فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم September 9, 2009, 09:49 PM
 
Lightbulb عبد الرحمن بدوي .. فيلسوف في الريادة ومثقف وهب روحه لمحراب العلم

عبد الرحمن بدوي .. فيلسوف في الريادة ومثقف وهب روحه لمحراب العلم



سامح المحاريق - يصفه البعض بالتعالي والغرور والتغطرس وتلك تهم لا يمكن نفيها عنه، فهو بالفعل مثال للمثقف الذي ينظر للعالم من برج عاجي، على الأقل في السنوات الأولى التي شهدت صعوده في المشهد الأكاديمي والثقافي المصري والعربي، فهو شخصية تمكنت من أن تحصد العديد من الأعداء أثناء مسيرتها، منهم الحاقدون والمشككون في أصالته وتفرده، ونحجت أيضا في جذب المريدين كما تستقطب النار الفراشات الهائمة، وهؤلاء أيضا تسببوا في فكرة سلبية أخرى عنه، وحتى مذكراته التي منحته الفرصة لأن يتحدث لم تمكنه من أن يصل بصورة إيجابية للناس، ولعل ذلك كان آخر ما يعنيه، هذه مقدمة ضرورية للحديث عن الدكتور عبد الرحمن بدوي أكثر من اشتغلوا على الفلسفة والفكر في العالم العربي انتاجا، فهو رجل وهب نفسه للمعرفة وبقي حتى سنواته الأخيرة يتعامل معها بنفس الدهشة والنهم.
هل كان عبد الرحمن بدوي تنويريا أو مؤمنا بإمكانية التنوير، هذه نقطة خلافية أخرى في مسيرته الفكرية، ولكن ما لا يمكن تجاوزه هو دور جهوده الكبيرة في المجال الفلسفي والفكري في رفد الطريق التنويري بالعديد من المراجعات المهمة، لم يكن ثوريا في فكره مثل لويس عوض أو أنور عبد الملك أو محمود أمين العالم، وكانت علاقته بالسياسة كأحد فروع الفلسفة التطبيقية هشة أو مشوشة تميل إلى المحافظة وخلط الأزمة الشخصية بالمشكلة العامة، وكذلك لم يقدم أطروحات واضحة في النهضة، وبقي إنجازه المهم بين محاولته لبناء وجهة نظر فلسفية خاصة به، بمعنى أن يقوم بالإبداع في المجال الفلسفي، وبين قيامه بعمل مهم وموسوعي في تاريخ الفلسفة، كتبه بلغة أنيقة ومتزنة أسهمت في استقرار المصطلح الفلسفي خاصة في ظل اضطراب هذا المجال نتيجة للتباينات في الترجمة، وهذه أدوار مهمة أضافت للمكتبة العربية في مرحلة مهمة مراجع ومدونات عدة.
ولد عبد الرحمن بدوي سنة 1917 لأسرة إقطاعية صغيرة في واحدة من قرى دمياط، وكانت الأسرة تتكون من عشرين من الأشقاء والشقيقات، وفي ظل مجتمع النصف بالمائة كان بدوي يمثل طفلا محظوظا، فهو من القلة الذين حصلوا على تعليم نظامي في المدارس حتى وصل إلى مرحلة الثانوية العامة في القاهرة، ليلتحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة، ويبدو أنه كان متوجها بصورة واعية للدراسة في الفلسفة، فهو حصل على الترتيب الثاني على مستوى مصر في امتحان البكالوريا، وكانت كلية الحقوق هي الكلية التي يسعى أبناء طبقة بدوي لإلحاق أبنائهم بها، فهذه الكلية هي البوابة الشرعية لإعتلاء المناصب السياسية الكبيرة في المجتمع المصري قبل الثورة، ولكن اختياره للفلسفة لم يكن خاطئا، وهذا ما تمكن من إثباته بعد سنوات قضاها في جامعة القاهرة التي كانت تعرف بجامعة فؤاد الأول، ففي أحد الأيام المشهودة من تاريخ الجامعة في التاسع والعشرين من أيار 1944كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يحضر في المدرج الكبير مع جمع من الأساتذة لمناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها بدوي بعنوان الزمن الوجودي، وبعد مناقشة صاخبة تحولت إلى ساحة للحوار الساخن بين الأساتذة وخاصة المحافظين منهم، منحته اللجنة شهادة الدكتوراه لتمثل نصرا معنويا لطلبة الجامعة المنفتحين على الأفكار المعاصرة في وقتها، وأطلق طه حسين عبارته الكبيرة ''أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى'' لتصبح بمثابة الشهادة الثانية بعد الدرجة العلمية.
أعتبر بدوي في تلك المرحلة رائد الفلسفة الوجودية في العالم العربي، وكان ميالا لآراء الفيلسوف الألماني مارتن هيدغير والوجودية الألمانية بشكل عام في مواجهة الوجودية الفرنسية التي كان الفيلسوف جان بول سارتر حيث طالما رآه بدوي فيلسوفا ضعيفا وإن اعتبره في المقابل أديبا كبيرا، ويمكن القول بأن بدوي كان ميالا للوجودية المؤمنة التي ظهرت مع الفيلسوف الدنمركي سورين كيركيجارد، وكان انحياز بدوي للفلسفة الوجودية ورغبته في تقديمها للفكر العربي قائما على إيمانه بالقيمة الإنسانية وأهمية الحرية والمسؤولية والإرادة في حياته، فتصبح التجربة الوجودية في مواجهة الميتافيزيقيا كفلسفة أكثر عناية بالعصر وقضاياه.
التحق بدوي بسلك التعليم الجامعي وترقى سريعا في جامعة القاهرة، وأعير للتدريس في كلية الآداب العليا التابعة للجامعة الفرنسية في لبنان من سنة 1947 ولغاية سنة 1949 قبل أن يغادرها إلى جامعة عين شمس في القاهرة سنة 1950 ليؤسس فيها قسما للدراسات الفلسفية، وبقي يتنقل في المناصب الأكاديمية والرسمية حتى وصل إلى منصب الأستاذية سنة 1959، كما ابتعث مستشارا ثقافيا ومديرا للبعثة التعليمية في مدينة برن السويسرة في الفترة من 1956 ولغاية 1958.
لم يكن بدوي يحمل الكثير من الود تجاه ثورة يوليو، وعلى العكس من ذلك فقد رآها سجنا يحول من ممارسة المواطنين لحرياتهم، كما حمل عليها بشدة لتدخلها في المجال الأكاديمي وتحويلها الأساتذة الجامعيين إلى مخبرين وأبواق لسياساتها، ولبدوي موقفان سلبيان مع الثورة الأول عندما تجاهلت الدستور الذي عمل على إعداده كبار القانونيين والمفكرين في مصر في عامي 1953 و1954 وكان بدوي في لجنة الإعداد التي كان الأستاذ عبد الرزاق السنهوري رئيسا لها، حيث ركز هذا الدستور على الحريات والتعددية، وقامت حكومة الثورة بوضع دستور آخر سنة 1956 ركز السلطات بيدها وقلص مساحة الحريات وقضى على التعددية السياسية، بما رآه بدوي بداية لانتكاسة كبيرة، وفي المرة الثانية مع التأميم الزراعي حيث فقدت أسرته ملكيتها الزراعية نتيجة للقانون الإصلاح الزراعي سنة 1962.
وللحقيقة دائما ما كانت آراء بدوي السياسية صادمة، فهو توجه بالنقد لجميع الأحزاب القائمة في مصر قبل الثورة وخاصة حزب الوفد، وهمش بدوي كل منجزات ثورة يوليو تقريبا بينما لم ير في معظم أعمال عبد الناصر سوى النزعة الاستعراضية ولو كان المقابل تخريب مصر والدول العربية، كما طالت اتهامات بدوي قامات أدبية وفكرية كبيرة حيث وزع عليهم الاتهامات بالجهل والعمالة ووصفهم بالعديد من الصفات السلبية، ويمكن أن تقترن شخصية بدوي في تلك المرحلة بشخصية الفيلسوف الألماني الذي أثر فيه بشكل كبير مارتن هيدغير، فبدوي انضم إلى حزب مصر الفتاة الذي كان يصنف كحزب متطرف ولم يكن يخفي اعجابه بالنازيين وطريقتهم في التعامل.
في فترة الستينيات تنقل بدوي بين العديد من الجامعات مثل جامعة السوربون الفرنسية، ثم انتقل إلى الجامعة الليبية في بني غازي وارتحل إلى ايران ليدرس الإلهيات والعلوم الإسلامية في جامعة طهران، قبل أن ينتقل الى جامعة الكويت في منتصف السبعينيات، ومنها يرتحل إلى فرنسا مجددا حيث عاش هناك سنوات طويلة.
قدم بدوي إسهاما كبيرا في تحقيق العديد من المراجع الفلسفية الإسلامية وإعادة تقديم الفلسفة الإسلامية، فكتب عن ابن رشد وابن عربي وحقق العديد من كتب ابن سينا ورسائل لابن سبعين وابن باجه والفارابي، وأيضا درس في تأثير الفلسفة اليونانية على الفلسفة العربية وقدم دراسات مثل أرسطو عند العرب وأفلاطون في الإسلام و الافلاطونية المحدثة عند العرب والأصول اليونانية للنظريات السياسية في الاسلام، وفي المقابل قدم لدور العرب في التأثير على الغرب في كتابه الكبير ''دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي''، وإلى ذلك قدم العديد من الفلاسفة للقراء العرب مثل كانط وهيجل وشوبنهاور ونيتشه، وإلى ذلك ترجم العديد من الأعمال الفلسفية والتاريخية وكذلك الأدبية فقدم للقارئ العربي أعمالا من مسرح العبث والمسرح الحديث مثل أعمال برتولد بريخت ولوركا واونسكو، وترجم عمل جوته الكبير فاوست، وترجم بدوي العديد من التراجيديات اليونانية الشهيرة، وأستعان في ذلك العميل باتقانة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية واليونانية واللاتينية وإلمامه باللغة الهولندية.
أثناء تجربة التدريس في الجامعات العربية تحولت اهتمامات عبد الرحمن بدوي من تقديم الفلسفة الوجودية وتاريخ الفلسفة الغربية إلى الفلسفة الإسلامية، فهو يكتب أثناء تواجده في الكويت دراسة مهمة حول تاريخ التصوف في الإسلام، ويكتب أيضا في مسيرته مجموعة من الكتب المهمة التي حرضت على إعادة قراءة التاريخ الإسلامي برؤية مختلفة لا تركن للنصوص المتوارثة وتنظر بكثير من الريبة والقلق إلى المسلمات التاريخية وتحاول استقصاء ما وراءها من نوايا ليست حسنة بالضرورة ومصالح مختبئة في النصوص، وقدم في ذلك عدة كتب مهمة مثل شخصيات قلقة في الاسلام و من تاريخ الالحاد في الاسلام، وترجم كتاب فلهوزن المهم ''الخوارج والشيعة..
احزاب المعارضة الدينية السياسية في صدر الاسلام''.
وأثناء إقامته في فرنسا أنجز عملين مهمين وهما دفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم ضد منتقديه ودفاع عن القرآن ضد الطاعنين فيه، ويبدو أن سنوات الإقامة الطويلة في فرنسا قربت بدوي من الإطلاع على الأوضاع القائمة في البلاد الإسلامية، كما كان اعتداده بحضارته كجزء من اعتداده بنفسه دافعا له لمواجهة مغالطات المستشرقين الكثيرة في قراءتهم ورؤيتهم للإسلام والخيانة المقصودة للنصوص المترجمة بما يقلب من معانيها ويحيد بها عن مقاصدها، وهو لم يكن يرى في ذلك أية عفوية أو براءة، وإنما خلص من معايشته للعالم الغربي ذلك النفس العدائي تجاه المسلمين والذي تصاعد بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفييتي، وأدرك بدوي أن الغرب يبحث عن خصم جديد ويجده في الإسلام ليبدأ حملة كبيرة من الهجوم الإعلامي تسعى ليس إلى التحرش فقط ولكن للدخول في صدام معه، ويمكن أن بدوي اعتبر أن المسألة تأخذ منحى شخصيا بالنسبة له، فهذه المغالطات كانت تمسه في مكونه الحضاري وهويته الوطنية التي رأى أن الإسلام جزء لا ينفصم عنها، كما تصور أن الثرثرة الأكاديمية في مجال الإسلاميات التي تصاعدت في الغرب والتي قدمت بعض الأسماء التي قيمها بدوي كأسماء مشبوهة وقليلة القيمة لتصدير فكرها كنموذج للفكر النقدي والمعاصر تزويرا في الحالة الفكرية العربية والإسلامية وافتئاتا شخصيا عليه، خاصة وأن إقامته الطويلة في الغرب وشهرته جعلته ينظر للأمر من باب ''لا يفتى ومالك في المدينة''.
كانت المعركة في البداية تتعلق بمسألة الدقة وضبط المصطلحات ومع الوقت اكتشف بدوي أن ذلك يتم بآلية واحدة تخلط العديد من المسائل الاجتماعية والثقافية مع الفكر الديني،
ولذلك كانت فترة التسعينيات هي الردة الشخصية له للعودة إلى الكتابة في مجال الإسلامية، وأخذه الحماس في شيخوخته الباريسية الهادئة فكانت حلقات دفاعه متماسكة تمتلئ بالقوة وكأنه استعاد نفسه التي كانت في قاهرة الأربعينيات، لم تكن المسألة كما تصورها البعض رغبة في ركوب الموجة وتحقيق مكاسب مادية، فبدوي الذي عرف عنه التقشف وربما التقتير كان يعتاش بدخل بسيط كما أنه كان دون مسؤوليات اجتماعية من أسرة وأبناء.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الزمن الوجودي - عبد الرحمن بدوي advocate كتب فكرية وفلسفية 13 April 2, 2015 07:15 PM
طاليس أول فيلسوف وجنسيته يوناني عبد الحميد كتب فكرية وفلسفية 3 September 6, 2013 10:22 PM


الساعة الآن 03:02 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر