فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم June 29, 2009, 07:41 PM
 
Icon14 تاريخ نادي الترقي بالجزائر 1927م

معنى نادي الترقي :
لغة:
إن كلمة ناد أصلها عربي مأخوذ من دار الندوة واستعملت عند الأوروبيون واليهود وكذلك المسلمين وقد ذكرت في القرآن الكريم أكثر من مرة
قال تعالى: «...وتأتون في ناديكم المنكر...» (1)
كما تعني دار الندوة كل دار يرجع إليها ويجتمع فيها (2)
وقد ظهرت النوادي في الجزائر مع مطلع القرن 20م (3)
اصطلاحا:
هي مؤسسة شعبية أسسها الشعب لأغراض ثقافية ودينية بدون مساعدة الاحتلال و يتولى بنفسه عملية الإشراف عليه (4)
أما كلمة الترقي في المعنى اللغوي فتفيد: ترقى به الأمر أي بلغ غايته وترقى ترقيا أي رقي في الأمر درجة درجة كأن النادي يرقى في الإصلاح شيئا فشيئا (5)
أما اصطلاحا فاسم نادي الترقي فيه نفحة قادمة من المشرق العربي حيث شاعت عبارة الترقي دليلا على التقدم والحداثة التي روج لها الأوروبيون في عالمنا الإسلامي (6)





(1) سورة العنكبوت ، الآية 29
(2) جماعة من العلماء ، المنجد في اللغة والأعلام (دار المشرق ،بيروت،2000) ص38
(3) خالد مرزوق و المختار بن عامر ، مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان ، آثار و مواقف 1907/1956 ( مركز التصدير ،تلمسان-الجزائر- 2003) ص35
(4) تركي ، التعليم القومي ، ص19
(5) جماعة من العلماء ، المجد في اللغة و الأعلام ، ص39
(6) مريوش ، الطيب العقبي ، ص11





2- ظهور نادي الترقي:
لقد تحمس أعيان لحركة الإصلاح الإسلامية التي أصبحت حديث العامة في أواخر العشرينيات وسار في هذا الاتجاه مجموعة من رجال العلم و ذوو الجاه والإيمان (1) كما كان لمجيء أحمد توفيق المدني (2) للجزائر سنة 1925 أثر هام في تغير ونضج الجزائريين مما أدى بأشراف الجزائر العاصمة أن تستعين به نظرا لجاهه وعلمه وأناقته وعلاقاته (3) كما يمكن القول أنه بعد انضمام الشيخ أحمد توفيق المدني إلى الحركة الإصلاحية الوطنية في الجزائر . بدأت هذه الحركة تحدد وتبلور أهدافها بوضوح أكثر (4) وكان على رأس هذه النخبة المتحمسة للإصلاح الحاج زواوي والحاج محفوظ بن تركي والسي قدور رودوسي وإبراهيم بشطارزي ومحمد بن حفاف وغيرهم من المحسنين الذين كان لهم دور فعال بالعاصمة مدفوعين بدافع ديني قوي حيث أنشأوا في العشرينيات مدارس خاصة لتعليم أبناء المسلمين أمور دينهم و أنشأوا الملاجئ للفقراء والمساكين وقد ختموا جهودهم بإنشاء نادي الترقي 1926 الذي صادف تأسيسه مرور قرن على الحصار الفرنسي للجزائر سنة 1827م(5)
و في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين أسس رجال الدين المصلحين في الجزائر حركة وطنية إصلاحية تعنى بنشر التعليم الحر للعربية ، و لمبادئ الإسلام بعيدا عن جمود الفكر الرجعي الطرقي ، و هكذا تأسس نادي الترقي في عاصمة الجزائر ، ليجتمع داخله أغلب رجال الدين الإسلامي .(6)





(1)KADDACHE, la vie politique, p237
(2) أحمد توفيق المدني (1899/1984) من مواليد مدينة تونس و هو من عائلة جزائرية ، زعيم سياسي قدير درس بالزيتونة و شارك في النضال الوطني بتونس ضمن الحزب الدستوري ، سجن عدة مرات ، له عدة مؤلفات منها كتاب الجزائر 1931، وكتاب هذه هي الجزائر 1957، و كتاب حياة كفاح في ثلاثة أجزاء ،عرف بنشاطه السياسي و الصحافي للمزيد أنظر: محمد الطاهر العدواني ، مجلة التاريخ ، العدد 18( م . و .ف. م، الجزائر،1985) ص169
(3) SADEK sallam, Lecheikh tayeb el oqbi au cercle du prgres . revue islam de France , N°= 3 , 2002 , p 95

(4) محمد الطاهر العدواني ، مجلة التاريخ ، العدد 18 ( م. و. ف. م ، الجزائر ،1985) ص 168
(5) سعد الله ، أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر ،ج3 ، ص20
(6) الطاهر بن عيشة ، نادي الترقي و الحركة الإصلاحية – الشيخ الطيب العقبي و الشيخ السعيد الزاهري – جريدة المحقق، السلسلة الثانية ، العدد 58 ( 27 أفريل 2007) ص 15


3-الفكرة والتأسيس:
أثناء حفل عشاء أقيم بمنزل السيد محمد بن المرابط -أكبر التجار الجزائريين- على شرف توفيق المدني بعودته إلى الجزائر أثناء صيف سنة 1926 ، وضم هذا الحفل 32 رجل من أعيان الجزائر وفضلائها وأخذ الحديث مجراه حول وضعية الجزائر وحول حاضرها ومستقبلها وقام السيد الحاج ماماد المانصالي وشكر المدني بخطبه الواعظة الهادفة في حفل التكريم وكذا جمعية الشبيبة وما أثاره في نفوس الجزائريين ، واقترح على المدني بأن يكمل عمله بإنشاء جمعية أو ناد على أن يعينوه ويؤيدوه وصادق جمع كبير على ماقاله المانصالي، فاقترح المدني إنشاء ناد ضخم كبير يقع في أحسن حي ويؤثث أحسن تأثيث يلم الشمل وفيه يجمع الناس كل يوم خير لهم من اجتماع المقاهي تحت أعين الجواسيس الفرنسيين، وفي هذا النادي تتكون الأفكار وتظهر الآراء وتناقش المشاريع وتبدو الحركات الصالحة ، فمن أراد النهضة الاقتصادية وجد حوله رجال الاقتصاد ومن أراد الإصلاح الاجتماعي وجد من يبحث في الإصلاح إلى غير ذلك من مواضيع النهضة والحياة فرد عليه السيد يوسف بن المرابط بأن الفكرة حسنة جدا لكنها مثل كل الأفكار تطفو على السطح حينا ثم ترسب ولا يبقى لها من أثر فما كان على المدني إلا أن قال : إن الفكرة سهلة التنفيذ وقريبة الإدراك ويلزمها ثلاثة أمور المال وعندكم والحمد لله والرجال وأنتم عصبة قوية من الرجال ، العزيمة وفيكم العزيمة الصادقة، فلو أردتم ولو عزمتم لكان لكم النادي في أقرب وقت ، وهنا أخذ الحاضرون يتناقشون وطال الحديث وتشعبت وتشاكست الآراء وتصادمت الغايات إلى أن هدأت الثائرة وخفت الحدة بعد ساعة فقال المدني : الآن حسب رأيي عليكم أن تجربوا ليتكلف ثلاثة منكم بالبحث عن محل لائق محترم وفسيح وليتعهد جماعة منكم أو كلكم ببذل المال الكافي من أجل الإيجار والتأثيث ودفع التكاليف الأولى ثم لتعينّ لجنة لتحرير قانون أساسي يعرض على الاجتماع العام عند عقده.
فقال السيد محمود بن ونيش صاحب اكبر معمل خشب بالعاصمة : هذا رأي عملي صالح ومن رأيي المبادرة بالعمل وأنا أكون من المكلفين بالبحث عن المحل ومن دافعي المال وانضم إليه(1)

(1) أحمد توفيق المدني، مذكرات حياة كفاح 1925/1954م ، ج2 ( ش. و. ن. ت ، الجزائر 1977) ص111




محمد بن المرابط بالبحث والمال ثم قام كل من : عمر الموهوب – إبراهيم رودوسي –المحفوظ بن التركي – والزاوي الحاج –ومحمد أزميرلي ومحمد ابن صيام وحسان حافيز وحمدان بن رضوان وعمر بوضربة والحاج محمد بن الحفاف بالالتزام بدفع المال تسبقه وسلفه متى وجد المحل من أجل المصاريف الأولى ، وخلال هذا الحفل التاريخي قبلت الدعوة وأخذت طريقها في ميدان التنفيذ فتكلف محمود بن ونيش ومحمد بن المرابط وحسان حافيز بالبحث عن المقر المحمود وتعهد الذين ذكرت أسماؤهم ببذل المال و تكفل السيدان يحي بن مرابط وقدور بن المراد بأن يحررا بإعانة المدني القانون الأساسي و اقترح المدني اسم نادي الترقي فقبل من طرف الجميع بجذل، و ما هي إلا أيام حتى اهتدت لجنة إيجاد المحل إلى أجمل و أبهى موضع يحتل طابقا كاملا من عمارة تشرف على ساحة الحكومة ( ساحة الشهداء حاليا ) و له قاعة فريدة في اتساعها و في ضخامتها طولا و عرضا و ارتفاعا تتسع لنحو ثلاثة مائة شخص و خلفها أربع قاعات أخرى واسعة، فالنادي يستطيع أن يسع نحو 700شخص بكل سهولة فأعجب الجميع به، و كان هو غاية المراد و تم الاتفاق على الثمن و فعين محمد بن المرابط أمينا للمال فجمع من كل الملتزمين ما تعهدوا به من مال و أنهال العمال على العمل في همة و حمية و نشاط فما هي إلا أشهر قليلة حتى فوجئ العاصمة من أوربيين و جزائريين بلوحة كبيرة زاهية الألوان بديعة الخط تمتد فوق كامل واجهة الطابق الثاني من البناية و تحمل اسم نادي الترقي باللغتين العربية يمينا والفرنسية يسارا ويفصل بينهما شعار مدينة الجزائر الرسمي، تعمد في رسمه تغييرا أساسا في جانبه الأيمن من الأعلى أين تم وضع رسم مصحف مفتوح في مكان الصليب الرسمي وعين الافتتاح يوم الثالث من شهر جويلية 1927م الذي كان يوما مشهودا فإذا كانت برجوازية الجزائر العاصمة هي التي تولت التأسيس والاتفاق، فإن رجال الشعب من كل الطبقات هم الذين توافدوا على النادي وملأوا قائمة المشاركين فيه وهناك ولأول مرة اجتمعت النخبة والقاعدة في محل واحد وحول مائدة واحدة تحمل أفكارهم وعقولهم وآمال واحدة، وانتخب النادي محمود بن ونيش رئيسا له إلى جانب إداري لم يكن من ضمنه المدني صاحب " فكرة وتسمية النادي " لأنه حسب قوله كي لا يقال أن الحزب الدستوري التونسي هو الساعي وهو المنفذ لهذا التأسيس.(1)

(1) المدني ، حياة كفاح ، ج2 ، ص112

هكذا وبتكاتف هذه الجماعة من أعيان العاصمة وأغنيائها أسسوا ناديا تحت اسم نادي الترقي بالفعل وفتحوا له محلا ضخما ببطحاء الحكومة بالعاصمة وهذا عمل عظيم يدل على حياة جديدة وطموح ورقي في أسباب المدينة .(1) و كان أول محاضر بالنادي هو الشيخ عبد الحميد بن باديس (2) بطلب من مؤسسي النادي أن يلقي محاضرة به متفائلين بالزيارة فلبى الدعوة ففي يوم 18 جويلية 1927 على الساعة السادسة بعد الزوال غص النادي وقاعاته برجال الفضل على اختلاف طبقاتهم وأنوار الكهرباء المتألقة متدفقة من كل جهة كأنها دراري مرصعة في سماء اللجّين، فأخذ الأستاذ ابن باديس في إلقاء المحاضرة التي تدور حول تاريخ النوادي والاجتماع عند العرب والمسلمين(3) وبين أثرها في إحياء الحياة الفكرية والتربوية عند سائر الأمم متطرقا إلى تاريخ النوادي والاجتماع طيلة العصر الجاهلي ثم العصر الإسلامي إلى حد القرن العشرين ومن ذلك فإن نادي الترقي يختلف في رسالته عن النوادي الأخرى التي سبقته إذ كان يهدف إلى الرقي الديني والاجتماعي عند العرب والأخذ بأسباب التقدم. كما أن الغرض من تأسيسه هو طرح ومناقشة الوضعية العامة التي آلت إليها الجزائر العاصمة في النصف الأخير من العشرينيات(4) هكذا وبعد افتتاح سلسلة المحاضرات العامة من طرف الشيخ عبد الحميد بن باديس أخذ النادي بعد ذلك يشهد محاضرات أسبوعية تتناول الأوضاع الدينية والاجتماعية والثقافية دون التعرض للوضع السياسي ويعود ذلك في رأي أحمد الخطيب إلى أمرين أو سببين :
أولا : أن منشئ النادي هم جماعة (5) أعيان أو برجوازيو المدينة وبالتالي فهم لا يريدون الدخول في نزاع مع السلطة الذي قد يؤدي إلى التأثير في أوضاعهم المادية .
ثانيا : الخوف من انتقام السلطة فتغلق النادي وتضيع الجهود المبذولة لإبعاد الشباب الجزائري عن المقاهي والحانات.(6)

(1) الشهاب ، المجلد 03، السنة الثالثة ، العدد106 ( 21جويلية 1927) ص120
(2) عبد الحميد بن باديس (1889/1940) ولد بقسنطينة لأسرة ميسورة و بها تعلم و في سنة 1908 التحق بالزيتونة و بها تحصل على إجازة سنة 1912 ن بدأ التدريس سنة1913 ، كان من مؤسسي نادي الترقي و هو من زعماء الإصلاح بالجزائر ،أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 05 ماي 1931م بمدينة الجزائر و أصبح رئيسها ، كان له الفضل في ظهور العديد من الصحف منها الشهاب...كما عرف بحبه الإسلام و أهله للمزيد أنظر : سعيدوني و بوعمران ، المرجع السابق ، ص- ص . 64-68
(3) محمد العاصمي ، أعظم ناد في الجزائر و إن كان بعد 100عام ، الشهاب ، المجلد 03 ، السنة الثالثة، العدد107 (04أوت 1927) ص154
(4) مريوش ، الطيب العقبي ، ص129
(5) هم : محمد بن ونيش ، ماماد المنصالي ، عمر الموهوب، الزاوي الحاج، قدور بن مراد التركي ،محمد أزميرلي وغيرهم للمزيد أنظر: محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر و ثورتها المباركة ،ج2 ،ط1( المطبعة العربية ، الجزائر، 1971) ص 23
(6) الخطيب ، المرجع السابق ، ص106


ومنه فالنادي كان يعمل لليقظة الفكرية والثقافية للمسلمين الجزائريين والمركز كان بحق محتويا على مكان للصلاة، قاعات للاجتماع وفضاء للمحاضرات وهو بأكمله يستطيع أن يستقبل أكثر من 700 شخص بالإضافة إلى أعمال منظمات ذات طابع ثقافي أو سياسي (1) لذا يمكن أن نعتبر النادي صالة مقهى أدبي (2) ومكان تثقيف حيث كان في الغالب مقرا صغيرا لكل دروس الشيخ العقبي (3) الواعظة، ولو أن من ايجابيات النادي أيضا امتلاكه واستخدامه لشرفة واسعة ضخمة مطلة على ساحة الحكومة القريبة جدا من المسجدين الكاتدرائيين للعاصمة ففي مناسبات الاحتفالات الكبرى يستطيع هذا النادي جذب وبدون عناء العديد من رواد هذين المسجدين وكسب كل الناس ليس فقط المستمعين الذين استطاعوا حجز مكان في قاعته الكبرى بل كذلك كل الجمهور والحشد في ساحة الحكومة (4).
4) أهداف النادي:
كللت الحركة الإصلاحية نهاية العشرينيات من القرن الماضي بنجاحات هامة على مستوى التطور الفكري والنضج السياسي وهذا بالأخص مع مطلع سنة 1927م، هذه السنة التي تمثل رمزا هاما في تاريخ الحركة الوطنية، فهي تمثل مرور مائة سنة على ضرب الحصار الفرنسي على الجزائر وهو الحصار الذي انتهى بالاحتلال، كما أنها هي السنة التي بدأت فيها السلطات الفرنسية الاستعداد للاحتفال المئوي، وتعتبر سنة 1927م رمزا آخر لنهضة الجزائر أيضا فهي السنة التي أعلن فيها زعماء نجم شمال إفريقيا عن مطلب الاستقلال، وظهر بعدها الحديث عن تأسيس جمعية المصلحين وهي الجمعية التي ستظهر بعد أربع سنوات في صورة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما أنها هي السنة التي ولد فيها نادي الترقي (5).

(1) Sallam , op.cit , p94
(2) ALI Merad , Le réformisme musulman en Algérie1925-1940 ( Paris , 1967) p99
(3) الطيب العقبي (1888/1960)ولد بسيدي عقبة بسكرة من أسرة متوسطة ، هاجر مع عائلته إلى الحجاز ، درس بالمدينة المنورة و بدأ بنشر مقالات في الصحف فنفي
مع عائلته إلى الأناضول و منها عاد إلى مكة أشرف على جريدة القبلة و المطابع الملكية ، عاد إلى الجزائر سنة1920م احتك برجال الإصلاح و أصدر جريدة الإصلاح
ثم أصبح خطيبا بنادي الترقي ، من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورئيس جريدة البصائر عام1936م ، لعب دورا كبيرا في المؤتمر الإسلامي الجزائري 1936م
، اتهم بقتل الشيخ كحول بعدها لزم نادي الترقي إن وافته المنية للمزيد أنظر : سعيدوني و بوعمران ، المرجع السابق ، ص-ص.367-369
، أيضا : صالح حرفي ، محمد سعيد الزاهري ( م.و.ل ، الجزائر ، 1986) ص63
(4) Merad, op.cit, p 96
(5) أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج8 ، ط1 ( دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1998) ص416





وكما أن للنوادي و كثرتها وانتظامها علي النسق البديع هو الميزان الذي توزن به الأمم و رقيها و تفوقها في أساليب الحضارة، وأن فقدانها أو قلتها أو خلوها عن النظم الحديثة هو المعيار الذي تقاس به الشعوب، ونظرا لتأسيس هذا النادي و هو بضخامته وفخامته الفنية خليق به أن يكون زينة العواصم وتاجا وهاجا علي جبين الحواضر بل هو بناء حيوي من مرافق وأثاث وثلاث قاعات بديعة أرشقها البهو المطل علي بطحاء الحكومة إذ له منظر جميل بهيج يستهوي الأفئدة ويخلب الألباب وكأن مؤسسيه الكرام أزمعوا في إفراغه هذا القالب الجميل الجذاب إلا علي أمل أن يسحروا به أعين الناظرين.(1)
أما من جهة مقاصد النادي المعنوية السامية فإنه حسب قوانين النادي الأساسية نذكر : الفصل 02:المقصد من تأسيس هذه الجمعية هو مساعدة الأعمال التمدينية التي تقوم بها فرنسا.(2)
وذلك بالسعي في تثقيف مسلمي الجزائر علميا واقتصاديا واجتماعيا ولذلك فالجمعية تبذل كل مجهودها للوصول إلي ما يأتي: (3)
1- نشر التعليم العام والتعليم الصناعي.
2- مساعدة التجارة والصناعة والفنون.
3- مديد الإعانة للقراء.
ولهذه الجمعية أن تفتح محلا أو عدة محلات الاجتماع حتى يمكن لأعضائها أن يتقابلوا ويتذاكروا ويتعلموا ولها أن تنظم دروسا بمحاضرات ومسامرات وتمنح للتلاميذ إعانات لإتمام تعليمهم ونشر النشريات و تنشئ محل إرشادات قانونية ومحل عيادات طبية مجانا للفقراء والمحتاجين،ولها زيادة علي ذلك بإعانة السلطة الإدارية وتحت رعايتها كل مشروع اقتصادي أو اجتماعي يوصلها إلي مقاصدها .(4)

(1) العاصمي ، المصدر السابق ، ص153
(2) الغرض من هذا التعبير هو كسب رضا السلطات الاستدمارية للحصول على الموافقة لتأسيس النادي
(3) العاصمي ، المصدر السابق ، ص 154
(4) الشهاب ، المجلد 03 ، السنة الثالثة ، العدد 107 ( 04 أوت 1927)




كما جاء في قانون النادي الأساسي في الفصل الثالث القمار والخمر و المناقشات السياسية كلها ممنوعة في النوادي وفي هذا الصدد أجاب أحد المؤسسيين لنادي الترقي في جريدة الشهاب بمقال تحت عنوان:" أردناه ناديا وأرادوه مخمرة " حيث جرت بينه وبين أحد الفضلاء محادثة بمناسبة إحراز دعاة الخمر علي النصر الأخير مساء الجمعة 29 جويلة 1927 في مجلس عمومي بأصوات 42 ضد21 علي مقاومي الكحول وكل ما يشم منه رائحة الحانات والدعارة قائلا:"نادي الترقي يعني معناه يرمي إلي غاية بعيدة إلي الأخلاق العالية...إننا أيها الفاضل أردنا ناديا وأرادوا - في بواطنهم - مخمرة ...ومن خدعنا بالله انخدعنا له ." (1) وإذا كانت هذه الأهداف التي جاء بها القانون الأساسي والمقدمة للسلطة الفرنسية ظاهرة للجميع، فإن أهدافه الخفية أو الغير المعلن عنها في فكر المصلحين له، هو جمع كلمة المسلمين ومحاربة الطائفية التي تمزق الجزائر "خاصة العاصمة" أين كان عدد المسلمين بها لا يزيد عن 35ألف (2) ينقسمون إلي ولد البلاد والقبائلي والمزابي والعربي ...ويهدف أيضا إلي تثقيف الجماهير بثقافة الإسلام ويحارب التفرنج والاندماج وكل الآفات الخلقية التي ينشرها الاستدمار بين المسلمين بكل الوسائل، لذا أنشأ هؤلاء المصلحون نادي الترقي لتطهير الجزائر من التعصب المذهبي و الجهوي الذي زرعه الاستدمار، وخلق الأخوة الإسلامية بين النفوس فاتحدت وكان مكانا للمثقفين المصلحين من كل أنحاء الجزائر والمغرب العربي الكبير كما كان الذين أسسوه ينتمون إلي سائر العناصر التي تتألف منها العاصمة .(3)
وهكذا أصبح نادي الترقي ناديا مرادفا لكلمة الإصلاح، إذ اعتبره البعض قاعدة الإصلاح الأولي في الجزائر لما قدمه في هذا الميدان لفائدة الوطن والشعب إذ أصبح منبرا يوجه منه المصلحون ضرباتهم للفساد الخلقي، والتعصب الجنسي المذهبي الجهوي وفضح أساليب الاستدمار الذي كان يفرق بها بين الجزائريين وهذا بفضل مجهودات النادي الرامية إلي إحياء اللغة والدين والوطن .(4)


) 1) الشهاب ، المجلد 03، السنة الثالثة ، العدد 109 ( 11أوت 1927) ص. ص . 172. 173
(2) محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر و ثورتها المباركة ، ج1، ط 1 ( المطبعة التعاونية ، دمشق ، 1965) ص 94
(3) محمد الأكحل شرفاء ، نادي الترقي ماضيا و حاضرا ، جريدة الشعب ، العدد 06 ( جانفي 1987)
(4) Kaddache , la vie politique , p 227



وفي رحاب هذا النادي تألفت جماعة من الشباب المثقف والمصلح واتحدوا لرفع راية الإسلام والعروبة ترفرف في سماء الجزائر وعلى رأسهم ابن باديس والمدني والإبراهيمي (1) وغيرهم (2) .
5- دور نادي الترقي في الحفاظ على عروبة الجزائر وإسلامها (1927/1931) :
هناك من يرى أن نادي الترقي في سنواته الأولى لا يمكن أن يوصف بأنه كان مركز إشعاع الحركة الفكرية في العاصمة قبل أن تلمسه يد الحركة الإصلاحية بمفهومها الإسلامي (جمعية العلماء)، وهذا ما ذهب إليه الشيخ محمد الأكحل شرفاء في رده على مقالة عبد الرحمن غريب (4) وأن النادي كان شبيها بالنوادي الأوربية فقد كان يستعمل لأغراض لا علاقة لها بالنور ولا بالإشعاع ولو أن عبد الرحمن غريب يرى العكس(5) فالنادي عرف نشاطا قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين ، فقد كان المترددون على النادي شبانا وشيوخا يهتمون بالفنون وذوقهم كان باديا في لوحات رسمها فنانون متخصصون في الفنون التشكيلية الموجودة بسقف القاعة الكبيرة وجدرانها، وفي رحاب النادي بدأت جمعيات موسيقية "مازال أثرها إلى اليوم" تبحث عن التراث الكلاسيكي العربي وكان شبان جمعية الطليعة الرياضية المتخصصة في الجمباز يأتون كل أمسية إلى النادي ليستطرد عبد الرحمن غريب متسائلا أحقا أن كل هذا ليس بإشعاع فكري ليضيف بأن هيئة النادي كان فيها أعضاء من جمعية الشبيبة الإسلامية مثل محمد علي ويوسف دمرجي ورشيد بطحوش ومحمد بن المرابط ومحفوظ الزدك الذين اشتروا بنهج لوني أرزقي ( رامب فالي سابقا) دارا وأهدوها لجمعية الشبيبة الإسلامية .(6)



(1) محمد البشير الإبراهيمي (1889/1965) ولد برأس الواد – ولاية برج بوعريريج حاليا- تعلم على يد والده ثم انتقل إلى المدينة المنورة سنة 1911م ومنها إلى دمشق
حتى سنة 1921م ثم عاد إلى الجزائر و نشاطه الإصلاحي بسطيف مع ابن باديس و أسسا معا جمعية العلماء سنة 1931م كما شغل مديرا بدأ لدار الحديث بتلمسان،
كان نائبا لابن باديس ثم أبح رئيسا لجمعية العلماء ، نفي إلى أفلو ، أنشأ جريدة الشاب المسلم ، رحل إلى المشرق ليعود إلى الجزائر بعد الاستقلال 1964م للمزيد أنظر : سعيدوني
و بوعمران ، المرجع السابق ، ص- ص . 22-24

(2) Merad , op.cit , p49
(3) شرفاء ، المرجع السابق
(4) عبد الرحمن غريب ، إيضاح و تعقيب ، جريدة الشعب ، العدد 24 ( ديسمبر 1986)
(5) نفسه



كما أن الشيخ الإبراهيمي تردد على النادي و ألقى محاضرات داخل القاعة الكبرى قبل تأسيس جمعية العلماء و يضيف عبد الرحمن غريب أنه عند وصوله إلى العاصمة شهر مارس 1929 قال له أحد المترددين على مقهى التلمساني ( جنب الجامع الكبير ) أن كل من يدخل النادي لا يمنع من متابعة البوليس العمالي ( الشرطة السياسية ) ، لأن الحكومة ترى أن من يدخل النادي يصنف في عداد أعداء فرنسا (1) .
و الحق أن النادي يمثل مركز إشعاع حضاري و هذا راجع للنشاط الكثيف للعلماء به مما أدى إلى تأثر الشباب الجزائري و ذلك من خلال إلقاء محاضرات حول إصلاح الدين و محاربة الممارسات الاستدمارية الموجهة لتهميش الدين و اللغة و السعي إلى نشر التعليم بين أفراد الشعب بما فيهم النساء (2) .
وذكرت لنا إحدى تلميذات محمد العيد أنها درست في دار الخيرية على يد الحجاري و بلباي و العقبي و التبسي و الميلي و غيرهم ، كما قالت لنا أنها كانت تحضر هي و نساء أخريات الدروس بدون اختلاط و قالت لنا أن النادي هو أساس قيام الثورة فيم بعد (3) وهذا ما لا يجعله شبيه بالنوادي الأوروبية بل مركز حركة فكرية إسلامية ، و سواء توحدت الرؤى أو تشاكست الآراء عن دور النادي في بداياته الأولى ، فإن جماعة المحسنين التي أسست نادي الترقي شعروا بضرورة وجود مقر للنشاط العربي و الإسلامي في الجزائر أثناء حركة الأمير خالد و غداة الإصلاحات فيفري 1919 و عشية الاحتفال بمرور 100 سنة على الاحتلال فإذا كان هؤلاء المحسنين وراء تأسيس نادي الترقي ماديا فإن أحمد توفيق المدني و غيره من المتنورين كانوا وراء تأسيسه ثقافيا (4) .



(1) عبد الرحمن غريب ،كلمةأخيرة ، جريدة الشعب ، العدد 08 ( جانفي 1987)
(2) Merad , op. cit . p237
(3) ب.ج ، محادثة شخصية بتاريخ : 04/12/2007م بقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برويسو – الجزائر
(4) أبو القاسم سعد الله ، المدارس الثقافية العربية في المغرب العربي 1830/ 1954م ، مجلة الثقافة ، العدد 79 ، ( فيفري 1984)




كما قد نظم النادي بين 1927 – 1929 حوالي ثلاثين محاضرة بالعربية و عشرة بالفرنسية و بلغ أعضاؤه 720 عضوا و ما يلفت النظر أن نادي الترقي كان يشجع الحياة الفنية الموجهة لأداء رسالة اجتماعية و ذلك عند احتفالاته السنوية (1) فقد مثل و غنى الممثل الفكاهي رشيد القسنطيني (2) في حفلة أقامها سنة 1929م ، كما أن جمعية الشبيبة الإسلامية كانت تحيي احتفالا سنويا يقوم به التلاميذ و غيرهم بتمثيل بعض الروايات و إلقاء قصائد شعرية و الاستماع إلى القطع الموسيقية (3) .
كما ساهم النادي من الناحية الأدبية في ظهور الخطبة الإصلاحية ( مع التمييز بين الخطب و المحاضرات ) ، فقد عرف النادي عدة خطباء بالمعنى الذي نقصده هنا و هو استعمال اللغة العربية الفصيحة و الارتجال في الكلام و تناول الموضوعات الإصلاحية و كان أبرز الخطباء بالنادي : الشيخ الطيب العقبي و الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس و أحمد توفيق المدني (4) برزوا في عدة مناسبات و احتفالات سنوية ، كما ساهم النادي في انتشار الشعر في شتى أنواعه و أشاد الشعراء بمساهمة النادي فمنهم محمد العلمي في قصيدة " العلم و التعليم " يقول في مطلعها :
بدا طالع الإرشاد وفي مشرق البدر فأشرقت الأنوار في جنة العصر
و قد نوه الشاعر بنادي الترقي و بشائر النهضة التعليمية الحرة التي كان رائدها ابن باديس (5) وهذا و لعل كل ما سبق ذكره يمثل الشيء الطبيعي لمؤسسي النادي و أهدافهم ، و سعيهم الحثيث لمحاربة محاولة المسخ الفكري و الثقافي الذي حاول الاستدمار الفرنسي أن يطبقه على الشعب الجزائري ، لذا فالنادي سيعرف إيديولوجية جيدة و مرحلة متطورة و متقدمة جدا بدخول شخصيات مؤثرة و فاعلة في الحركة الإصلاحية من جهة و الحركة الوطنية من جهة أخرى .

(1) أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج5 ط1 ( دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1998) ص 315
(2) رشيد القسنطيني (1887/1944) كان موهوبا في فن الكوميديا ولد بالعاصمة و توفي بها ، عاش هذه الفترة المزدحمة بالتطورات و قضى فترة طفولته في عهد
كامبون و شبابه في عهد النهضة الأولى فمتلأ بالآمال و خطط أن يكون منتجا مسرحيا و مغنيا و مضحكا للشعب و أيضا مؤثرا عليه قليلا من أعماله لها مدلول سياسي
مباشر أو غير مباشر للمزيد أنظر : سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج5 ، ص 423
(3) سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج5 ، ص 316
(4) أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج6 ، ط1 ( دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1998) ص 107
(5) نفسه ، ص287


5 -1 – الطيب العقبي خطيب نادي الترقي :
لقد تحسس أعيان العاصمة لحركة الإصلاح الإسلامية، و سار في هذا الاتجاه الإصلاحي مجموعة من رجال العلم و ذوو الجاه و الإيمان الذين أسسوا نادي الترقي، كما كان القائمون عليه يبحثون لهم عن مدرس كفء يؤمن بالترقي خارج المحيط الفرنسي وواعظ ناجح طليق فصيح البيان ثابت الجنان فوجدوه في هذا الرجل الجزائري المتحمس، و هو الشيخ الطيب العقبي الذي سمعوا عنه و قرؤوا له ما أقنعهم بأنه الرجل المناسب لبث إشعاع ناديهم، الذي فتح أبوابه في 13 جويلية 1927م . (1)
والحق أن انتقال الشيخ العقبي من بسكرة إلى العاصمة لمتابعة حركته الإصلاحية الإسلامية في أواخر سنة 1929م، وذلك بدعوة من أعضاء هيئة النادي التي أعجبت بفصاحته الراقية في اللغة العربية على اثر تأبينية ناصر الدين ديني (2) ببوسعادة التي صادفت شتاء1930م حيث ألقى العقبي كلمته التأبينية التي أوضح فيها خصال ديني ومدى اهتمام هذا الرجل بالدراسات الإسلامية، ويقال أن العقبي أثر ببيان كلامه على الحاضرين من بينهم أعيان مدينة الجزائر العاصمة وشيوخ الطرق والزوايا كما قد استقطب ذلك انتباه مدير الشؤون الأهلية ومرافقيه ومن ثمة اقترح محمود بن صيام أن يزكي العقبي للخطابة والدعوة في نادي الترقي .(3)
فالتف أعيان الجزائر المصلحون حول الشيخ العقبي وعزروه وأكرموه وأجلوه وجعلوا له مرتبا من صندوق النادي يكفيه، ثم اشتروا له دارا حسنة في حي ( سانتوجين) (4) وأعجبوا كل الإعجاب بصفائه ولطفه ووعيه فأحبوه ولازموا دروسه ومجالسه في النادي .
والظاهر أن مهمة العقبي في النادي لم تكن يسيرة فقد كانت عبارة عن امتحان عسير له في حياته الإصلاحية لأن العقبي تربى في مناخ خال من العجمة اللسانية على خلاف ما وجد عليه المجتمع العاصمي في تركيبته الاجتماعية واللغوية والنفسية هذا بالإضافة إلى صعوبة النشاط الدعوي الذي سيقوم به العقبي داخلة العاصمة قريبا من الهيئات الفرنسية كالحاكم العام ومدير الشؤون الأهلية ورجال الدين والموظفين ولذلك اعتبر قدوم العقبي إلى العاصمة بمثابة إحدى المهمات الكبرى في الحياة الإصلاحية في الجزائر (5)

(1) مريوش ، الطيب العقبي ، ص . ص 11. 128
(2) إتيان دينيه (1861/1929) ولد بباريس ، والداه محاميان ، وهو رسام فرنسي مشهور أعلن إسلامه بالجزائر و أتخذ اسم ناصر الدين سنة 1927م برع في
التصوير و له لوحات معروفة ، ألف بالفرنسية كتاب محمد بالاشتراك مع سليمان الجزائري و حلاه برسوم من ريشته ، له بالفرنسية : حياة الصحراء ،أشعة من نور الإسلام
، توفي بفرنسا بنوبة قلبية و أوصى بنقل جثمانه إلى بوسعادة للمزيد أنظر : سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج8 ، ص 415
(3) مريوش ، الطيب العقبي ، ص .ص .124. 125
(4) محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر و ثورتها المباركة ، ج2،ط1( المطبعة العربية ، الجزائر، 1971) ص 115
(5) مريوش ، الطيب العقبي ، ص 129

و بدأ العقبي حركته الإصلاحية بنادي الترقي إذ عمره بعلمه و إرشاده وخطبه التي عالج فيها الإصلاح الديني و الاجتماعي و الثقافي، و قدرت محاضرات العقبي الأسبوعية بالنادي أكثر من خمس محاضرات، هذا علاوة عن الحلقات و الندوات التي كان يعقدها من حين لأخر مع جماعة النادي و بعض الأعيان من مختلف الولايات الأخرى و كلها تعالج الطرح الجديد للإصلاح . (1)
وكانت الجماهير تسرع إلى النادي قبل الدرس بوقت طويل لتجد مكانا داخل النادي وكانت الخاصة والعامة تحضر دروسه، وكان النادي مجمعا لكل هذه الطبقات فأثر فيها الشيخ وأصلح نفوسها وربط بينهم بالأخوة الإسلامية فتعارفوا واتحدوا بفضل نادي الترقي ودروس الشيخ العقبي العظيمة فيه، وكان جناح واسع في نادي الترقي قد جعل مسجدا تقام فيه الجماعة في بعض الأوقات وفي رمضان تصلى فيه التراويح كل ليلة ويؤم المصلين الشيخ العقبي ويصلي بهم التراويح سائر الشهر خاتما للقرآن كله آخر يوم منه ، وبعد صلاة التراويح كان درس الشيخ العقبي في التفسير كل ليلة . (2)
ولقيت دعوة العقبي الإصلاحية الإقبال الكبير وعمرت دروسه بالمؤمنين بها ، كما استقطبت حركته عنصر الشباب و كذلك عمال الميناء الذين واضبوا على الاستماع إليه وأصبحوا الجند الواقي لحركته حتى أسماهم العقبي بالجيش الأزرق (3) ، وهكذا أصبح العقبي الزعيم الأساسي للنادي وفي جميع الحالات والخطيب الأكثر فصاحة وأثر تأثيرا كبيرا في العاصمة (4)
فقد تمكن من ترويض العاصمة وأخرجها من فوضويتها وأستمال الكثير من الجزائريين الذين هجروا المخامر والحانات واستطاع أن يجذب تلك العصابات الخارجة عن الشرع والمعتاد ويلقنها ثقافة جديدة لم تكن مألوفة لديها (5)


(1) مريوش ، الطيب العقبي ، ص .ص 129. 130
(2) دبوز ، نهضة الجزائر ، ج2 ، ص117
(3) الجيش الأزرق : منظمة تشبه الفدائيين مكونة من الشباب المصلحين المتأثرين بالحركة الإصلاحية الجديدة و المبهورين بشخصية الطيب العقبي ، تأثروا بدروسه و محاضراته
و اهتدوا إلى الإقلاع عن الدنايا و التكفير عن السيئات بالرجوع إلى الله والاهتداء بهديه ، ثم استعمال العنف أحيانا للدفاع عن الحركة الإصلاحية و محركها الشيخ الطيب العقبي
و كانوا حرسا له أينما كان و حيثما حل ، و لقد ذاق الاستدمار الأمرين على يد هؤلاء الشبان الذين صاروا رجالا أشداء عندما أدركتهم الثورة التحريرية
. للمزيد أنظر: محمد الطاهر فضلاء ، الطيب العقبي رائد الإصلاح الديني بالجزائر ( م. و. ف. م ، الجزائر ، 1985) ص57

(4) Kaddache , la vie politique , p237
(5) Merad , op.cit ,p99

لقد ساهمت دروس الشيخ العقبي في الوعظ و الورع بأناقته وثقافته الحجازية و الفصاحة الجذابة إلى هداية الكثير من الشباب خاصة من العاصمة ، هذا بالإضافة إلى ترديداته للقسم وشطر سيطرة المرابطين (1) والابتعاد عن خرافاتهم وتعاويذهم ، فقد كانت دعوة الشيخ العقبي صريحة إلى إتباع الدين القويم وإتباع القرآن والابتعاد عن التوسل والشرك والخرافات وأصبح العقبي ممثل التيار الإصلاحي للعاصمة قبل تأسيس جمعية العلماء المسلمين (2) .
وفي هذا الصدد يذكر شاهد عيان أن حالة العاصمة تغيرت بعد مجيء العقبي إليها قائلا : " ... حتى وصلنا تحت لافتة ( نادي الترقي ) وربما كانت أول لافتة بالخط العربي في العاصمة كما قال له الدليل أنه من مريدي العقبي في هذا النادي حيث يعطي درسه كل مساء ... ولم تكن ظاهرة التغير التي شهدتها العاصمة على وجه رجل الشارع وفي هيئته وكلامه وفي هذه اللافتة المكتوبة بالخط العريض، لم تكن تعني لي إلا شيئا واحدا هو أن موجة الإصلاح قد وصلت إلى هنا " (3)
كما أن الشيخ الطيب العقبي كان – في هذه المرحلة – العالم الأول و المصلح الداعية الأول ، الذي أفزع ذهاقنة الاستدمار و الاستغلال ، و هز عروشهم و زعزع تيجانهم على رؤوسهم و زلزل الأرض تحت أقدامهم (4) .
كما استطاع العقبي أن يجعل من النادي ملتقى الجميع و مربض الأشبال إذ توحدت فيه الأفكار و نوقشت فيه القضايا العلمية و الاجتماعية و السياسية حول مستقبل الأمة الجزائرية (5) ، وتمكن بعمله هذا أن يجلب حتى طبقة المحتاجين و الأطباء و المثقفين بالفرنسية و ربطهم بالهوية الإسلامية (6)


(1) Merad ; op.cit , p99
(2) أبو القاسم سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية 1930/1945م ، ج3،ط4 (دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1992) ص 438
(3) بن نبي ، مذكرات شاهد للقرن – الطالب – ص256
(4) محمد الطاهر فضلاء ، الطيب العقبي رائد الإصلاح الديني بالجزائر ( م. و. ف. م ، الجزائر ، 1985) ص –ص .52 .53
(5) تركي ، التعليم القومي ، ص322
(6) دبوز ، نهضة الجزائر ، ج2 ، ص116




و يبدوا أن استمرار العمل الدعوي الذي أخذ به العقبي في النادي قد استقطب العديد من الأنصار لحركته بعد تعميق الهوية العربية الإسلامية و تعزيز الوازع الثقافي وإحياء اللغة العربية و جعلها لغة الخطابة و الحوار و التعامل ، كما جعل العقبي من هذه اللغة البديل في التفاهم بين الوافدين على النادي و خارجه و أصبحت اللغة العربية الأكثر استعمالا بين الأهالي في العاصمة (1) بعدما كانت المدينة تعيش التغريب ، و قد وصف الشيخ محمد بن الحاج إبراهيم الطرابلسي بعد زيارته للعاصمة الجو العام الذي أصبح عليه النادي بفضل الخدمات الجليلة التي قدمها العقبي للوافدين بقوله :
نادي الترقي في الجزائر عامر بالوعظ و التذكير و الإرشاد
نادي به العقبي عقباه النجاة من الجهالة أصل كل فساد
نادي به القرآن يتلى و الحديث و قول أصحاب النبي الهادي
ولم يتوقف دور النادي في عمل العقبي على الوعظ و الإرشاد بل احتضن أيضا ميلاد الأندية الرياضية (2) و الكشفية (3) و أصبح محط الرحالة و الوفود التي زارت الجزائر (4) .
و في هذا الصدد يذكر بن بني رحلته إلى الجزائر مع زميله حمودة بن الساعي بعد أن ألقى محاضرة لفتت الأنظار و ذلك تحت عنوان ( القرآن و السياسة ) بجمعية الطلبة الوحدويين فيذكر أن زميله استعد لإلقاء هذه المحاضرة بنادي الترقي الذي تأسس منذ وقت قريب بمدينة الجزائر مستدلا على أن العاصمة قد تدرجت في حركة الإصلاح فدخلت في عصر النهضة (5)

(1) مريوش ، الطيب العقبي ، ص131
(2) من الأندية التي استفادت من نشاط نادي الترقي :مولودية الجزائر التي تأسست في 21/10/1921م وهي جمعية رياضية تولى رئاستها محمود بن الصيام و جعل
من نادي الترقي مقرا لهل ما بين 1928/1933م ، و قد لعب الدور الفعال في توجيه شباب المولودية توجه وطنيا إسلاميا .للمزيد أنظر : مريوش ، الطيب العقبي ، ص132
(3) اهتم العقبي بالحركة الكشفية الإسلامية بالعاصمة ، و اتضح ذلك من خلال تدعيمه و توجيهاته لها من خلال توافد هؤلاء الشباب على نادي الترقي و يذكر محمد بوراس
زعيم الكشافة الإسلامية أنه كانت له علاقة بالعقبي و كان من مناصريه سواء بالنادي أو بالخارج ، و اتضح ذلك في حضور بوراس لنشاطات العقبي سنة 1936م أثناء
تحضيراته للمؤتمر الإسلامي للمزيد أنظر : مريوش ، الطيب العقبي ، ص132
(4) مريوش ، الطيب العقبي ، ص132
(5) بن نبي ، مذكرات شاهد للقرن – الطالب – ص266






كما جعل العقبي من النادي قلعة للذكر و الأدب و محركا للحركة الفكرية الثقافية في الجزائر و محاضرات العقبي حظت باهتمام العديد من الناس التواقين لسماع أمور دينهم و دنياهم و إصلاح حالهم ، فلم تعد تكفي قاعات النادي لاحتواء العدد الكبير من الناس الذين يشغلون حتى السلالم و الأروقة المؤدية للنادي و حتى ساحة الحكومة ( ساحة الشهداء حاليا ) ، مستمعين بهدوء تام من طرف الشيخ بواسطة مكبرات الصوت (1) .
و في هذا الصدد وصف سعيد الزاهري أحد احتفالات نادي الترقي مع بداية الثلاثينيات بقوله:
" و غص هذا النادي بالوفود القادمة من أطراف هذا البلد، و تنازل الأعضاء من سكان العاصمة و ضواحيها. . . و أكتظ النادي و امتلأت مدرجاته الفسيحة و اكتظت المماشي و الممرات ، وكان ضروريا الخضوع للأمر الواقع و استعمال عدة مكبرات للصوت و لو أنت أحصيت كل هؤلاء الحاضرين لأحصيت منهم على الأقل خمسة آلاف . . . " (2) .
ومما لا شك فيه أن وصول العقبي إلى العاصمة ( الجزائر ) و شروعه في إلقاء محاضراته و دروسه في هذا النادي عرفت به الأمة الجزائرية وجها جديدا للحياة الفكرية و الثقافية لم تألفه من قبل و لم تعرف له مثيلا من قبل (3) .
و أضحى نشاط نادي الترقي كلام العامة و الخاصة وكتب حوله الكثير من الكتاب و من هؤلاء أبو اليقظان (4) الذي أبرز هو بدوره الأهمية التي أصبح يكتسيها نادي الترقي في ميادين شتى اجتماعية و تربوية و سياسية و أفصح بقوله :
حيي في نادي الترقي أنفسا ذات مزية
في حمى النادي تهافت أنفس الشعب الزكية
في حمى النادي تلاشت همزات العنصرية
في حمى النادي تعالت صرخة الشعب الدوية (5)

(1) زيان .ف ، في معبد الشيخ ابن باديس ، المجاهد ، العدد 27 ( جويلية 1972)
(2) مريوش ، الطيب العقبي ، ص133
(3) فضلاء ، الطيب العقبي ، ص54
(4) إبراهيم أبو اليقظان (1888/1973) ولد بمدينة القرارة و دخل الكتاب فحفظ القرآن الكريم ، سافر إلى تونس سنة 1912م ، كما أرسل على رأس بعثة علمية إلى الخارج
سنة 1914م ، كان عضوا بارزا في الحزب الحر الدستوري التونسي أصدر جريدة وادي ميزاب سنة 1926م كما يعتبر أول من انشأ مطبعة جزائرية سنة 1931م له عدة
جرائد كان يشرف عليها منها ك ميزاب ، النور ، النبراس ، البستان ، الأمة ، الفرقان ...للمزيد أنظر : محمد ناصر ، الصحف العربية الجزائرية
و أيضا : محمد ناصر ، أبو اليقظان و جهاد الكلمة ، ط2 ( م. و. ل ، الجزائر ، 1983 ) ص 40
(5) الشهاب ، المجلد 10 ، السنة العاشرة ، الجزء التاسع ( أوت 1934)



أما أحمد توفيق المدني فقد أشاد هو الآخر بأهمية النادي في عهد العقبي و اعتبره بمثابة نواة للقومية الجزائرية (1) ، فوعظ الشيخ العقبي لقي صدى كبيرا في وسط العاصمة و كانت وسيلة لرد الاعتبار لمرتكبي الجنح و الكحوليين و إيجاد الكرامة التي تجنب الفقراء بأن يكونوا بؤساء بحثهم عن العمل عن طريق التذكير بالحديث : " السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة " أو في القول المأثور " البركة في الحركة " كما أن إلحاح الشيخ على الأخوة الإسلامية أزالت الفوارق العنصرية العرقية والجهوية (2) .
و الظاهر أن النادي عرف العصر الذهبي من بداية الثلاثينيات إلى نهاية الأربعينيات و نلمس ذلك من خلال أقوال و شهادات من عاصروا نشاطه فهذا السيد عمر عيشون (3) يكتب حول العمل الإصلاحي الذي أدخله العقبي على النادي فيقول : " إذا كان مجيء الشيخ الطيب العقبي للجزائر و حركته الناشئة عن دروس التفسير التي كان يلقيها " بنادي الترقي " بالجزائر العاصمة قد أدخلت في الحياة الاجتماعية لهذا البلد خميرة مجمعة لكل عناصر و عوامل الخير المشتتة في التفكير الإسلامي السلفي ، و أدت إلى نتيجة كادت تكون آنية حيث ظهرت الأخلاق و قضت على أفكار المرابطين و بدعهم و استغلال الإنسان للإنسان ، فلا يمكننا أن نذكر النادي ذكرا لائقا به ، من غير أن تعيش في نفوسنا خواطر المودة و المشاعر العميقة ، تجاه ذلك الذي طبع النادي بطابع لا تنمحي بصماته ، وجسد تاريخه في الكفاح لتحرير الإنسان من الجور بمختلف أشكاله و صوره " (4) .
ومما لا شك فيه أن العمل الجاد الذي أدخله العقبي على النادي حرر العقول و أبعدها عن سياسة الزيغ و التنويم و كل ذلك أزعج الإدارة الفرنسية و أثار غضب المحافظين من الجزائريين (5) مما أدى بفرنسا إلى اللجوء لسياسة الإغراء و الاستمالة للشيخ و جلبه نحوها لكن دون أن تنجح في ذلك .

(1) المدني ، حياة كفاح ، ج2، ص144
(2) Sallam , op.cit , p 95
(3) عمر عيشون : من المعاصرين للحركة الإصلاحية في العاصمة ، تبنى مبادئ الجمعية و تابع نشاط العقبي ، تولى رئاسة شباب المؤتمر الإسلامي ، ناضل في صفوف حزب
الشعب ، أسندت له مسؤولية الإشراف على نادي الترقي أثناء الثورة التحريرية ، وظل كذلك بعد الاستقلال وتوفي رحمه الله بفرنسا منذ سنتين للمزيد أنظر ك مريوش ، الطيب العقبي ، ص135
(4) عمر عيشون ، نادي الترقي قلعة الإصلاح الأولى ( م. و . ف . م ، الجزائر ، 1987) ص01
(5) سعد الله ، الحركة الوطنية الجزائرية ، ج3 ، ص43





5-2- دور نادي الترقي في محاربة التنصير :
حاول علماء نادي الترقي مقاومة التنصير (1) والموجة الإباحية المادية معا ، فجمع إلى جانب ابن باديس و الميلي و العقبي جماعة من المسيحيين مثل الكاتب ميسيو بيرني وجماعة المتدينين اليهود منهم الدكتور غزلان ، و حاولوا بهذا التجمع إبراز وحدة الأديان السماوية الثلاثة و إحياء المبادئ التي توحد الله جلى وعلى في القرآن و التوراة و الإنجيل ، وأن الأديان تتفق حول المبادئ و الأسس النبيلة فمن الواجب لأن لا يحاول دين منها الاعتداء على الدينين الآخرين ، لذا تجب محاربة و مقاومة حركة التنصير بين المسلمين و إن كان هذا التنصير لم ينل منالا من المسلمين ، كما تجب المقاومة العنيفة ضد الحركة الإباحية المادية و الإلحاد إلا أنه لم يتم أصلا الاتفاق أثناء المناقشات فتقرر ترك العمل إلى المستقبل (2) .
وإن كان هذا العمل يمثل طريقة مباشرة لمحاربة التنصير الذي تبثه هذه المنظمات و البعثات التنصيرية من كنائس أوروبا بالإضافة للتحاور معها للكف عن هذا النشاط ، كما عمل النادي من جهة أخرى إلى محاربة هذه الحركات التنصيرية و ذلك من خلال المحاضرات و الخطب الواعظة لدحض هذه الأفكار ، كما عمل النادي على مساعدة الفقراء و المحتاجين - والتي كانت نقطة تركيز المنصرين المسيحيين – بأموال والغذاء فقد كانت إيرادات قاعة الماجستيك ( قاعة الأطلس حاليا ) التي وضعت مجانا في متناول النادي لإقامة بحوث ومحاضرات و ندوات و التي تستطيع أن تستقبل 3 آلاف شخص استعملت لإعداد وجبات مجانية للمئات من الفقراء في مطاعم مرتبطة بالنادي . (3)




(1) التنصير : هو محاولة إخراج الجزائريين من دينهم و تنصيرهم كي يصبحوا مسحيين يحملون عقيدة المحتل لبلادهم ، و هذا يعني إحلال الديانة المسيحية محل الديانة الإسلامية في الجزائر حتى ينهار مقوم آخر من مقومات الشخصية الجزائرية وهو الإسلام للمزيد أنظر : تركي ، التعليم القومي ، ص109
(2) المدني ، حياة كفاح ، ج2 ، ص116
(3) Sallam , op.cit , p95





ولعل ما زاد في مثل هذا النشاط الخيري تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية التي لعبت دورا هاما في هذا المجال ، ولعل مساهمة النادي في دفع القومية الإسلامية من خلال عدة نشاطات ساهم في إبقاء الروح الإسلامية لدى الشعب ففي حفل جرى في الجامع الجديد بالعاصمة تحت إشراف المفتي الحنفي الشيخ محمد بوقندورة أين أعلن ديني إسلامه و تسمى بناصر الدين (1) وهذا مشهد أول أما المشهد الثاني العظيم الذي شهدته العاصمة هو تكريم لهذا المتفنن البارع بنادي الترقي في 02 نوفمبر 1927 الموافق ل 07 جمادى 1346 هجري و حضر الحفل الذي أقيم على شرف ناصر الدين : حمدان بن رضوان و محمد بن المرابط و أحمد توفيق المدني و عمر بوضربة و محمد بن ونيش رئيس إدارة النادي فكان السرور مزدوجا و المكرر أحلى ، فأقبل كل يهنئ الآخر بهذا النصر الجسيم و يتبادلون الأفكار الناضجة و كل فكره من الآراء ، و حفاوة رجال النادي بالأستاذ و إخوانه بالغة أقصاها حتى أن ألذ شيء عندهم في تلك الساعة الجميلة هو ما يدخل السرور للجميع ، وقد ظلت الحفلة مدة كان فيها أعضاء النادي مثال اللطف و العناية لما في نفوسهم بهذا الفوز العظيم للإسلام (2) ومنه كان لاعتناق ديني الإسلام صدى مدوي في كامل الجزائر (3) .
بالإضافة إلى احتفالات جمعية الشبيبة الإسلامية بمناسبة المولد النبوي الشريف في كل سنة (4) كما كان النادي يقوم باحتفالات عظيمة و إقامة مأدبات العشاء مثلما حدث في سنة 1927 حيث قام شبان النادي بإكرام الحجيج لكي يخلدوا لناديهم ذكرا حسنا و أن يعظموا في أشخاص الحجيج حجهم ، فأقاموا مأدبة عشاء إعرابا عن الأخوة التي يحث عنها الدين الإسلامي الكريم ، اجتمع فيه حوالي 100 حاج بينهم 70 من الحجيج يسكنون خارج العاصمة خاصة عمال الصحراء ووهران على رأسهم الحاج بوعلام ، وقام بهم السيد النبيه محمد سلطان القائم على النادي و المتولي مأدبة الضيوف الكرام (5).

(1) سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج8 ، ص 416
(2) محمد العاصمي ، مشهدان عظيمان بالعاصمة ، الشهاب ، المجلد 03، السنة الثالثة ، العدد 122،(17 نوفمبر 1927) ص –ص .436 – 440
(3) بن نبي ، مذكرات شاهد للقرن – الطالب – ص266
(4) البصائر ، السنة الأولى ، العدد 23 (12جوان 1936) ص05
(5) الشهاب ، المجلد 04 ، السنة الرابعة ، العدد 160 ، (16أوت 1928) ص203





إن إقامة الاحتفالات والاجتماعات كان نوعا ما من الوعي و اليقظة وكان عاملا هاما في بعث الشخصية الإسلامية والتمسك بالدين الإسلامي.
هذه الاحتفالات يشارك فيها أهل العلم والأدب والثقافة المشتركة وحتى بعض الشخصيات الأوربية التي تظهر جميع عواطفها وابتهاجها بما تسمع وترى كالدكتور" فين شادوف" الأستاذ بالكلية الجزائرية ورئيس نادي الاتحاد الإسلامي الفرنسي (1) الذي أبدى إعجابه بعرض نشاط تلاميذ الشبيبة الإسلامية وللاستماع للخطباء والشعراء خاصة شاعر الشباب محمد العيد ّآل خليفة (2) الحاضر في كل مناسبة بقصائده الرنانة كقصيدة ذكر المولد النبوي التي مطلعها :
ألا أنعم أيها النادي بذكرى مولد الهادي
لقد جئناك ورّادا على آثار وردا (3)











(1)البصائر، السنة الثانية ، العدد 69 (28ماي 1937) ص03
(2) محمد العيد محمد علي خليفة ( 1904/1979) ولد بعين البيضاء ، عميد شعراء الثورة الجزائرية ، درس بواد سوف ثم الزيتونة ، عاد إلى الجزائر قبل أن يكمل
دراسته ، عرف بمواقفه الوطنية صدر ديوانه سنة 1967م
(3) محمد العيد آل خليفة ، ديوان محمد العيد ، ( ش.و .ن. ت ، الجزائر ، 1967) ص75




5-3 دور نادي الترقي في نشر التعليم العربي والإسلامي:
لقد لعب نادي الترقي دورا كبيرا في نشر التعليم العربي و الإسلامي بين أفراد الأمة الجزائرية ، فلولا التعليم ورجاله وطلابه ولولا الهالات التي كانت تظل سماء هذا الوطن من هذا التعليم الديني ومعاهده لازدادت غربة هذا الدين وحشة وكان أهله بعده أثر ذوبانا وتأقلما مع النظام الجديد المتسلح بالصليبية الحاقدة (1) .
لذا نجد أن قيام نادي الترقي بدور المدرسة أذهل الملاحظين والمتربصين حتى أن الكاتب الفرنسي مارسيل إيمري قال في بعض مقالاته عن الجزائر ما معناه " إن ما قامت به جمعية العلماء- نادي الترقي يشملها– في ميدان التعليم وتوحيد الكلمة ونشر الوعي الديني والاجتماعي و السياسي والاقتصادي وفي مدة قليلة من السنين عجزت عنه فرنسا في قرن و نصف من الزمن " (2)
كما أن النادي كان وسطا بين المدرسة وبين الجامع و قد أثمرت جهوده في تكوين أجيال جزائرية مسلحة بالعلم والفضيلة والأخلاق الإسلامية العالية التي كانت عماد النهضة الجزائرية في العصر الحديث (3)
وهذا بشهادة الأعداء ، فنجد أن هناك من الرجال الفرنسيين المعترفين بجهود نادي الترقي و جمعية العلماء التعليمية بعد اطلاعهم عليها في عين المكان و أشادوا بها و نادوا بوجوب تأييدها من ذلك على سبيل المثال ما أعلنه جاك مادول الأستاذ المبرز في التاريخ قائلا : " ولقد كنا ننتظر من الإدارة أن تعترف على الأقل بفائدة هذا العمل – التعليم العربي الإسلامي – وحسن جدواه ، و أن تظهر نحوه شيئا من اللطف والمجاملة " (4)



(1) فضلاء ، دعائم النهضة الجزائرية ، ص31
(2) نفسه ، ص107
(3) تركي ، التعليم القومي ، ص223
(4) نفسه ، ص225




كما يعتبر نادي الترقي الذي أنشأ بالعاصمة من الهيئات التي ساهمت في دعم حركة التعليم العربي " الحر" منذ وقت مبكر ، فكان زيادة على ذلك مركزا للمحاضرات العلمية باللغة العربية ، كما كان مركزا للدروس الدينية و الاجتماعية التي تعالج أمراض و مشاكل المجتمع الجزائري على ضوء تعاليم الإسلام وأحكام الشريعة و التي كانت تلقى من طرف قادة حركة الإصلاح و التجديد الإسلامي و حركة التعليم العربي في الجزائر ، ولا نبالغ إذا قلنا أنه ما من فكرة وطنية ظهرت بعد سنة 1927 أي من تأسيس النادي إلا كان لنادي نصيب فيها سواء من قريب أو من بعيد (1) و الملاحظ لنادي الترقي يجد به مدرسة للبنين التي كان يديرها الشاعر الجزائري الكبير الشيخ حم العيد و كان الأبناء يؤمونها كل يوم (2) .
هذا التعليم نشر في الأمة الحياة و بعثها على العمل و سما بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني و أظهر كيانها بين الأمم، وهذا بفعل تأسيس نادي الترقي الذي نهض بحركة الإصلاح و التعليم حتى لقب بأبي النوادي الذي قاد نهضة جديدة خالصة (3)
و لم يكتفي نادي الترقي بالتعليم و نشره حتى أنه أصبح يدرس المشاكل التي يتعرض لها التعليم و أهله فأصبح مقرا لاجتماع المدرسين حيث شهد انعقاد مؤتمر المعلمين الأحرار يومي الأربعاء و الخميس 22 /23 سبتمبر 1937 لتبادل الآراء بينهم التعليم العربي الحر و مدارسه و مساجده و نظمه و أساليبه و الغاية من ذلك هو توحيد الجهود للتوصل إلى توحيد مناهج التعليم العربي (4) .





(1) تركي ، التعليم القومي ، ص –ص . 230- 232
(2) بن نبي ، مذكرات شاهد للقرن – الطالب - ص266
(3) الشهاب ، المجلد 12 ، السنة الثانية عشر ، الجزء الأول ، ( أفريل 1936) ص92
(4) الشهاب ، المجلد 14 ، السنة الرابعة عشر ، الجزء الأول ، ( مارس 1937) ص167





5-4 محاولة تكوين البنك الإسلامي الجزائري :
لقد نجح أعضاء نادي الترقي نجاحا باهرا في محاولة منهم لتكوين البنك الإسلامي الجزائري ، حيث هيأوا له قانونه الأساسي و جمع كبار الممولين رأس مالها الاسمي و عين له رئيسا هو السيد عمر بوضربة و حوله جماعة من أصحاب المال : الزاوي ، الحاج محفوظ ، ابن التركي ، محمد علي عباس التركي ، محمد علي المانصالي وحسان حافيز وغيرهم (1) ، و استمرت المفاوضات القانونية و المالية و لكن الحكومة قالت لهم بأن هذا الأمر لا يمكن الآن و عارضت بشدة هذا المشروع (2) لأنها كانت ترى فيه شيئا مميزا للهوية الإسلامية التي تسعى هي للقضاء عليها .
5-5 تأسيس جمعية الفلاح:
من بين المآثر التي أنشأها نادي الترقي في أول عهده كانت جمعية الفلاح و قد جمعت حولها جماعة من الفضلاء من كل الطبقات ، وكان هدف هذه الجمعية هو شراء ديار ضخمة في ضواحي العاصمة ووضعها تحت تصرف المدارس العربية الإسلامية التي تقاسي الضيق المرهق الذي يعوقها عن القيام بواجبها .
وتحمس أعضاء النادي لهذا المشروع و بذلوا فيه أموالا طائلة جدا ( ربحا للوقت الذي هو ليس في صالحهم ) ، بل كانوا يتبارون في الدفع بهمة و سخاء جديرين بالإعجاب من أمثال الحاج ماماد المانصالي و محمود بن ونيش و محفوظ التركي و محمد علي عباس التركي و الزاوي ، الحاج و عمر الموهوب و محمد أزميرلي حتى سجلت الجمعية بقانونها الأساسي ضمن المنشآت الرسمية و تم اختيار عمارة فسيحة على مقربة من ضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي فتم شراؤها باسم الجمعية بثمن مناسب ووضعت سنة 1932 تحت تصرف جمعية الشبيبة الإسلامية الجزائرية التي يرأسها السيد محمد علي دمرجي و تساعده نخبة من الشبان (3) .


(1) المدني ، حياة كفاح ، ج2 ، ص 116
(2) Sallam , op. cit , p95
(3) المدني ، حياة كفاح ، ج2 ، ص 189



وبعد إصلاحات بسيطة انتقلت المدرسة من مكانها الضيق القديم إلى بناية فسيحة زاهية تتمتع بأشعة الشمس طوال اليوم ، عرفت أولا بدار الفلاح وهي المدرسة التي وهبتها جمعية الفلاح لجمعية الشبيبة وما تزال هذه الدار إلى الآن بالعاصمة ( الجزائر ) مدرسة للتعليم تحمل اسمها المعروف " الشبيبة الإسلامية الجزائرية "
و في هذا الصدد جادت قريحة شاعر الجمعية محمد العيد بهذه الأبيات التي جاءت بعنوان " رسم تاريخ "
هنا الشبيبة في دار الفلاح هنا خير الكهول ، هنا خير الشباب ،هنا
رسم يخلّد للأجيال حامية من الشبيبة تحمي الدين و الوطنا (1)
5-6 تأسيس جمعية الزكاة:
أما جمعية الزكاة فقد حاول أعضاء نادي الترقي أن يجمعوا زكاة المسلمين من كامل القطر لكي تنفق جماعيا في أوجهها الشرعية و اختير لها رئيس هو الحاج ماماد المانصالي وتم جمع الكثير من مال الزكاة بالعاصمة وأنفق في وجهه الشرعي ، لكن الجماعة رأت فيما بعد أن الأمة لا تستجيب وأن كل واحد يريد صرف الزكاة بنفسه فنام المشروع ولم يظهر له أثر (2)
ولعل تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية الكبرى قد حلت محلها (3) أو بالأحرى هو انصهار جمعية الزكاة في الجمعية الخيرية ، واستحالت إلى فرع من فروعها ، وللذكر فإن تصريح جمعية الزكاة كان في نفس يوم تصريح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، ففي 22 ماي 1931 ، أعلن في محافظة الجزائر جمعية الزكاة التي كانت من أجل تشجيع وتدعيم التعليم و التربية الثقافية الاقتصادية والاجتماعية لمسلمين الجزائر ، مقرها في العاصمة 09 ساحة الحكومة (4) .



(1) آل خليفة ، المصدر السابق ، ص544
(2) المدني ، حياة كفاح ، ج2 ، ص 116
(3) Sallam , op .cit , p 95
(4) CLOUDE collot et JEAN ropert henry , Le mouvement national algérien .
****es , ( O. P . U , ALGER , 1985) SD p 47



مما سبق ذكره فإننا نعتبر أن بداية نشاط نادي الترقي تمثل مرحلة جديدة من عمر الحركة الوطنية حيث نجده لعب دورا أساسيا بمساندته الدائمة لمطالب الحركة الوطنية وتنديده بالإجراءات الإدارية المتخذة ضد هذه الأخيرة ، ولذلك فإن نشاط نادي الترقي ومعه النوادي الأخرى لم يكن يرضي السلطات الفرنسية ، خاصة وأن أماكن الاجتماع هذه كانت توصف بأنها مراكز لمقاومة الوجود الفرنسي ، أو أكثر من ذلك بأنها أماكن للهيجان وهو ما يؤكده أحد التقارير بقوله : " إن النوادي المدنية التابعة لجمعية العلماء والتي تسمى عادة بنوادي التقدم ونوادي أصدقاء التربية تصبح أماكن للمقاومة الإسلامية للتوسع الفرنسي " (1)
خلاصة :
لقد ساهم النادي بشكل كبير في محاربة التنصير و إثبات الشخصية الإسلامية الجزائرية ولا يمكننا أن نحصي جميع الأعمال التي قام بها العقبي إن لم نقل أن نشاطه في النادي الذي كان يوميا .
و الحق أن النادي كان سببا في قيام عدة جمعيات سواء كانت خيرية أو ثقافية أو رياضية دون ما تقصير منه، فأصبح نادي الترقي مقرا لكل المشاريع التي ستعرف النور في عهده، كما كان يقوم بدور آخر ألا وهو التعليم.
ويعتبر نادي الترقي كذلك منصة الإصلاح الأولى بنشاطاته المختلفة التي كان يقوم بها لؤلؤة النادي الشيخ العقبي رائد الإصلاح الأول في الجزائر ، كما كان هذا النادي مقرا لتحرير الجزائر كالبصائر والقيام بنشاطات ومحاضرات وحفلات تكريمية سنوية وفصلية .
والحق إن نادي الترقي قام بدور كبير حين حفظ الشخصية الوطنية ( العربية والإسلامية ) من المسخ و الميوع و من عادات الجاهلية والعرقية .
و صفوة القول: إن نادي الترقي في العشرينيات كان الدماغ المفكر للجزائريين ونواة لجمع الوطنيين.



(1) صاري ، المرجع السابق ، ص 121
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
معالم تاريخية بالجزائر الأندلسية السياحة و السفر 3 July 31, 2012 10:03 AM
معالم تاريخية بالجزائر الأندلسية السياحة و السفر 0 February 5, 2009 09:11 PM
ماذا يحدث بالجزائر ؟ سما احمد مقالات حادّه , مواضيع نقاش 9 August 27, 2008 10:24 PM
ماجدة الرومي بالجزائر hind قناة الاخبار اليومية 0 February 28, 2008 12:52 AM


الساعة الآن 03:24 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر