فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم August 8, 2009, 01:51 AM
 
Love مصلحون ومفكرون

بلغت الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني ذروة المجد، وبسطت سلطانها على معظم بلدان العالم الإسلامي، وبعض الدول الأوروبية، وارتقت فيها النظم الإدارية على نحو يثير الإعجاب والتقدير، وسنت القوانين التي تنظم الحياة بكل دقة وعدالة، ودون أن تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وازدهرت العمارة والبناء.
وكان وراء تلك النهضة الشاملة السلطان سليمان القانوني، وكان شاعرا له ذوق فني رفيع، ويجيد الخط، وعددا من اللغات الشرقية من بينها العربية، وكان له بصر بالأحجار الكريمة، كل ذلك إلى جانب قدرته الفائقة على قيادة الجيوش وإدارة الدولة، وممارسة الدبلوماسية بكل فنونها.
الانفتاح على الدولة الأوروبية
سليمان القانوني وفي حضرته أحد ملوك أوروبا

خطا السلطان سليمان القانوني خطوات واسعة في سياسة انفتاح الدولة في علاقاتها مع الدولة الأوروبية، وبخاصة فيما يتعلق بالنشاط التجاري، فعقد عدة معاهدات لتنظيم تلك العلاقات التجارية، وتدحض تلك المعاهدات ما يروجه بعض الباحثين من أن الدولة العثمانية فرضت عزلة على ولاياتها العربية عن أوروبا، وقد سبق أن أقدم السلطان سليم الأول في أثناء إقامته بمصر بعد الفتح العثماني لها سنة 923ه=1517م على عقد معاهدة تجارية مع جمهورية البندقية، لزيادة النشاط التجاري لها في مصر.
معاهدات مشرفة
عقد السلطان سليمان القانوني معاهدة مع "فرنسوا الأول" ملك فرنسا سنة 934ه=1528م حددت فيها الدولة العثمانية الامتيازات التي سبق أن منحها سلاطين دولة المماليك الشراكسة للفرنسيين، وكفلت المعاهدة الجديدة لتجار فرنسا ورعاياها الأمن والسلامة على أرواحهم وأموالهم ومتاجرهم، في المدة التي يمكثون فيها في أراضي الدولة العثمانية، وتعطي لهم الحق في التنقل بحرية برا وبحرا، وممارسة التجارة، دون أن يمسهم أحد بسوء، أو يتعرضوا لمضايقات من قبل السلطات العثمانية.
ونظمت المعاهدة إقامتهم وطريقة معيشتهم في أحياء أو خانات خاصة بهم، نصت على عدم المساس بكنائسهم أو فرض ضرائب عليها.
معاهدة جديدة بين الدولتين
وشجّع نجاح تطبيق هذه المعاهدة أن سارع ملك فرنسا فرنسوا الأول والسلطان سليمان القانوني على إبرام معاهدة جديدة، قوى من الإسراع في عقدها العلاقات الودية التي تربط بين العاهلين الكبيرين، وعقدت هذه المعاهدة سنة 941ه=1535م وعرفت باسم معاهدة صداقة وتجارة بين الإمبراطورية العثمانية وفرنسا كانت أكثر شمولا من المعاهدة السابقة، وتقرر فيها منح فرنسا وسائر رعاياها الذين يذهبون إلى أقاليم الدولة العثمانية شتى الامتيازات في مقابل منح الرعايا العثمانيين امتيازات مماثلة لها تقريبا.
فرنسا تستعين بالدولة العثمانية
ونظرًا للعلاقات الحسنة التي كانت تربط السلطان سليمان القانوني بفرنسا، فإنه استجاب لطلب ملكها "فرنسوا الأول" مساعدات حربية، في أثناء الحرب التي اشتعلت بين فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة حول دوقية ميلان في شمالي إيطاليا، فأبحر "خير الدين برباروسا" من إسطنبول في المحرم 950ه=مايو 1543م على رأس قوة بحرية كبيرة إلى جنوبي فرنسا، لمساعدتها في تخليص ميناء "نيس" من قبضة "شارل الخامس"، ونجح بمساعدة "بولان" القائد البحري الفرنسي في استعادة ميناء نيس في ربيع أول 950ه=يوليو 1543م.
ميناء طولون الفرنسي قاعدة حربية للعثمانيين
وفي السادس عشر من جمادى الآخرة 950ه=16 من سبتمبر 1543م عقدت معاهدة بين الدولة العثمانية وفرنسا، تركت فيها الأخيرة ميناء طولون الفرنسي برضاها لإدارة الأتراك، وهو من الأحداث الفريدة في التاريخ التي لا تقع إلا نادرا؛ إذ تحول طولون وهو الميناء الحربي لفرنسا إلى قاعدة حربية إسلامية للدولة العثمانية، التي كانت في حاجة ماسة إليه؛ إذ كان الأسطول العثماني يهاجم في غير هوادة الأهداف العسكرية الأسبانية التي كانت تهدد دول المغرب العربي والملاحة بالبحر المتوسط.
وفي الفترة التي ترك فيها ميناء طولون للدولة العثمانية أخلى الثغر الفرنسي من جميع سكانه بأمر من الحكومة الفرنسية، وطلبت منهم أن يأخذوا معهم جميع أمتعتهم وأموالهم، وعدَّت رفض الهجرة من المدينة عصيانا للحكومة الفرنسية.
وتحول طولون إلى مدينة إسلامية عثمانية، رفع عليها العلم التركي، وارتفع الأذان في جنبات المدينة في أوقات الصلاة، وظل العثمانيون في المدينة ثمانية أشهر، شنَّوا في خلالها هجمات بحرية ناجحة على سواحل أسبانيا وإيطاليا.
وقد أدى هذا التحالف بين الدولة العثمانية وفرنسا إلى ازدياد السخط في أوروبا على "فرانسوا الأول" الذي دعم تحالفه مع العثمانيين، إلى الحد الذي جعله يسمح بتحويل ميناء طولون إلى قاعدة بحرية إسلامية تخدم الأسطول العثماني، وأطلق الرأي العام الأوروبي على هذا التعاون عبارة الاتحاد المدنس بين فرنسا والهلال.
معاهدة سنة 961ه=1553م
وبعد موت ملك فرنسا فرانسوا الأول، انتهج ابنه هنري الثاني سياسته في دعم علاقته بالدولة العثمانية، وتوثيق الصداقة، والاستعانة بأسطولها البحري وقت الحاجة، فعقد معاهدة مع الدولة العثمانية في (16 من صفر 960ه=1 من فبراير 1553م) بمقتضاها تساعد البحرية العثمانية فرنسا في فتح جزيرة كروسيكا، وأن يقدم لها ستين سفينة حربية مجهزة بالأفراد والعتاد، ونصت الاتفاقية على أن تكون الغنائم والأسرى من نصيب العثمانيين ولو كانوا من المسيحيين، كما حوت الاتفاقية على نصوص أخرى لتنظيم التعاون بين الدولتين في هذا المجال، ونجح الأسطول العثماني والفرنسي في فتح جزيرة كروسيكا بفضل هذا التحالف.
أثر هذه المعاهدات
ولما استشرى نفوذ الدولة الأوروبية وازداد تدخلها في شئون الدولة العثمانية في أثناء مرحلة ضعفها، اتخذت من المعاهدات التي أجرتها معها سندا لهذا التغلغل، والتدخل في سياسة الدولة أكثر مما مضت عليه تلك المعاهدات التي قامت على أساس تبادل الحقوق والواجبات بين الأوروبيين الموجودين في الدولة العثمانية والرعايا العثمانيين في الدول الأوروبية.
من مصادر الدراسة:
  • يلماز أوزتونا - تاريخ الدولة العثمانية - مؤسسة فيصل – تركيا 1988م.
  • عبد العزيز محمد الشناوي - الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة 1984.
  • محمد فريد بك - تاريخ الدولة العلية العثمانية - تحقيق إحسان حقي - دار النفائس – بيروت 1403ه=1983م.
  • محمد حرب – العثمانيون في التاريخ والحضارة – المركز المصري للدراسات العثمانية – القاهرة 1414ه=1994م.

  • بول كولز – العثمانيون في أوروبا – ترجمة عبد الرحمن عبد الله الشيخ – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1993م.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم August 8, 2009, 01:54 AM
 
رد: مصلحون ومفكرون

العزيز بالله الفاطمي.. وعصر الخلفاء الأقوياء
(في ذكرى توليته: 5 ربيع الآخر 365ه)
سمير حلبي
الدولة الفاطمية في أقصى اتساع لها
اتسم عهد الخليفة الفاطمي "العزيز بالله" بالرخاء الاقتصادي والازدهار الحضاري والنهضة الثقافية، وذلك بالرغم من تعرض مصر للعديد من المجاعات والأوبئة التي أتت على الأخضر واليابس، وكان نصيب العصر الفاطمي هو الأوفر من تلك المجاعات.
وكان عهد العزيز بالله امتدادا لعهد أبيه الذي شهد بداية إرساء دعائم الدولة الفاطمية وتوطيد أركانها في مصر.
ولد العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد بمدينة المهدية بالمغرب سنة (344ه= 955م) وقدم مع أبيه المعز إلى مصر سنة (362ه= 972م) وقد عهد إليه أبوه بالخلافة، فلما مات خلفه في (5 من ربيع الآخر 365ه= 12 من ديسمبر 975م) وهو في الثانية والعشرين من عمره.
وكان العزيز بالله يتمتع بشخصية قوية منذ حداثة سنه، كما عُرف بالنبوغ والذكاء، وكان أديبًا مستنيرًا يجيد عدة لغات.
أول وزارة في خلافة الفاطميين
كان الخليفة الفاطمي خلال تلك الفترة -فترة الخليفة مطلق النفوذ التي امتدت من عام (358ه= 968م حتى 386ه= 996م)- إماما لأتباعه، لا ينازعه أحد سلطته الدينية هذه، كما كان يتمتع بنفوذ مطلق في تسيير أمور الدولة، وكان هو المسئول عن تعيين الولاة والقضاة.
وكانت وظيفة الوزير يقوم بها الرجل الثاني في الدولة بعد الإمام مباشرة، وتسمى "رتبة الوساطة"، ويطلق على من يتولاها "الوسيط"، كما كانت تسمى "السفارة".
ونتيجة لانفراد الخليفة بالحكم واستحواذه على كل السلطات، واستئثاره بكل مقاليد أمور الدولة، فلم يظهر لقب الوزير في مصر الفاطمية إلا في (المحرم 367ه= أغسطس 977م) عندما منح الخليفة الفاطمي الثاني العزيز بالله لقب الوزير ل"يعقوب بن كلس" الذي لقبه ب"الوزير الأجلّ".
أوضاع النصارى في عهد العزيز
بعدما فشل الفاطميون في تحويل مسلمي مصر إلى المذهب الإسماعيلي، اتجهوا إلى كسب ود أهل الذمة. وقد اتسم عهد العزيز بالله بالتسامح مع النصارى، فزاد في إكرامهم لِمَا كان بينه وبينهم من صلة نسب؛ فقد كان متزوجا من امرأة نصرانية على مذهب الملكانيين، وكان من أثر سياسة التسامح التي انتهجها العزيز نحو الذميين بصفة عامة والنصارى بوجه خاص أن ازداد نفوذهم في عصره، وأصبح عدد كبير منهم يعملون في دواوين الدولة المختلفة، بعد تولّي "عيسى بن نسطورس" النصراني دواوين الدولة في سنة (384ه= 994م)، كما عين الخليفة "منشا بن إبراهيم القزاز" اليهودي واليًا على بلاد الشام؛ وهو ما مكّن لأهل الذمة في زمانهما.
وأثار استئثار الذميين بمناصب الدولة استياء المصريين المسلمين، فتذمر أهل الفسطاط عليه، واعترضوا طريقه بدمية امرأة وضعوا معها ورقة فيها: "بالذي أعزّ اليهودَ بمنشا، والنصارى بابن نسطورس، وأذل المسلمين بك.. إلا نظرت في أمري".
اضطر الخليفة إزاء موجة السخط والغضب هذه إلى القبض على منشا ونسطورس، وأعاد الكُتّاب المسلمين إلى أعمالهم بالدواوين، ولكنه ما لبث أن أعاد نسطورس، بعد أن شفعت له ابنته "ست الملك"، وزوجته المسيحية، وولاه الوزارة بعد أن اشترط عليه أن يولّي المسلمين في الدواوين.
نساء في حياة الخليفة
لعبت المرأة دورًا مهمًا في حياة الخليفة الفاطمي العزيز بالله، وبالرغم من أن المرأة ساهمت بنصيب كبير في سياسة البلاد الداخلية والخارجية في العصر الفاطمي، فإنها نالت في عهد الخليفة العزيز مكانة لم تحظ بها في أي من العهود السابقة.
كانت أولى النساء التي حظيت بمكانة كبيرة هي السيدة "المعزية" أم الخليفة العزيز، زوجة الخليفة المعز، والتي تلقبت ب"أم الأمراء"، واسمها "تغريد" وقيل "درزان" أو "درزارة"، وهي "أم ولد" من أصل عربي تزوجها الخليفة المعز بالمغرب قبل أن يأتي إلى مصر، وكان لها نشاط تجاري واسع في مصر، وبالرغم من أنه لم يكن لها أي دور سياسي معروف فإن الخليفة المعز كان يتشاور معها في بعض الأمور السياسية على نحو ما يذكر المقريزي.
وقد نُسب إليها عدد من الآثار العمرانية الشهيرة مثل: جامع القرافة، وقصر القرافة، وتوفيت عام (385ه= 995م) أي قبل وفاة ابنها العزيز بعام واحد.
كما كانت لزوجته السيدة "العزيزية" مكانة كبيرة في حياته، وكان لها أثر كبير في كثير من السياسات التي انتهجها العزيز؛ فقد كانت تلك السيدة نصرانية على المذهب الملكاني –مذهب الكنيسة القسطنطينية- وهي أم "ست الملك" شقيقة "الحاكم بأمر الله" لأبيه، وكان لهذه السيدة سلطان كبير على الخليفة العزيز؛ وهو ما جعله يرفع أخويها إلى أرقى المناصب الكنسية، فعين أخاها "أُرِيسْتس" مطرانا على بيت المقدس سنة (375ه= 985م)، وعين أخاها الآخر "أرسانيوس" مطرانا على القاهرة، ثم أصبح بطريركا على القاهرة بعد ذلك.
والسيدة "العزيزية" هي التي حملت العزيز على انتهاج سياسة التسامح مع النصارى، وإعادة بناء بعض الكنائس، حتى بلغ من تعاطف العزيز مع النصارى أنه كان يشاركهم احتفالاتهم بأعيادهم الدينية.
أما "ست الملك" ابنة الخليفة العزيز بالله وأخت الخليفة الحاكم بأمر الله فقد حظيت بمكانة عالية لدى أبيها الذي أحاطها بكل أسباب الترف والثراء، حتى إنه بنى لها القصر الغربي لتعيش فيه بمفردها، وكان لها نحو أربعة آلاف جارية يقمن بخدمتها، وكانت تمتلك ثروة كبيرة من التحف الثمينة والجواهر النفيسة، ولها إقطاع في ضياع الصعيد والوجه البحري، فضلا عما كانت تملكه من الدور والبساتين.
وكانت ست الملك ذات شخصية قوية، حرصت دائما على إسداء النصح لأخيها الحاكم الذي تولى الخلافة صغيرًا، وكان الحاكم في بداية الأمر يتقبل مشورتها ويستشيرها في كثير من الأمور.
ومن الغريب أن تتجه الشكوك إليها بعد مقتل أخيها الحاكم؛ باعتبارها ضالعة في تلك الجريمة، وأنها خططت للتخلص منه بالاتفاق مع "سيف الدولة بن دواس".
ويورد المؤرخون أسبابا كثيرة لذلك، معظمها أسباب شخصية تدور حول تدهور العلاقة بينهما، نتيجة لشك أخيها الدائم في سلوكها، بعدما كثرت الأقاويل حولها، ورغبته في التخلص من سيطرتها أو وصايتها عليه، وقيل: إنها فعلت ذلك للحفاظ على ملك آبائها، خاصة بعد ادعاء الحاكم الألوهية.
إصلاح الجيش ودخول العناصر الأجنبية فيه
كان جيش الفاطميين الذي فتح مصر يتكون من الروم والصقالبة والبرقية والباطلية والعبيد والسود، وكان الكتاميون يمثلون الجزء الأكبر من جيش جوهر الصقلي، وكان لذلك التركيب الاجتماعي العرقي للجيش الفاطمي أهميته الخاصة التي تضمن الولاء للخلافة، وتحقق التوازن المطلوب الذي يكفل سيطرة الخليفة على الجيش.
ولكن الفاطميين ما لبثوا أن شعروا بالحاجة إلى إعادة تنظيم الجيش، بعدما واجهوا جيوشا أكثر تفوقًا وأشد تنظيمًا مثل الجيش البويهي العباسي والجيش البيزنطي الرومي.
وازدادت رغبة الخليفة الفاطمي العزيز بالله في إحداث ذلك التغيير بإدخال عناصر من الأتراك والديالمة في الجيش الفاطمي، وخاصة بعد المواجهة التي تمت بينه وبين جيش القائد "أفتكين" –"ألبتكين" في دمشق، فأصبح أولئك الجند منذ ذلك الحين عنصرًا مهمًا في الجيش الفاطمي، ولكن ذلك أدى إلى نشوب صراع دائم بين العناصر المختلفة التي يتألف منها الجيش الفاطمي؛ فظهر النزاع بين المغاربة والمشارقة نتيجة خوف المغاربة على مكانتهم في الدولة.
النفوذ الخارجي للفاطميين في عهد العزيز
بدأ اهتمام الفاطميين ببلاد الحجاز منذ خلافة المعز لدين الله الفاطمي الذي استطاع أن يبسط نفوذه على تلك البلاد، حينما استولى "حسن بن جعفر الحسني" على مكة، ودعا للخليفة المعز على منابرها؛ فقلده المعز الحرم وأعماله، وعمل المعز على تدعيم سلطته على مكة والمدينة، وسعى إلى بسط سيطرته على سائر بلاد الحجاز.
وظلت الخطبة باسم الخليفة المعز في كل من مكة والمدينة حتى توفي سنة (365ه= 975م) وخلفه ابنه العزيز فانقطعت الخطبة له في بلاد الحجاز، فأرسل العزيز "إدريس بن زيدي النهاجي" أميرا على الحج سنة (367ه= 977م) فاستولى على الحرمين وأقام الخطبة باسم العزيز، إلا أن نفوذ الفاطميين لم يستقر في مكة والمدينة طوال عهد العزيز؛ فقد دعا أمير حُجّاج العراق ل"عضد الدولة بن بويه" وهو ما اضطر العزيز إلى إرسال حملة إلى الحجاز، وانتهى الأمر بإعادة الخطبة للعزيز على منابرها.
أما في بلاد اليمن التي بدأت الدعوة الفاطمية بها منذ سنة (368ه= 978م) فقد بلغت تلك الدعوة فيها أوج ازدهارها في ظل خلافة العزيز بالله الفاطمي، حيث تمكن أتباعه من قطع الخطبة للخليفة العباسي في جميع البلاد وإقامتها له، واستمر الحال على ذلك حتى توفي.
كما استطاع العزيز أن يوطد أقدام الفاطميين في الشام مرة أخرى، بعد أن استطاع "أفتكين" التركي الاستيلاء على دمشق سنة (25 من المحرم 368ه= 4 من سبتمبر 978م) فخرج إليه العزيز بالله من القاهرة على رأس حملة كبيرة –وكان القائد جوهر الصقلي على رأس الطليعة في ذلك الجيش- واستطاع الفاطميون إلحاق الهزيمة الساحقة بقوات أفتكين والقرامطة، وتحقق للفاطميين المزيد من الاستقرار في بلاد الشام، بعد أن جلا عنها القرامطة إلى بلادهم.
العزيز بالله وإنشاء الفرق الخاصة
بعد أن استولى الخليفة العزيز بالله على دمشق، وبعد انتصاره الساحق على القرامطة أخذ القائد التركي أفتكين أسيرًا مع من أسرهم من الديالمة والأتراك، وكان الخليفة يجد في أفتكين -برغم كل ما سببه له من متاعب، وما كبده من خسائر- مقاتلا شجاعا، وخصما قويا جديرا بالعفو لا بالعقاب والقتل؛ ولذلك فإنه استبقاه وعفا عنه، وأحسن إليه، وأنزله في دار الأتراك، وأفاض عليه المنح والعطايا، بعد أن كان أفتكين قد قطع كل خطوط الرجاء، وأيس من الحياة، وظن أنه لا محالة مقتول.
واستمر أفتكين يحظى برعاية الخليفة وعطفه حتى توفي سنة (372ه= 982م)، واتُّهم الوزير يعقوب بن كلس بدس السم له، فاعتقله العزيز مدة ثم ما لبث أن عفا عنه، وأعاد إليه سلطانه وسلطاته، ثم زاد في ذلك ووهبه خمسمائة غلام من الناشئة وألف من المغاربة، وقد شكل هؤلاء جميعا فرقة خاصة سميت "الوزيرية" وكان للوزير السلطان المطلق فيها، وعُدّ ذلك بداية ظهور الفرق الخاصة التي حملت أسماء الخلفاء والوزراء، والتي تقتصر مهمتها على توفير الحماية والأمن لرئيس الدولة أو الوزير.
خروج العزيز لقتال الروم في الشام
نجح "علي بن الحسن المغربي" أحد كبار رجال الدولة الحمدانية في إقناع الخليفة العزيز بالله بالعمل على غزو حلب والتخلص من الحمدانيين.
وأعد الخليفة جيشا كبيرا ضم نحو ثلاثين ألفا، جعل عليه أحد القادة الأتراك ويدعى "منجوتكين" وسار الجيش حتى وصل دمشق، ومنها إلى حلب، فلما وجد الحمدانيون الجيش الفاطمي على أبواب مدينتهم استنجدوا بملك الروم الذي كلف نائبه على أنطاكية بالسير إلى حلب في خمسين ألفا، والتقى الجمعان لا يفصلهما إلا نهر "العاصي"، فراحا يتراشقان بالنشاب، فلما عبر جيش المسلمين فرّ الروم إلى أنطاكية، وغنم المسلمون أموالهم ومتاعهم.
ولجأ الحمدانيون إلى الحيلة، فاستمالوا عددا من رجال منجوتكين ليقنعوه بالعودة إلى دمشق، ووافق ذلك هوى القائد الفاطمي، فعاد إلى دمشق وكتب إلى الخليفة يدّعي نفاد المؤن.
وأثار ذلك غضب العزيز فعاد منجوتكين بعد ذلك إلى حلب فحاصرها حتى استنجد أهلها بالروم مرة أخرى، وأحس إمبراطور الروم بالخطر على بلاده، فخرج بنفسه على رأس مائة ألف متجهًا إلى حلب.
وجاءت أخبار تحرك جيش الروم إلى منجوتكين، فسارع بإحراق ما لديه من خزائن وأموال، وولّى هاربا إلى دمشق دون قتال.
ووصل ملك الروم إلى حلب فاستولى على ما فيها، ثم اتجه إلى حمص فاستولى عليها، وسار إلى طرابلس فحاصرها أربعين يوما دون أن يتمكن من فتحها، حتى اضطر إلى العودة إلى بلاده مرة أخرى.
وعندما علم العزيز بما حدث عظم ذلك عليه، ونادى في الناس بالخروج للقتال، وفتح خزائنه فأنفق منها على التجهيز للحرب، وأعد أسطولا حربيا جمع له العدد والآلات والأسلحة اللازمة.. ولكن حدثت مجموعة من الكوارث العجيبة والأحداث الغريبة، فقد احترق الأسطول الذي أنفق الكثير من الجهد والمال لتجهيزه قبل أن يخرج للقتال، فتمّ صنع أسطول آخر، فلما خرج إلى البحر هبت ريح قوية فتحطم الأسطول وغرق عدد كبير من الجنود.
ولكن ذلك كله لم يجعل الوهن أو اليأس يتسرب إلى نفس العزيز بالله، ولم يضعف ذلك من عزيمته، فخرج في جيوش هائلة إلى بلاد الشام لينتقل منها إلى أرض الروم.
كانت نفسه تمتلئ حماسا وإصرارا على لقاء الروم، تدفعه رغبته القوية في محو تلك المهانة التي ألحقها الروم بالمسلمين، إلى مواصلة التحرك ليل نهار حتى ينتقم منهم، ويدفع أذاهم عن المسلمين.
ولم يكن يدري أن ساعات قليلة تفصل بين يومه الذي يحياه وغده الذي لن يراه؛ فقد اشتد عليه مرض "القولنج" الذي أصابه ب"بُلْبَيْس" عند خروجه من مصر وتزايد عليه حتى أودى بحياته في (28 من رمضان 386ه= 15 من أكتوبر 996م) وهو في الرابعة والأربعين من عمره.
مظاهر النهضة الحضارية والفكرية في عهد العزيز
وقد شهد عصر العزيز بالله العديد من مظاهر العمران والنهضة الحضارية التي شملت الكثير من العلوم والفنون والآداب.
وكان من أبرز الآثار المعمارية التي أنشأها العزيز قصر اللؤلؤة الذي شيده على النيل، كما اهتم كذلك بالقصر الشرقي الكبير الذي أسسه جوهر القائد، والذي يعد من أعظم عمائر الفاطميين. وقد أضاف إليه العزيز قاعة الذهب والإيوان الكبير، كما بدأ العزيز في بناء مسجده الضخم خارج السور الشرقي للقاهرة، ولكنه توفي قبل أن يتمه، فأكمله ابنه الحاكم.
وكانت القاهرة طوال العصر الفاطمي هي مركز الدعوة الإسماعيلية في العالم الإسلامي، وقد تركزت هذه الدعوة في بداية الدعوة الإسماعيلية في الأزهر، وشهدت بداية خلافة العزيز بالله أولى حلقات الدراسة في الجامع الأزهر، حيث جلس القاضي "علي بن النعمان" في سنة (365ه= 975م) ليملي مختصرا في الفقه على جمع كبير من العلماء والكبراء.
كما شهدت الفنون المتطورة ازدهارا كبيرا في العصر الفاطمي، حتى بلغت أقصى درجات الجودة والإتقان، ومن ذلك صناعة الخزف والمصنوعات الزجاجية، وخاصة في عهد الخليفة العزيز بالله.
وشهدت مصر كذلك في عهده استقرارا ملحوظا ونهضة اقتصادية ورواجا تجاريا، فضلا عن النهضة العمرانية العظيمة وإنشاء العديد من المساجد والأربطة والمدارس، والاهتمام بالحدائق والبساتين وتشييد القصور الأنيقة والمباني الفخمة؛ وهو ما يعكس حياة الترف والرفاهية التي اتسم بها عهد العزيز.
أهم مصادر الدراسة:
  • اتعاظ الحنقا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء: تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي المقريزي- المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة.
  • تاريخ الدولة الفاطمية: د.حسن إبراهيم حسن- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة- 1413ه= 1993م.
  • الدولة الفاطمية: د.عبد الله محمد جمال الدين- دار الثقافة القاهرة- 1411ه= 1991م.
  • الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد: د.أيمن فؤاد سيد- الدار المصرية اللبنانية- القاهرة- 1413ه= 1992م.
  • الدولة الفاطمية في مصر سياستها الداخلية ومظاهر الحضارة في عهدها: د.محمد جمال الدين سرور- دار الفكري العربي- القاهرة- 1386ه= 1966م.
  • ظهور خلافة الفاطميين وسقوطها في مصر: د.عبد المنعم ماجد- مكتبة الحرية الحديثة- القاهرة- 1405ه= 1985م.
  • المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار "الخطط المقريزية": تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي المقريزي- دار صادر- بيروت د.ت
رد مع اقتباس
  #3  
قديم August 8, 2009, 01:56 AM
 
رد: مصلحون ومفكرون

دولة الموحدين.. ملامح بداية
(في ذكرى وفاة مؤسسها: 10 من جمادى الآخرة 558ه)
أحمد تمام
حدود دولة الموحدين بالمغرب والأندلس
ظهر المهدي بن تومرت في القرن السادس الهجري، وبدأ دعوته الإصلاحية في المغرب؛ فدعا الناس إلى التوحيد الخالص، ولهذا أُطلق على أنصاره اسم "الموحدين"، وسُميت الدولة التي قامت على دعوته دولة "الموحدين"، وجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعا لنفسه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم الذي يحكم بين الناس بالعدل، واتخذ منهجا في الفقه يقوم على الدراسة المباشرة للقرآن والسنة دون دراسة فروع المسائل الفقهية التي كانت سائدة في المغرب على المذهب المالكي.
وكان المهدي بن تومرت يطوف بمدن المغرب يدعو الناس إلى الإصلاح والالتزام بالشرع ومحاربة البدع والمنكرات، وقد لاقت دعوته قبولا بين الناس، فالتفوا حوله أينما نزل. وفي إحدى جولاته التقى بعبد المؤمن علي الكومي، وكان اللقاء في "ملالة" بجانب ميناء "بجاية" شرقي الجزائر.
نشأة عبد المؤمن علي الكومي
وأبو محمد بن علي الكومي من أصل بربري، ولد في قرية "تاجرا" الجزائرية التي تبعد نحو ثلاثة أميال عن مرسى "هنين" على ساحل البحر المتوسط، ولا يُعرف على سبيل اليقين تاريخ مولده. وفي قريته حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ودرس شيئا من الفقه والسيرة النبوية، ثم رحل إلى تلمسان، وكانت من حواضر العلم، وتلقى العلم على عدد من كبار العلماء، في مقدمتهم الشيخ "عبد السلام التونسي" إمام عصره في الفقه والحديث والتفسير، ثم استعد للرحلة إلى المشرق؛ طلبا للمزيد من المعرفة. وقبل الرحيل سمع بوجود فقيه جليل يتحدث الناس عن علمه الغزير، فاشتاق إلى رؤيته، فاتجه إليه حيث يقيم في بلدة "ملالة" القريبة من "بجاية" بمسافة قليلة.
وفي هذا اللقاء أُعجب عبد المؤمن بشخصية "ابن تومرت" وغزارة علمه وقدرته على حشد الأنصار والأتباع، وتخلى عن فكرة السفر إلى المشرق، ولزم ابن تومرت، ودرس على يديْه، وكان عالما كبيرا وفقيها متبّحرا، ودرس في المغرب، ورحل إلى المشرق، وقابل العلماء، وأخذ عنهم، ثم توثقت الصلة بين الرجلين، ثم غادرا "ملالة"، واتجها إلى "فاس"، وفي أثناء الرحلة لم يكف المهدى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكسر آلات اللهو، وإراقة الخمر حتى وصل إلى مدينة فاس، فأقام بها يدرّس العلم إلى سنة (514ه= 1120م)، ثم ارتحل ومعه عبد المؤمن بن علي الكومي إلى مراكش عاصمة دولة المرابطين، فأقاما بها في (ربيع الأول 515ه = 1221م).
بداية الصدام مع دولة المرابطين
أقام المهدي بن تومرت في مراكش وأخذ في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعترض على سياسة الدولة في بعض الأمور التي رآها مخالفة للشرع، ووعظ السلطان حين قابله في المسجد وطالبه بتغيير المنكر، فلما استفحل أمره وتجمع الناس حوله دعا الأمير "علي بن يوسف" العلماء إلى مناظرته فغلبهم بقوة لسانه وحدّة ذكائه وسعة علمه، ولم يجد الأمير مفرًا من طرده من عاصمته، معتقدا أن ذلك كافٍ لزوال خطره على سلطانه، واتجه المهدى بأتباعه إلى "تينملل" وبدأ في تنظيمهم وإعدادهم، وجعلهم في طبقات على رأسها الجماعة التي تمثل أعلى سلطة في حكومته، وهي تتألف من عشرة رجال، كان من بينهم عبد المؤمن بن علي الكومي، ثم أخذ البيعة لنفسه في (غرة المحرم 516ه= 12 من مارس 1122م)، واستعد لمواجهة المرابطين بجذب الأتباع والأنصار وتجهيز الحملات العسكرية التي حققت بعض الانتصارات، وشارك المهدي في تسع غزوات منها، ولكنها لم تكن كافية لتقويض الحكم المرابطي، وشجعت هذه الانتصارات زعيم الموحدين فأرسل حملة كبيرة بلغت 40 ألف جندي لمهاجمة مراكش عاصمة المرابطين والاستيلاء عليها، ولكنها لقيت هزيمة ساحقة سنة (524 ه= 1130م) في معركة سميت بمعركة "البحيرة"، على مقربة من أسوار مراكش، وقُتل معظم الجيش الموحدي، ولم ينج من القتل سوى عدد قليل، تسلل تحت جنح الظلام إلى "تينملل"، ولما وصلت أنباء الهزيمة إلى المهدي الذي كان مريضا ساءت صحته وخاب أمله ثم لم يلبث أن توفي في (13 رمضان 524ه= 20 من أغسطس 1130م).
الكومي زعيمًا للموحدين
تحمل عبد المؤمن علي الكومي أعباء الدعوة عقب وفاة أستاذه، وكانت المسئولية جسيمة بعد الهزيمة المدوّية التي لحقت بالموحدين، واستطاع في صبر وأناة أن يعيد تنظيم شئون دعوته ويجند أنصارا جددا، واستغرق منه ذلك نحو عام ونصف حتى إذا آنس في نفسه قوة وثقة بدأ في الاستعداد لمناوشة المرابطين، وظل يناوشهم دون الدخول في معارك حاسمة، واستمر هذا الوضع حتى سنة (534ه= 1130م)، وكان عبد المؤمن في أثناء هذه الفترة يعمل على زيادة نشر الدعوة الموحدية وجذب قبائل جديدة للدخول في طاعته وتوسيع رقعة دولته كلما سمحت له الظروف، وبخاصة في الجهات الجنوبية والشرقية من المغرب.
سقوط دولة المرابطين
رأى عبد المؤمن أن الفرصة قد سنحت للقضاء على المرابطين، فآثر أن يسرع في ذلك، وأن يبدأ بمهاجمتهم في قلب دولتهم، فجهز جيشًا عظيمًا لهذا الغرض، وخرج به من قاعدته "تينملل" سنة (534 ه = 1140م)، واتجه إلى شرق المغرب وجنوبه الشرقي؛ لإخضاع القبائل لدعوته، بعيدًا عن مراكش مركز جيش المرابطين القوي، وأنفق عبد المؤمن في غزوته الكبرى أكثر من سبع سنوات متصلة، أبدى فيها ضروبًا من الحيل الحربية والمهارة العسكرية؛ وهو ما جعل الجيش المرابطي يحل به الوهن دون أن يلتقي معه في لقاءات حاسمة ومعارك فاصلة.
وفي أثناء هذه الغزوة توفي علي بن يوسف سلطان دولة المرابطين سنة (537ه = 1142م) وخلفه ابنه تاشفين، لكنه لم يتمكن من مقاومة جيش عبد المؤمن، الذي تمكن من دخول تلمسان سنة (539ه=1144)، فتراجع تاشفين، إلى مدينة "وهران"، فلحقه جيش الموحدين، وحاصروا المدينة وأشعلوا النيران على باب حصنها، ولما حاول تاشفين الهروب من الحصن سقط من على فرسه ميتًا في (27 من رمضان 539 ه = 23 من مارس 1145م)، ودخل الموحدون مدينة وهران، وقتلوا من كان بها من المرابطين.
بعد وهران تطلع عبد المؤمن إلى فتح مدينة فاس، فاتجه إليها، وضرب حولها حصارًا شديدًا، ظل سبعة أشهر، وعانى أهلها من قسوة الحصار، واضطر واليها إلى التسليم فدخلها الموحدون في (14 من ذي القعدة 540 ه = 5 من مايو 1145م).
ثم دخلت كل من مدينتي سبتة وسلا في طاعة الموحدين قبل أن يتجهوا إلى تراشك لفتحها، وكان يعتصم بها إسحاق بن علي بن تاشفين، وضرب الموحدون حصارًا حول المدينة دام أكثر من تسعة أشهر، أبدى المدافعون عن المدينة ضروبًا من الشجاعة والبسالة، لكنها لم تغن عنهم شيئًا، واستولى الموحدون على المدينة في (18من شوال 541ه = 24 من مارس 1147م)، وقتلوا إسحاق بن علي آخر أمراء المرابطين بعد أن وقع أسيرًا، وبذلك سقطت دولة المرابطين، وقامت دولة جديدة تحت سلطان عبد المؤمن بن علي الكومي الذي تلقب بلقب "خليفة".
استكمال الفتح
انتهز جماعة من الزعماء الأندلسيين فرصة انشغال المرابطين بحرب الموحدين بالمغرب، فثاروا على ولاتهم التابعين لدولة المرابطين، وأعلنوا أنفسهم حكامًا واستبدوا بالأمر، وتنازعوا فيما بينهم يحارب بعضهم بعضًا.
فلما تمكن عبد المؤمن بن علي من بسط نفوذه على المغرب بدأ في إرسال جيش إلى الأندلس سنة (541ه = 1146م)، فاستعاد إشبيلية واتخذها الموحدون حاضرة لهم في الأندلس، ونجح يوسف بن علي قائد جيش الموحدين من بسط نفوذه على بطليوس وشمنترية، وقادس، وشلب، ثم دخلت قرطبة وجيان في طاعة الموحدين سنة (543ه= 1148م)، واستعادوا "المرية" سنة (552ه = 1157م) من يد الأسبان المسيحيين، وبذلك توحدت بقية الأندلس الإسلامية تحت سلطانهم، وعين عبد المؤمن ابنه "أبا سعيد عثمان" واليًا عليها.
وفي سنة (555 ه = 1160م) أمر عبد المؤمن ابنه ببناء حصن ومدينة على سفح جبل طارق الذي سُمّي بجبل الفتح –ولا تزال قطعة من هذا البناء باقية إلى اليوم في جبل طارق وتعرف بالحصن العربي- وعلى إثر ذلك عبر عبد المؤمن من طنجة إلى الأندلس ونزل بجبل الفتح، وأقام شهرين أشرف خلالهما على أحوال الأندلس ثم عاد إلى مراكش.
وقبل أن يعبر عبد المؤمن إلى الأندلس كان قد تمكن في سنة (547 ه = 1152م) من فتح المغرب الأوسط وضم إلى دولته الجزائر وبجاية وقلعة بني حماد، وجعل ابنه عبد الله واليًا على المغرب الأوسط، وعهد إليه بمواصلة الفتوح شرقًا، فنجح فيما عُهد إليه، كما نجح في القضاء على النورمانديين الصليبيين وطردهم من تونس التي كانوا قد احتلوها. وفي أواخر أيام عبد المؤمن حدث تمرد في شرق الأندلس، فأسرع إلى هناك وقمع الثائرين وقضى على الفتنة، ثم عاد إلى المغرب، وعندما وصل إلى "سلا" نزل به المرض، ولم يلبث أن توفي في (10 من جمادى الآخرة 558 = 16 من مايو 1162م) ودفن في "تينملل" بجوار قبر المهدي بن تومرت.
عبد المؤمن بن علي في التاريخ
حكم عبد المؤمن بن علي أربعًا وثلاثين سنة تعد من أزهى عصور المغرب، ورث عن ابن تومرت حركة ثائرة فحولها إلى دولة، ومد سلطانها حتى شلمت المغرب كله وما بقي من الأندلس ووضع لها القواعد والنظم الإدارية التي تمكن من تسيير أمور الدولة وإدارة شئونها. ويحفظ التاريخ رسالة طويلة بعث بها عبد المؤمن إلى أهل الأندلس، تعد دستورًا لنظم الحكم الموحدية، أكد فيها على اتصال الولاة بالناس دون وساطة، ودعا إلى أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، ولا يطبق الإعدام على أي شخص دون الرجوع إلى الخليفة ورفع تفاصيل جريمته إليه، وحث الولاة على محاربة صنع الخمر، وألا يفرضوا غرامات أو مكوس على رعيتهم إلا بإذن منه.
ونظم عبد المؤمن أمور دولته وجعل لها مؤسسات، فللعدل والنظر في الشكايات وزير، ولأعمال الحرب والجهاد وزير يسمى "صاحب السيف"، وللثغور وزير، وللشرطة رئيس يسمى "الحاكم"، وجعل للكتابة والمراسلات وزيرًا من أهل الرأي والبلاغة، وكان لعبد المؤمن مجلس خاص للنظر والمشاورة يحضره الفقهاء ونواب القبائل وكبار رجال الدولة.
وعني عبد المؤمن بن علي بالجيش حتى صار من أعظم الجيوش في وقته، وكان هو نفسه قائًدا عظيمًا وجنديًا ممتازًا، يشاطر جنوده مشقة الطريق وتقشف الحياة العسكرية، واجتمع له من الجيوش الجرارة ما لم يجتمع لملوك المغرب مثله، حيث حقق به انتصارات رائعة.
وشهد عصره حركة إصلاح اجتماعي، فحارب المنكرات بلا هوادة، واشتد في محاربة الخمر وإنزال العقوبة على شاربيها، وكان حريصًا على أن تقام الصلوات في مواقيتها، وأن تجمع الزكاة وتصرف في مصارفها الشرعية.
وكان عبد المؤمن إلى جانب براعته الإدارية والعسكرية، فقيهًا حافظًا لأحاديث رسول الله، له بصر بالنحو واللغة والأدب، محبًا لأهل العلم، لا يُعرف عنه ميل إلى اللهو، بل كان جادًا وافر العقل، مسلمًا شديد الغيرة على الدين، متحمسًا لكل ما يصلحه.
من مصادر الدراسة:
  • ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون – دار الكتاب اللبناني – بيروت – 1981م.
  • محمد عبد الله عنان: عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس – مكتبة الخانجي – القاهرة 1411ه = 1990م.
  • حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته – العصر الحديث للنشر والتوزيع – بيروت – 1412 ه = 1992م.
  • السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير (العصر الإسلامي)- الدار القومية للطباعة والنسر – القاهرة – 1966م.
  • عبد الله علي علام: الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن بن علي – دار المعارف – القاهرة – 1971م.
  • إبراهيم علي حسن: عبد المؤمن بن علي الكومي – دار الثقافة – الغرب – 1406ه 1986م
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
رائع

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع



الساعة الآن 10:57 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر