة والْغِيرَة بدلاً من الْغَيْرَة، والْحِيرَة بدلاً من الْحَيْرَة، والْغِدَاء بدلاً من الْغَداء، وخُطبة المرأة للزّواج بدلاً من: خِطْبة، والفُراق بدلاً من:الفِراق، وبُناءً عليه بدلاً من: بِناءً عليه، وتِكْرار وتِجْوال وتِحنان،بدلاً من: تَكرار وتَجوْال وتَحْنان … إلخ.
- الخطأ في نطق الأعلام، كقولهم : عبد المجِيد، وعِبيد، وسِليِمان، وحِسين، والشِّريف، وعصمان، وسِليم، وسْكينَة، وزْبيدَة…
- الخطأ في ضبط عَيْن الفعل الثّلاثي ماضيه ومضارعه وأمره، والجهل بالأبواب الصّرفيّة السّتّة للثّلاثيّ، فيقولون في الماضي مثلا: ثَبُتَ بدلا من ثَبَت، وحَصُل بدلاً من حَصَل، وفَشَلَ بدلاً من فَشِل، وحَرِصَ بدلاً من حَرَص، وغَرَق بدلاً من غَرِق، وبَطُل مفعوله، بدلاً من بَطَل، وصَعَد بدلاً من صَعِد، ورَئسَ بدلاً من رَأَس، وبَرَأَ من المرض بدلاً من بَرِئ. ويقولون في المضارع مثلا:يأمَل بدلاً من يأمُل، ويَحْرَص بدلاً من يَحْرِص، ويَلِفّ بدلاً من يَلُفّ، ويَمْلُك بدلاً من يَمْلِك، ويهرَب بدلاً من يَهْرُب، وَيهْوِي بمعنى يحبّ بدلاً من يَهْوَى، ويَنْعِي بدلاً من يَنْعىَ، ويَرْشِيه بدلاً من يَرْشُوه، ولا يَحُلّ أن تغتاب بدلاً من لا يَحِلّ. ومن أمثلة الأمر: اكْسَبْ بدلاً من اكْسِبْ، لا تَلْمِسْ بدلاً من لا تَلْمَسْ، انْبُذِ العنف بدلاً انْبِذِ العنف،واعْمِلْ بدلا من اعْمَلْ… .
- الخطأ في ضبط حرف المضارعة، وعدم التّمييز فيه بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، كقولهم: يُحيك مؤامرة بدلاً من يَحيك، ويَخِلّ بالتّوازن بدلاَ من يُخلّ، ويُنْشِد السّلام بدلاً من يَنْشُد، ومجلس الأمن يَدين العدوان بدلاً من يُدين، وإسرائيل تُشِنُّها حرباً بدلا تَشُنُّها، ويُلْفِت النّظر بدلاً من يَلْفِت، ولن يَفْلُتَ من العقاب بدلاً من ولن يُفْلِتَ، ولا يُثنيه عن عزمه شئٌٌ بدلاً من يَثْنِيه، وأَهيبُ بك بدلاً من أُهيب، ويَفيق بدلا من يُفيقُ، وهذا المرض يَعْدِي بدلاً من يُعْدي … إلخ.. .
- سوء الإلقاء، وعدم انسجام طريقة الأداء الصّوتيّ مع مفهوم الكلام، فقد تسمع من المذيع أو المذيعة نَبْرَةً للصّوت تدلّ على انتهاء الكلام وأنّ ما يأتي بعده كلام ٌ مستأنَف، ثمّ تفاجأ من خلال السّياق بأنّ الكلام متّصل بما بعده وممتدّ إلى غيره، أو تسمع نبرةً تدلّ على تواصل الكلام وامتداده، ثمّ تفاجأ بأنّ الكلام قد انتهى، وما جاء بعده استئناف. وقد تسمع صيغة استفهام تؤدَّي بنبرة إخبار، أو صيغة إخبار تؤدَّي بنبرة استفهام، أو تسمع كلاماً يفيد الأسى والتّحسّر والألم يؤدَّي بصوت مرتفع فيه حماسة تُشبه حماسة الخطيب، أو تسمع كلاماً فيه معنى العزّة والكرامة والاعتداد بالشّخصيّة يقوله المذيع أو المذيعة بصوت بارد لا يحمل شيئاً من تأثير الكلام أو إيحاءاته، إلى غير ذلك من أمثلة سوء الإلقاء والأداء الصّوتيّ في إذاعاتنا المسموعة والمرئيّة.
وقد يُقال: ما دَخْل سوء الإلقاء والأداء الصّوتيّ في الضّعف اللّغويّ العامّ؟ وما علاقة هذا العيب باللّغة حتّى يُحْشَرَ في موضوعها ويُعَدَّ مظهراً من مظاهر الضّعف فيها؟.
ونجيب بأنّ اللّغة العربيّة ليست قواعدَ وأصولاً وضوابطَ في الإملاء والنّحو والصّرف والبلاغة وغيرها فقط، ولكنّها بجانب ذلك ذوقٌ رفيع، وجمالٌ آخّاذ، ونَبْرٌ معبِّر وتنغيم مُصَوِّر، وجرسٌ عذب، وموسيقى مُطْرِبَة، فللتّعجُّب نَبْرَة، وللاستفهام نبرة، وللاستنكار نبرة، وللتّحسُّر نبرة، ولاستمرار الكلام واتّصال الجمل نبرة، ولانتهاء الكلام واستئناف ما بعده نبرة، ولانتهاء الكلام في الآخر نبرة، وبعض المواضع يَحْسُنُ فيها خفض الصّوت، وبعضُها يَحْسُن فيها رَفْعُه، وبعضُها تَحْسُن فيه الحماسة، وبعضُها يناسبه الهدوء، وقد تُوَدِّي زيادةُ مدِّ حرفٍ انفعالاً نفسيّاً معيَّناً لا يؤَدّيه مدُّ الحرف مدّاً طبيعيّاً، وقد يُؤدِّي البطْءُ في إلقاء كلمة ما لم يؤدِّه الإسراعُ بها، وهكذا يكون الأداءُ الصّوتيّ الجيّد المنسجم في نبراته وتنغِيماته مع طبيعة الكلام، جزءاً مكمِّلاً لإجادة اللّغة العربيّة وحسن استعمالها، وعنصراً مهمّاً للتّعبير عن معاني الكلمات وتصوير خلجات النّفوس.
- الخطأ في الاشتقاق، كقولهم: مُشين بدلاً من شائن، ومقفول بدلاً من مُقْفَل، ومُعاب بدلاً من مَعيب، ومُلام بدلاً من ملوم، ومبروك بدلاً من مبارَك، والعاطي بدلاً من المُعْطي، ومَعْفِيّ من الضّرائب بدلاً من مُعْفىً، ومَلْغِيّ بدلاً من مُلْغىً، والقاسم بالله بدلاً من المقْسم، والمُلْفِت للنّظر بدلا من اللاّفِت… إلخ
- هذه نماذج وأمثلة محدودة لمظاهر الضّعف اللّغويّ في وسائلنا المكتوبة والمسموعة، ولم نأت إلاّ بأقلّ القليل منها، ولو أحصينا كلّ الجنايات الّتي تُرتَكب في حقّ لغتنا العربيّة من خلال تلك الوسائل، لملأنا بذلك مجلّداً ضخماً.

الحلقة الثانية: آثار الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة


بعد استعراض مظاهر الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة على امتداد الوطن العربيّ، في وسائله المقروءة والمسموعة، يجدُر بنا أن نبيّن الآثار السّلبيّة النّاجمة عن هذا الضّعف، ونتائجه السّيّئة على مستقبل أجيالنا ومصير أمّتنا. ونوجز هذه الآثار فيما يلي:

1. استمرار الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة من غير أن تمتدَّ يدُ العلاج الفعّال لوقفه، يؤدِّي إلى استفحاله وزيادة شدّته، حتّى ينتهيَ به الحالُ إلى موت اللّغة والقضاءِ عليها قضاءً مبرماً. وهذه هي طبيعة الحياة: تَرْكُ المريض يعاني من مرضه بلا علاج واهتمام، يُضاعفُ مرضَه على مرّ الأيّام، ويُعقِّد مشكلته بالإهمال والاستهتار، وينتهي به ذلك إلى الموت المحقّق أو الشّلل التّام الّذي يُشْبه الموت. ولذلك تسعى الأمم الحيّة إلى الحفاظ على سلامة لغتها، والحذر من تسرُّب عوامل الضّعف إليها، وحمايتها من أيّ غزو خارجيّ يهدّدها. ففي فرنسا مثلاً كُوِّنَت المؤسّسات، وأُلِّفَت اللّجان، وعُقِدت المؤتمرات والنّدوات، وكُتِبت مئات المقالات والبحوث والتّحقيقات في الصّحف، من أجل صدّ بعض كلمات أجنبيّة دخلت إلى لغتهم في غفلة من عين الرّقيب، حيث عَدُّوها احتلالاً أجنبيّاً تجب مقاومتُه، وغَزْواً ثقافياً عليهم دفعُه، وخطراً يهدِّد لغتهم إن لم يَحْسِموا أمره في الوقت المناسب. والإنجليز أيضاً من أحرص النّاس على سلامة لغتهم وعدم التّساهل في أمر قواعدها وخصائصها، ولا يَسْمَحون بأيّ حالٍ بخرق هذه القواعد أو التّغيير في حرف واحد أو نقصه، بل يتشدّدون في وضع الفواصل والقواطع وغيرها من علامات التّرقيم، ويُعيدون طباعة صفحة كاملة لوجود فاصلة موضوعة في غيرها موضعها الصّحيح.
2. هذا الضّعف اللّغويّ المتفشِّي في الوسائل المقروءة والمسموعة، يُؤَثِّر تأثيراً بالغاً في القارئين والسّامعين، وَينْقُل إلى هؤلاء الْمُتلَقِّين ضّعْفَه وعُيوبَه ونقصَه، وخاصةً الصّغارَ الّذين هم في مراحل تكوينهم اللّغويّ والفكريّ، ويستوعبون بسرعةٍ ما يُلْقَى إليهم من غثّ وسمين.
إنّ وسائل الإعلام المسموعة والمرئيّة تكاد تقتحم كلّ بيت عربيّ، وتصل إلى أهل البادية في خيامهم والرُّعاة في مراعيهم، وهي تُلَقِّنُهم اللّغة الفاسدة، والأخطاء الفاحشة، والنّطقَ الرّدئ، والذّوقَ السّيّئ، وتطبع نفوس الملايين بطابَعها، وتغرس فيهم جَهْلَها وسُقمَها، وبذلك يخسَر العربُ لغتَهم وأجيالَهم، ويخسَرون ألسنتهم وأذواقَهم.
3. الضّعف العامّ في اللّغة يُضْعِفُ قدرةَ اللّغة على تحقيق التّفاهم بين المتعاملين بها، ويُعطِّل وظيفتها في توحيد مفهومات الكلام ورموزه ومدلولاته بين المتخاطبين، ويُوقِعُ اللَّبْس والخلْطَ في المعاني، ويُعقِّد الجُمَل أو يُشَوِّهُ نَسَقَها أو يُسَبِّبُ الخلَلَ بين أجزائها، ذلك أنّ اللّغة الضّعيفة تتحلَّلُ من قيود القواعد فلا ضابطَ يحكُمها، وتبتعد عن أصولها الثّابتة فلا مَرجِعَ يَرْبِطها، وتخضع للعبث والفوضى والتّخبُّط في متاهات الجهل والهوى المتَّبَع.
ونحن نعلم أنّ سبب وضع النّحو على يد أبي الأسود الدُّؤلي، كان سوءَ فَهْمٍ لكلام لَحَنَتْ فيه ابنتُه، وخرجتْ به عن المألوف من كلام العرب، حيث قالت له ابنتُه: ما أحسنُ السّماء (برفع لفظ أحسن)، فقال:نجومُها، فقالت: ما أردتُ الاستفهام، ولكنّي أردتُ التّعجب، فقال: إذن، افتحي فاك، أي قولي: ما أحسنَ السّماء (بنصب لفظ أحسن). فأبو الأسود فَهِم معنى الجملة على مقتضى كلام العرب وما يدُلّ عليه ظاهرُ إعرابها، وهو غرض لم تقصِدْه ابنتُه، فكان سوءُ الفهم بين الطّرفين بسبب وقوع الخطأ، وأفْقَدَ اللّحنُ اللّغة قدرتها على توحيد الفهم ومُهَّمتَها في تيسير التّعامل.
4. الضّعف اللّغويّ مرتبط بالضّعف الفكريّ والثّقافيّ، فليست اللّغة مجرّدَ وسيلة للتّخاطب فقط، ولكنّها أيضاً فكرٌ وعقيدةٌ وثقافةٌ وعواطفُ ومشاعرُ وتراث وتاريخ، ولا يمكن فصل جانب من جوانبها عن الآخر، أو وَقفُ تَسَرُّبِ المرض من عضو إلى بقيّة الأعضاء . وما نراه من هزالة الثّقافة العامّة لدى الشّبّان العرب في الوقت الحاضر، وضآلة زادهم من المعارف والعلوم، وجَهْلِهم بتُراثهم وتاريخهم، إنّما هو نتيجة طبيعيّة لضعفهم في لغتهم، وفقدهم للمفتاح الجيّد للثّقافة والمعرفة والعلم، وهو اللّغة المتمثّلة في كتاب أو مجلّة أو صحيفة أو إذاعة مسموعة أو مرئيّة وغير ذلك.
5. الضّعف اللّغويّ العامّ يؤدّي بالتّدريج إلى ذَوَبان الشّخصيّة، وفَقْد الْهُوِيّة، وانقطاع الصّلة بالرّابطة الّتي تُوَحِّد الأمّة، وتَشُدّ كيانَها، وتُحقّق لها استقلالها، وتبوِّئ لها المكانة المحترمة بين الأمم الحيّة. إنّ الحفاظ على اللّغة حِفاظ على الأصالة والانتماء القوميّ، وتضييعُها تضيعٌ لهذه الأصالة وهذا الانتماء.
هكِذا تنظرالأمم الحيّة إلى لغاتها: تعبيراً عن الكيان، وشعاراً للذّاتيّة، ورابطةً للقوميّة، ورمزاً للكرامة الوطنيّة، وحامياً للوَحدة والاستقلال.
وتَحْضُرني في هذا المقام قصّة واقعيّة طريفةٌ قرأتُها منذ سنوات في إحدى المجلاّت الجزائريّة على ما أذكر، وقد نقلتْها المجلّةُ عن صحيفة ألمانيّة نسِيتُ اسمها. ومُفاد القصّة أنّ طالبةً ألمانيّة في شهادةِ ما يسمّونه (البكالوريا) قد نجحت بتفوّق وامتياز في كلّ موادّ الامتحان، ولكنّها رَسَبَتَ ولم تُمْنَح الشّهادةَ لأنّها كانت ضعيِفةً في اللّغة الألمانيّة، ولم يشفع لها تفوّقُها في كلّ الموادّ الأخرى لدى الجهة التّعليميّة المسؤولة. ورفعت الطّالبة أمرها إلى محكمة (فرانكفورت) مطالبةً بإلغاء قرار رسوبها، والحكم لها بالنّجاح وحقِّها في الشّهادة، مستندةً إلى تفوّقها في كلّ الموادّ، ومدّعيةً أنّ ضعفها في اللّغة الألمانيّة ليس مسوِّغاً لرسوبها.
ولكنّ المحكمة رفضت طلبها، وأيّدتْ قرار الجهة التّعليميّة المختصّة في قرارها برسوب الطّالبة. ولم تيأس الطّالبة، فرفعت أمرها إلى درجات التّقاضي الأخرى الّتي رفضت دعواها وصادقت على قرار رسوبها، إلى أن وصلتْ بقضيّتها إلى المحكمة الفدراليّة الّتي هي عندهم أعلى درجات التّقاضي، فرفضتْ هي أيضاً دعوى الطّالبة، وأقرّت الحكم برسوبها، مُورِدَةً في حيثيّات حكمها أنّ اللّغة الألمانيّة هي التّعبير عن الفكر الألمانيّ المستقلّ، والمتَرجم عن شخصيّة الألمانيّين وهُوِيَّتهم، وهي أهمّ مادّة في الامتحان، والضّعف فيها لا يُغطّيه التّفوُّق والامتيازُ في الموادّ الأخرى.
ونضرب مثلاً آخر من الكيان الصهيونيّ - وقد يستفيد المرء من عدوّه-، فقد استطاع هذا الكيان العدوانيّ بمجهودات جبّارة وعزيمة ماضية أن يحيي اللّغة العبريّة الّتي ماتت منذ أكثر من ألفي سنة، وأن يبعثها من جديد في خلال سنوات معدودة، فقد تكوّن المجمع العلميّ للّغة العبريّة عندهم عام 1953، وبجانب هذا المجمع كوّنوا مجلساً أعلى يضمّ نحو أربعين لجنة متخصّصة في كلّ الفروع العلميّة والفكريّة والأدبّية والفنّيّة، وتهتمّ بمسايرة اللّغة للتّطوّر المستّمرّ، واستحداث المصطلحات والمفردات العبريّة الّتي تغطّي الحاجة في كلّ المجالات، وما يُتَّفق عليه منها يُنْشَرُ في الجريدة الرّسميّة، ويُصبح العمل به إجباريّاً في الدّوائر الحكوميّة والمؤسّسات المدنيّة والجامعات ودُور التّعليم ووسائل الإعلام بأنواعها، ويُعاقب القانون كلّ من يخالف ذلك ولا يلتزمه، وبذلك استطاعوا أن يبعثوا الحياة في اللّغة العبريّة بعد أن شَبِعَتْ موتاً، وخَلَقوا لها كياناً بعد أن كانت أثراً من آثار التّاريخ، وهم يقولون إنّ اللّغة العبريّة هي المعبِّرة عن شخصّيتهم وثقافتهم وتاريخهم، والجامعة لكيانهم المشتَّت، والصّاهرة لكلّ اختلافاتهم الفكريّة، والرّابطة لوحدتهم وتضامنهم.
6. يترك الضّعفُ اللّغويّ العامّ فراغاً فكريّاً وثقافيّاً لدى الأمّة، وضعف الصّلة بتراثها وتاريخها وأمجادها السّالفة، فتكون بذلك ساحةً مُهَيَّأةً للغزو الثّقافّي الأجنبيّ، ومجالاً مفتوحاً لملء الفراغ بالكلمات الدّخيلة والأفكار الغريبة، وبهذا الغزو تُسْتعمر الأمّة فكريّاً وثقافيّاً، وهو استعمار أشدّ فتكاً وأسوأ آثارا من الاستعمال العسكريّ للأرض، لأنّه غزو يقتل الشّخصيّة، ويمحو الهُوِيَّة، ويجعل الأمّة ذيلاً تابعاً للغازي، ومَسْخاً فاقد الإرادة والكرامة.
إنّ الكلمات الأجنبيّة الوافدة الّتي تجد فرصتها للتّوغّل في ضعف اللّغة الأمّ، لا تغزو الألسنة بألفاظها ورطانتها فحسب، بل تدخل برصيدها الثّقافيّ، وتصطحب معها مدلولاتها وإيحاءاتها ومبادئها وتاريخها، وتحتلّ بها مواقع للسيّطرة والتّأثير وبسط النّفوذ واستعمار النّفوس والعقول.
7. ارتباط الإسلام باللّغة العربيّة ارتباط عضويّ متلاحم لا يمكن معه فصل العربيّة عن الدّين، لأنّ القرآن الكريم: كتاب الإسلام نزل بلسان عربّي مبين، فالعربيّة مفتاحه، والعربيّة أداة فهمه، والعربيّة الباب إلى كنوزه. ونبيّ الإسلام محّمد صلّى الله عليه وسلّم عربيّ قُحّ، وسنّتُه- وهي التّشريع الثّاني للإسلام- لا تُفْهَمُ ولا يُعْلَم ما فيها من تشريع ومبادئ وآداب وأخلاق إلاّ باللّغة العربيّة المسطّرة بها، فلا إسلام - إذن - بلا عربيّة، ولا عربيّة بلا إسلام، وإذا أُصيب القوم بضعف في لغتهم العربيّة، اسْتَتْبَعَ ذلك ضعفَ صلتهم بالإسلام، وفقدهم لأداة الدّخول إلى رحابه والاغتراف من معينه، ولذلك فإنّ التّقصير في حقّ اللّغة، والتّهاونَ في إنقاذها من ورطتها، تفريطٌ نُحاسَب عليه، وتقصيرٌ ندان به، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به، فهو واجب. وقد رُوِيَ عن عمر(رضي الله عنه) قوله: "تعلَّموا العربيّة فإنّها من دينكم ".
وقد فَطن علماؤنا القدامى لعلاقة الإسلام المتينة باللّغة العربيّة، فأتقن المفسّرون والمحدِّثون والفقهاء والمؤرّخون والأدباء وغيرُهم علوم اللّغة غاية الإتقان، وتمكّنوا من معرفة خصائص اللّغة وأسرارها غاية التّمكّن، وكانت إجادتُهم للّغة خيرَ وسيلةٍ للفهم الصّحيح لكتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وخيرَ عونٍ لهم على استنباط الأحكام واستخلاص المبادئ والخوض في أعماق النّصوص، ورَوْعَة الكتابة شعراً ونثراً، والأمثلةُ على ذلك أكثرُ من أن تُحْصَى. ولابدّ لعلمائنا المحدَثين من أن يَحْذوا حَدْوَ أسلافهم في إتقان اللّغة العربيّة، وحسن التّعامل معها، وإجادة استخدامها في فهم نصوص الإسلام، وإبراز محاسنه وفضائله، والنّهْل من مناهله الّتي لا يَنْضُبُ لها معين، والرّدِّ على أعدائه ومُثيري غُبار الفتنة والشُّبَه من حوله، إذ لا يَصْلُح آخرُ هذه الأمّة إلاّ بما صَلَحَ به أوّلُها.
8. الضّعف في اللّغة العربيّة يدفع بعض النّاس إلى الزّيغ في العقيدة، والانحراف عن منهج الدّين والتّعسّف والضّلال في الحكم على النّصوص الإسلاميّة، وليِّ عُنُق الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة بسوء الفهم للّغة، والجهل بخصائصها وطرق تعبيرها، والقول فيها بالهوى والعناد.
ذكر ابن جنّي في كتابه الخصائص : " أنّ أكثر من ضلّ من أهل الشّريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطّريقة المثلى إليها، فإنّما اسْتَهْواه واسْتَخَفَّ حِلْمَه ضعفُه في هذه اللّغة الكريمة الشّريفة… وقال: ولوكان لهم أُنْسٌ بهذه اللّغة الشّريفة أو تَصَرُّفٌ فيها، أو مُزاوَلَةٌ لها، لَحَمَتْهم السّعادةُ بها ما أصارتهم الشِّقوةُ إليه، بالبعد عنها .. ولذلك قال:رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرجل لَحَن: " أرشدوا أخاكم فإنّه قد ضلّ" فسمَّى اللّحنَ ضلالاً، وقال عليه الصّلاة والسّلام: رحم الله امراً أصلح من لسانه، وذلك لما علمه صلّى الله عليه وسلّم مّما يُعْقِب الجهلُ لذلك من ضدّ السّداد وزَيْغ الاعتقاد".
وقد علّق محقّق (الخصائص) الأستاذ/ محمّد علي النّجّار، على الحديث الأخير بقوله: "حدّث بهذا الحديث عمر (رضي الله عنه)، وكان مرّ على قوم يُسيئون الرّمي فقرّعهم، فقالوا: إنّا قوم متعلّمين، فأعرض عنهم وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشدّ عليّ من خطئكم في رميكم، حيث سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول، فذكر الحديث: وانظر الجامع الصّغير في حرف الرّاء).
وقد رُوِيَ عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: "إنّ أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربيّة".
9. واجبُ العرب في النّهوض باللّغة العربيّة وخدمتها وضرورة الإسراع إلى علاج ضعف أهلها فيها، لا يقتصرعلى أقطارهم فحسب، بل هم مُطالَبون بنشرهذه اللّغة الشّريفة بين المسلمين كافّة، ومكلّفون أمانةَ تبليغها وتعليمها إلى كلّ مسلم في العالم، لأنّّ الله حباهم أوّلاً باختيار لغتهم لساناً لكتابه العزيز، وحباهم ثانياً بأنْ جعل رسولَ الإسلام صلّى الله عليه وسلّم منهم، وحباهم ثالثاً بأنْ جعل أرضهم منطلقاً للإسلام ونوره. وهذه الميزة الّتي اختصّ الله بها أمّة العرب، تُثقل كاهلها بمسؤوليّة الدّعوة إلى دين الله الحقّ، ومسؤوليّة نشر لغة القرآن الكريم بين المسلمين، فهو تشريف لها يصحبه تكليف، وفخرٌ تعتزّ به تترتّب عليه تَبِعة، ولكن كيف ينشر العربُ لغةَ القرآن الكريم بين المسلمين في أقطار الدّنيا وهم محتاجون إلى نشر هذه اللّغة بينهم؟ وكيف يخدمون إخوانهم المسلمين غير العرب وهم عاجزون عن خدمة أنفسهم؟ ففاقد الشئ لا يُعطيه، والمشلول الذي لا يحرّك نفسه لا يستطيع أن يحرّك غيره.

هذه في نظري الآثار النّاجمة عن الضّعف العامّ في اللّغة العربيّة لدى أمّة العرب، وهي آثار لا نبالغ في وصفها بالماحقة أو المدمّرة، ولا نَشْتَطّ في الخيال إن قلنا إنّها تهدّد شخصيّة الأمّة بالذّوبان والتّلاشي إن استمرّت غفلة القوم عن المحنة، وتركوا الآفة تستشري وتتفاقم إلى حدّ اليأس من علاجها، لا قدّر الله.
منقول
__________________

زوروا مدونتي و تابعوا محاولاتي


علّها تمتع أو تحدث الاضافة

https://buchahd.maktoobblog.com
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تعلم اللغة الأنجليزية مثل الأمريكان .. دروس فيديو وكتب بندر بن عبدالله تعليم اللغات الاجنبية 17 October 11, 2011 04:50 PM
الفتور: مظاهره واسبابه وطرق علاجه المقدام كتب الادارة و تطوير الذات 8 November 24, 2009 09:27 PM
لطلاب الثانوي : جميع وحدات منهج اللغة الانجليزية + شروحات + دروس .. مستووو الدليل العلمي للطلاب و المعلمين 7 August 11, 2009 09:46 AM
دروس في اللغة الالمانية سلة الفواكة تعليم اللغات الاجنبية 14 November 6, 2008 08:31 PM


الساعة الآن 11:39 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر