فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم June 28, 2009, 02:03 PM
 
Messenger3 رحلة جبلية - رحلة صعبة

أبحث عن كتاب "رحلة جبلية - رحلة صعبة" لفدوى طوقان
  #2  
قديم June 29, 2009, 09:06 PM
 
رد: رحلة جبلية - رحلة صعبة

رحلة جبلية رحلة صعبة- قراءة في سيرة فدوى الذاتية
___________________________________________


شخصية فدوى طوقان كما تعرضها السيرة
طفولة فدوى طوقان
خرجت فدوى طوقان من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبلها ؛ فأمها حاولت التخلص منها في الشهور الأولى من الحمل لكنها فشلت ، ولعل مجيء الفتاة بعد ستة أشخاص ، وكانت الأم قد تعبت من عمليات الحمل والولادة والرضاع ، لم يعط الفتاة حق الصدارة في الحفاوة والاهتمام ، لتسقط الفتاة إلى الأرض ، فتتلقاها يد الغد المنتظر ، في ظل ظروف عصبية مؤلمة.
ويضيع تاريخ ميلادها كما ضاع الحنين من ذاكرة الأبوين، وتسأل الفتاة أمها عن ذلك التاريخ ؟فتجيبها ضاحكة:كنت يومها أطهي " العكوب " هذه شهادة ميلادك الوحيدة التي أحملها .
ومع أن حالات الميلاد المختلفة للفلسطينيين ، لم تكن أحسن حظا في ذلك الزمان ، إلا أن الكاتبة أظهرت غرابة هذا الحدث من خلال التركيز الموجه ، وإشباعه بدلالات نفسية تنم عن حس مرهف ، ومن هنا اكتسب هذا الحدث دلالة نفسية لها أهمية عظمى في قيمة المعطيات النفسية التي ستشكل حياة الشاعرة الاجتماعية والفنية فيما بعد، وقد كانت الشاعرة جد صادقة في سرد هذا الحدث حين لفعته بشعورها الذاتي وإحساسها المرهف، فلم تذكر أن مثل هذه الحالة من ضياع التواريخ والأحداث تعتبر سمة عصرية بارزة في ذلك الزمان:" كانت أمي كجميع الناس في بلادنا ، تؤرخ الوقائع بأحداث بارزة ، رافقت تلك الوقائع" .
لكنها أخذت تشعر بواقع الظلم والحرمان ، ولم تكن أبدا براضية عن تلك الطفولة ، وإن كانت في واقعها لأفضل من كثير من طفولات أترابها ، لكنها ترى أن الظروف الحياتية التي عاشتها طفولتها مع الأسرة لم تلب حاجاتها النفسية ، كما أن حاجاتها المادية –في تلك المرحلة- لم تعرف الرضى والارتياح .
كانت فدوى تتلهف للحصول على دمية ، تغمض عينيها وتفتحهما ، فلا تحصل عليها ، بل وتستعيض عنها بدمية صنعت من مزق القماش وقصاصاته الملونة .ومع أن هذا المشهد لا يشير إلى طفولة مسحوقة ، أو ظروف حياتية قاسية ، إلا أنه يدلل على طبيعة الإحساس لدى هذه الطفلة ، هذا الإحساس المرهف الذي جعل شخصية الكاتب تتشكل تحت ضغط المؤثرات النفسية .
ثم تنعكس هذه الآثار النفسية السيئة على حالة الفتاة الجسمية ؛ لتصبح عليلة منهكة بحمى الملاريا التي رافقت سني عمرها في مرحلة الطفولة ، وانعكس ذلك على مظاهر الجمال التي حلمت بها الطفلة ، فكانت صفراء شاحبة الوجه ، وكان شحوبها مصدرا للتندر والفكاهة ، وقد يكون الشحوب والاصفرار حالة مرضية بحتة ، غير أنني أرجح أن تكون للحالة النفسية التي تشكلت لدى الطفلة منذ نعومة أظفارها أثر في ذلك ، وإلا فما سر ضعف شهية الطفلة للطعام ؟
كانت فدوى تفكر في شيء غير الطعام ، وتلح عليها أمور غير تلك التي تلبى لها من قبل أرباب العائلة ، تلهفت للحصول على حلق ذهبي ، أو فستان جميل ثمين ، أو دمية من دمى المصانع ، وتلهفت للحصول على حب أبوي واهتمام خاص ، ولما لم يتحقق شيء من ذلك بدأت تنغمس في ذاتها وتسعى لتحقيق ما تحلم به بنفسها ، بعيدة عن الأمل ، لكن هذه المحاولات بقيت رهينة الضعف النفسي الذي رافق الضعف الجسدي ، فلطالما شعرت أنها غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو المطالبة بحقها ، مما ولد في داخلها حالة من الكبت والحرمان :
" فقد كنت دائما عاجزة عن الدفاع عن نفسي ، فما يفترضه الآخرون هو الصحيح ولو كان خطأ ، أو هذا ما يجب أن أسلم به "
وتبقى ذكريات الطفولة مفعمة بالاحساسات الدافئة ، وقد يكون الحدث بسيطا ساذجا ، غير أن إفعامه بالدلالات والإشعاعات الخاصة لدى كاتب السيرة سيكسبه أهمية خاصة ، وسيأخذ مكانته المنطقية ليملأ مساحة زمنية معينة بين صفحات السيرة .
وتكمن أهمية السيرة في قدرتها على الاحتفاظ بجانب كبير من تلك الشواهد الخاصة ، التي تحمل بالغ الأثر في حياة صاحبها ، وعن ذلك تحدثنا الشاعرة قائلة : " إن المشاعر المؤلمة التي نكابدها في طفولتنا نظل مهما بلغ بنا العمر "
ومن الذكريات التي تركت في نفس الشاعرة ، لسنوات غير قليلة ، أثر ما ارتبط بذكر ابنة عمها "شهيرة " وهي فتاة كانت تكبر الشاعرة بأربع سنوات ، وحين ماتت في الرابعة عشرة من العمر ، بمرض الروماتزم ، لم يهز الشاعرة موتها ، بل تلقته بشعور حيادي ، وكانت هذه الفتاة –كما تحكي لنا السيرة – تعذب الشاعرة بترفعها وتعاليها ، وترشقها باستمرار بنظرات عدائية قاسية ؛ ولعل الغيرة هي السبب المباشر في توجيه هذه العلاقة ؛ فقد نشأت الفتاتان في الدار نفسها والبيئة ذاتها وكانت رؤية شهيرة المدللة من والديها ، تبعث في صدرها حسرة وضيقا ، لينتهي بعد ذلك إلى حقد دفين .
والملاحظ فيما كتبته الشاعرة عن طفولتها تلك الصراحة المشهودة ؛ ولعل ذلك عائد إلى اقتناع الكاتبة بأن هذه الذكريات سواء السواداوية منها أم السعيدة لن تؤثر على نفسية الشاعرة ؛ ففي كلتا الحالتين تستطيع الشاعرة أن تقول ما تعتقد دون أن تورط نفسها في عقدة الخجل؛ ذلك أن حياة الطفولة منفصلة عن حياة النضج ، وهي تعرف أنها استطاعت أن تتجاوز ذلك بنجاح باهر، سيضمن لها أن تبقى تلك الذكريات مجرد رصيد في معركة الكفاح المرير من أجل بناء الشخصية ؛ لذا تصبح تلك الذكريات المؤسفة والحزينة، في تجربة شاعرة بلغت في حياتها الفنية غاية ما تصبو إليه من مكانة مرموقة ، متعا فنية تضاف إلى رصيد التجربة الشعرية.
ومع أن الجانب الأسود ، من حياة الشاعرة، هو السائد في هذه المرحلة ، إلا أن هذه الطفولة لا تخلو من ذكريات سعيدة كانت تبعث على الأمل ، وتجدد الإشراقة في نفسها الحزينة ، ومن تلك الذكريات الجميلة ، ما ارتبط بذكر علياء ، بنت الجارة أم حسن ، كانت علياء تكبر الشاعرة بأربع سنوات ، بيد أن هذا الفارق الكبير في العمر ، لم تقف حائلا دون انسجام الفتاتين انسجاما كاملا وتفاهمهما تفاهما مليئا بالمحبة .
مع علياء ، استطاعت فدوى أن تجد نفسها ، وتحقق شيئا من ذاتها المتحطمة ، وكان الإحساس بالحرية والانطلاق بعيدا عن جو البيت يبعث على الريحانية والنشوة، ، وهناك في رأس العين حيث الأشجار الوارفة والعيون الرقراقة ، كانت تقطن خالة علياء في بيت منعزل ، في ذلك المكان كانت تهبط الغبطة لتملأ قلب الفتاة ، وهي تصاحب صديقة الدرب وأنيسة الوحدة.

نفسية فدوى طوقان
شكلت حياة الطفولة التي عاشتها الكاتبة ، أو هكذا صورتها ، نفسية الشاعرة وجزءا كبيرا من شخصيتها ؛ فجانب الضعف المنبثق عن المعاملة القاسية كون لديها نفسية ضعيفة تشكلت تحت مؤثرات الضغط والحرمان .
تصف الشاعرة هذه النفسية بقولها : " خلال هذه الشهور الصعبة ظل يتردد علي حلم بالذات ، كنت أراني أركض في زقاق مظلم هربا من عجوز يركض ورائي ".
ومن ناحية ثانية ، فقد تعودت الشاعرة "عل الانكفاء على النفس ، والغياب داخل الذات" .
وهذا الإحجام والإعراض عن المطالبة بالحقوق الثابتة ، ولد حالة من عدم التوازن في العلاقات الاجتماعية مع الآخرين :" كنت أحس بعجزي عن الالتصاق ، وأقع في حالة من الاغتراب الاجتماعي ؛ فالجأ إلى مأواي الأمين ، إلى نفسي وإلى كتبي التي ظلت تشكل العمود الفقري لوجودي ".
ولا أعتقد أن انكفاءها على ذاتها وتقلصها في عزلة بين الكتب والوحدة ، كان يمثل لها المأوى الأمين ، بل لعل هذا العجز كثيرا ما كان يوقعها في الحرج أو في الخطأ العفوي . فمثلا حين وجدت نفسها في تل أبيب للقاء ديان ، كان بإمكانها أن ترفض تلك المقابلة ، ولكن ضعف شخصيتها وقلة جرأتها أرغماها عليها ، مما سبب لها بعض الحج ، وحين احتاجت لتبرير الموقف والخروج من الأزمة بعد صخب السامعين واعتراضهم عللت ذلك بالانتقاص من قوة شخصيتها : " أشهد هنا أنني كثيرا ما أجدني قد ورطت نفسي فيما لا أحب من الأمور ، لكي أجنب الآخرين ما قد أسببه لهم من إحراج "
ولا يستطيع الدارس أن يقلل من أثر هذه النفسية على طبيعة الصور المعروضة في السيرة للأحداث والشخصيات ،فمثلا حين نتطرق إلى موضعي الرقص والغناء اللذين كانت تتستر بهما ، نجدها تعرض لهذين الموضوعين مرتبطين بمفهوم الحرية وتقابل ذلك بما كانت تجده من ظلم وحرمان .
ففي حديث لها مع عمتها الشيخة التي اعترضت على الرقص والغناء واعتبرت 1لك فجورا تقول فدوى
" ولو اخترقت الشيخة أعماقي في تلك الأيام لوقع بصرها على أمنية قابعة هناك تحمل كل تطلعي إلى أن أصبح يوما جنكية أو راقصة ، فقد كان اسم جنكية وراقصة يرتبط بالنسبة أي بأحب الأشياء إلي وهو الحرية ".
هذا التصور البدائي لمفهوم الحرية لم يكن وليد فلسفة عريقة ، بل كان وليد تجربة الكبت والحرمان ؛ فحين حرمت الفتاة من الرقص والغناء تحت تأثير الضغط الأسري والقيم الاجتماعية التقليدية التي تحاول أن تحافظ على وقار المرأة منذ الصغر ، أصبح هذا الذي حرمت رغبة جامحة ، وأمنية قابعة في الأعماق ، تستحق الكفاح بغية تحقيقها ، وكذا عندما حرمت الفتاة من الحنان الأبوي ، أصبحت علياء لها كل شيء ، وغمرت صاحبتها بحب عجيب ، وكانت لها الأم والأب والأخت والصديقة ، وعندما حرمت من الحاجات المادية تشوفت إلى ذلك وتلوعت من أجل الحصول على دمية تفتح عينيها وتغلقهما.
وإذا كان علماء التحليل النفسي يشيرون إلى نوع من العلاقة بين قدرة الفنان الإبداعية وطبيعته النفسية ن ويرون أن الهروب والعزلة والكبت إحدى هذه المكونات الهامة للعبقرية الفنية ، فهل لنا أن نطبق هذه التصورات على طبيعة إنتاج الشاعرة ؟ ذلك أن النفسية التي تشكلت بها شخصية الشاعرة تقترب –إلى حد ما –من تصور علماء التحليل النفسي حول طبيعة الفنان ومواصفاته.
وبالرجوع إلى أهم العقد النفسية المشكلة لطبيعة الفنان، وأعني بذلك الكبت والعزلة والهروب، فلا مواربة في أن هذه العقد لازمت الشاعرة وبقيت مدة طويلة من أهم المواصفات النفسية التي تتمتع بها شخصية الشاعرة ، وتمشيا مع رأي علماء التحليل النفسي ، يستطيع الدارس أن يفترض أن انسجام الشاعرة مع قصيدة الحب فترة طويلة – وهذا يقتضي توفر جانب كبير من العاطفة والمشاعر – يشير إلى اقتراب الشارة من عالم العاطفيين ، والعاطفي كثير العزلة قليل الكلام ، وهي صفات توفرت بشكل واضح في شخصية فدوى طوقان .
لكن هذا الحب ارتبط في ذهنها –في أول مرة –بأبشع الجرائم ، ولا يعني ذلك أنها رفضت الحب الحسي واكتفت بالرومانسية أو عالم الروح المثالي . وان كانت قد أشارت إلى شيء من ذلك في رحلتها :
" ظل الحب يحمل مفهوما أوسع نطاقا من كونه تأكيدا لأنوثة المرأة " .
بل أزعم أن الجانب الحسي في مسألة الحب بقي قويا قوة الجانب المعنوي ، ولولا ذلك لما بحثت الشاعرة عن الرجل ، بل لعل الكتب والعزلة قد ساعدا على تغذية الجانب الجنسي في صورة الشاعرة للحب على رأي الفرويديين ،بل إن الشاعرة اعترفت بشيء من ذلك في السيرة نفسها ، فها هي ذي تصف حبها لمعلمتها ،ست زهوة العمد ، حيث كانت فدوى ترنو " بشغف كبير وهي تشرح الدرس وتفسر "لنا " معنى قطعة القراءة ....... فقد كنت أكتب الفقرة ثم أرفع بصري في انتظار الفقرة التالية مسرورة بالنظر إلى وجهها ..... وحين كانت تضع أصابع يدها البيضاء على طرف مكتبي كنت أحس برغبة في لثمها ، فإذا انحنت نحوي لتنظر في دفتري اخترقت أحاسيس رائحة عطر كانت تنبعث دائما منها ، وأتمنى لو بقيت بجانبي إلى الأبد "
وإذا كان ما ذكرته فدوى أو ما اعترفت به في سيرتها الذاتية يمثل مرحلة مبكرة من تفكير طفلة بريئة ، فإن ذلك لا يلغي مظاهر الحب الحسي في حيلتها ، فاعترافها بعدة صدقات ، وحديثها عن لحظات تتفتح فيها الأشواق ، وتتجاذب القلوب " وشدني إليه كطائر أعزل من كل حماية " ، يشير إلى إمكانية جريان الشاعرة وراء لحظة عاطفية آنية تغذيها مشاعر جنسية بحتة .

حياتها الفكرية والدينية والسياسية

من المعروف أن الحياة الفكرية غالبا ما تتشكل في صورها النهائية في سن متأخرة نسبيا من عمر صاحبها ، وهي على الأغلب بعد سن الشباب ، مرحلة التشكل الحقيقي للشخصية ، حين يبدأ الإنسان في رسم خطوط مستقبله الفكري ، وتشكيل فلسفته الدينية . وتبقى حياة الطفولة وأوائل الشباب مجرد مؤثرات بذرية قد تتلاشى إذا كانت التحولات الفكرية لدى الشخص عنيفة وقوية ، فتعصف بالماضي وتلغي أثره ، وتتسطر على صفحة الوجود حياة جديدة لصاحبها قد لا تكون ذات علاقة قوية بالمجتمع والبيئة اللذين عاشت فيهما الشخصية .
ومن الأمثلة القوية على ذلك تلك التحولات الجذرية التي أصابت صناديد قريش ونقلتهم من عالم الجهل والغواية إلى عالم النور والهداية في عصر المصطفى –صلى الله عليه وسلم- ، ومنها كذلك النداءات التي بزغت من قلب القاهرة داعية إلى التقليد الغربي ، مع أن أصحابها –من أمثال رفاعة الطهطاوي وطه حسين – قد تربوا في كنف الأزهر والمدارس الدينية.
والدين بطبيعته فلسفة فكرية ، ومع انه منزل من عند الله –سبحانه وتعالى-إلا أنه يحمل في طبيعته مكونات فطرية توافق طبيعة البشر وتجعل إمكانية التعامل مع متطلبات تخضع للتفكير العقلي .
وحتى يتحقق هذا الدين في الأرض لا بد له من جهد بشري ؛ فهو لا يتحقق بمجرد تنزله من عند الله – سبحانه وتعالى – بكلمة كن الإلهية، لحظة تنزله ، ولا يتحقق بإبلاغه للناس وبيانه ، ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يأتي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب ، إنما يتحقق بأن تحمله جماعة من البشر ، تؤمن به إيمانا كاملا وتستقيم عليه بقدر طاقتها ، وتجتهد لتحققه في قلوب الآخرين .
هذا هو التصور الإسلامي للدين ، وقد يختلف كثيرا عن التصورات الغربية التي تعطي الطقوس والعبادات قيمة قصوى في تفسيرها لمفهوم الدين ؛ لتخرجه بذلك من عالم الفكر والسياسة
لقد مرت فدوى بالمساجد ورأت المصلين في حركاتهم ، وتابعتهم في تأمل وإعجاب ، وسمعت القرآن نديا ساحرا من فم أخيها إبراهيم ، بيد أن هذه المواقف الطفولية لا تشكل نظرتها الحقيقية للدين ، بل لعل هذا المنظر الذي تأملته صغيرة لم يجسد فيها –عند الكبر_ سوى نظرة المتشكك المتسائل عن جدوى هذه الحركات التي يقوم بها المصلون ، أو حين كانت تراقب عمتها الشيخة وهي تكثر من الصلاة والصيام والتسبيح ، حيث كانت تصوم الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان ، وتصلي صلاة قيام الليل ، كما كانت تصلي صلاة التراويح والضحى ، وكانت ترى مسبحة هائلة الحجم تتكوم على مقعدها الأرضي تسمى بالألفية . ولكن هل زادت هذه المناظر الشاعرة إيمانا؟ لنستمع إلى رأي الشاعرة نفسها حول هذا الموضوع:
"لم أعرف إلا بعد زمن طويل أن كل طقوس العبادات وشعائرها منذ الوثنية البدائية حتى ظهور الديانات السماوية تتخذ الصفة المسرحية في التعبير عن الإحساس الديني ، فلعل ميل الإنسان إلى الأجواء الغامضة هو ميل فطري " .
هذا كل ما علق في ذهن الشاعرة من تلك الصور الكثيرة ، وبهذا الشكل ربطت الشاعرة الإحساس الديني بالتمثيل المسرحي .
ولعل في هذه النظرة إلى الأديان دليلا على تعمق الشاعرة وانغماسها في حياة فكرية دينية إسلامية ، ولعلها لم تتلق تربية دينية كافية تؤصل لمفهوم الحقيقة الدينية ، وإلا فكيف تربط الشاعرة بين الأديان كلها لو علمت أن الدين الإسلامي دين حياة وعمل ، كما أنه دين عبادة ووجل . لذلك لا استغرب أن تقف الشاعرة حائرة أمام سؤال وجه إليها في لندن حول تعدد الزوجات دون أن تجد مبررا لذلك .
وكذلك من المواقف التي تدل على عدم تعمق المفاهيم الدينية ما ذكرته في الجزء الثاني من السيرة الذاتية " الرحلة الأصعب " عن حقيقة السيد المسيح عيسى –علية السلام – ففي لقائها مع جريدة "جورزالي ستسليا " سألها المستعرب البرفسور ( ارتسيتاتو) قائلا :
" أنت مسلمة وقد كتبت بعد الاحتلال إلى السيد المسيح في عيده لماذا إلى السيد المسيح ؟"
قالت :" أولا نحن المسلمين ، نؤمن بنبوة المسيح ، ثانيا –كان السبب في كتابتها ذلك كون السيد المسيح أول فدائي شهيد فلسطيني ".
وليس كذلك التصور الإسلامي حول قصة عيسى عليه السلام ، إذ يذكر القرآن الكريم قصة الإدعاء المزعوم بموته :
بسم الله الرحمن الرحيم ( وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، وما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ، بل رفعع الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) صدق الله العظيم
واضح أن الشاعرة لم تعتمد على الآية القرآنية في إجابتها السابقة ، وهذا يدلل على دخول شوائب فكرية فيما يتعلق بالجانب العقائدي في حياة الشاعرة ، ولعل هذا يؤكد زعمي السابق من أن الشاعرة لم تأخذ قسطا وافرا من التربية الدينية ، فوالداها لم يعتنيا بتربيتها تربية أصولية خالصة ، بل لعل التشدد الفكري الذي تأففت منه الشاغرة في البيت المحافظ كان وهما وعلى عير ما صورته الشاعرة ؛ فالإسلام الذي نفرت من الفتاة في صغرها بقي بعيدا عن إدراكها ، ولم تنل منه شيئا لا في الصغر ولا في الكبر.
أما إبراهيم ، معلم الشعر والأدب لم يكن صاحب فلسفة دينية واضحة يدعو لها في شعره أو من خلال منابره الجامعية ؛ بل لعل نظرة سريعة إلى طبيعة اهتماماته تبرز قدرا كبيرا من الحياة العابثة وبعدا واضحا عن أصولية التوجه الديني ، ومن هنا فإن نفور الشاهرة من الدين قد يكون له سبب غير ما ذكرته الشاعرة ، ولعله يتعلق في مجمله بنضابة الإدراك وقلة المعلومات عن هذا الدين الذي لم تتوفر- عند الشاعر - الحوافز الدافعة للاهتمام به ؛ فبقي مجهولا أمام ذاكرة الشاعرة المنشغلة ، أصلا ، بهموم رأت فيها غاية ما تصبو إليه وتكافح من أجله ، والدين يتعارض مع كل تلك الأهواء المنشودة؛ لذا لا بد من تحيده من أمام الوعي المشدوه نحو الملذات التي تعشقها الشاعرة وتحن ‘ليها.
وبقيت فدوى تسير سيرا طبيعيا ينسجم مع طبيعتها ؛ لتلتقي مع النبع الذي يسد ظمأها ، إنه نبع الحياة المتحررة ، ورضيت نفسها بالأفكار التقدمية ، أعجبت بالشيوعيين أيما إعجاب ؛ ولعل ذلك عائد الجانب التحرري الذي يتمتع به الشيوع ، تم الثقافة البارزة المتمثلة في بض الكتاب المشهورين ، أو في بعض الدوريات الخاصة ؛ كل هذه المؤثرات استقطبت الشاعرة وغذت عواطفها المتعطشة للحرية.
ولو أخذنا قضية أخرى ، مثل قضية الموت ، أو القضاء والقد ؛ لوجدناها تقف من ذلك موقفا يوافق طبيعة النشأة والتصور ؛ فهي تكره الموت ولا تنتظره ، ولا تسمح لعقلها أن يحاكم بلك العاطفة الملتهبة العمياء ، وسرعان يعتور شعورها حالات من الشك والنكران تصل إلى حد الكفر ، فتربط بين الإله والبشر ، ويكون هذا الإله مطالبا بتحقيق رغباتها ، فإن لم يفعل تنكرت له.
أن الموت بالنسبة لنا نحن المسلمين ، سنة كونية من سنن الله –سبحانه- يجريها على كافة خلقه ، وعلى المسلم أن يستقبله بالصبر والإيمان ، مهما بلغت قيمة الميت ؛ قال تعالى "وما محمد إلا رسول قد خلت ن قبله الرسل ، أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزي الله الشاكرين" ".
فما بالها حين يموت أحد المقربين إليها تنقلب على عقبيها ، وكأنها لم تتعرف على هذه السنة .
لم تستطع الثقافة التي تلقتها الشاعرة أن تسعفها في المواضيع الدينية العقائدية ؛ فهي في معظمها تصب في التجربة الشعرية ، وتخدم الحياة الأدبية أكثر من الحياة الفكرية ؛ فقد عاشت مع البيان والتبيين والكامل والأمالي والعقد الفريد ، وكانت شديدة الإعجاب بأدب الزيات وتأثرت به . أما التقاؤها بكتاب العهد القديم مع بعض الأنبياء ، فهذا بعيد عن الوعي الديني الإسلامي ، وقد يكون تأثرها ببعض فلاسفة المسلمين من المتصوفة أقرب شيء إلى ثقافتها الدينية ، لكن هذا الأثر سرعان ما تلاشى مع انبهارها بالاشتراكية وخصوصا شخصية عبد الناصر في بداية الخمسينات . ثم تعمقت هذه المفاهيم بعد التقائها بشعراء المقاومة في الداخل ، هؤلاء الذين كانوا يمثلون الفكر اليساري ، فأعجبت بفكرهم ، وأن لم مشاركة فعالة في العمل ، لكنها نادت بما ينادون به وناصرت كل ما يدعون إلية وأصبح شعراء المقاومة لها يمثلون الرموز الوطنية التي تجسد المقاومة والرفض والصمود ، وبدأت تقاسمهم العيش وتبادلهم الأشعار والرسائل وتشاركهم الرأي وبعض الأعمال النضالية التي يقومون بها ، وهي تصور هذه المرحلة بقولها :
" بصحبة الصديقة سلمى ماضي وزوجها عصام عباسي ، كنت أقضي بعض الأمسيات في غرفة سميح الصغيرة أو غرفة محمود الذي كان قد استقل ببيت خاص به "
لقد أتم التصاقها بكل هؤلاء فكانوا لها قطرات الضوء في ليل الاحتلال الحالك ، وبين هؤلاء الكتاب والشعراء –الذين كانت السياسة والانتماء الحزبي من أجل الحياة ومن أجل الوطن ومن أجل الإنسان من أهم مشاغلهم – وجدت الشاعرة نفسها
أما الجانب السياسي في حياة فدوى طوقان ، كما تبرزه السيرة ، فلا نكاد نعثر على ما يمثل دورا بارزا ، وإذا ما استثنينا بعض المواقف التي صوتها في الجزء الثاني من سيرتها الذاتية ، كلقاءاتها مع ديان أو عبد الناصر ، ووساطتها الشفوية لدى أبي عمار أجل قبول السلام ، فسنجد أن عملها السياسي رهن الأداء الشعري ، ونضالها السياسي هو نضال الكلمة الشاعرة ، هذا من ناحية ومن ثانية ، لا نكاد نلمح وجودا لهذا الجانب في كتابها الأول " رحلة جبلية ..... رحلة صعبة " أما ما ورد عن اتصالها بشعراء المقاومة وبعض رموز القوى الوطنية التقدمية ، فهذا يمثل الجانب الفكري في حياتها ، ومع ذلك ، حتى هذه التجربة الفكرية ، بقيت مجرد مشاركات وجدانية في معظمها ، والشاعرة تعلن عن نفسها :
" أحيانا كنت أحاول أن أفلسف وضعيتي وافتقاري إلى الشعور بروح الجماعة ، فامضي في حواري مع النفس أتساءل : هل من الممكن أن يتجرد الإنسان الشاعر من ذاتيته إلى هذا الحد المطلوب منه في هذا العصر ؟ ثم ، لماذا يساق الشعراء جميعا بهذه العصا الواحدة ، عصا السياسة فقط ؟ "
وتعترف فدوى أنها لم تعرف الإحساس بالواقع الاجتماعي والالتصاق الوجداني الملازم بالقضية الجماعية إلا بعد حرب حزيران ، وهذا الاعتراف مهم جدا في بيان ضحالة التجربة السياسية وافتقارها للجذور الطويلة الممتدة منذ النكبة الأولى 1948، حين كانت الشاعرة في سن يمكنها من مزاولة الوعي السياسي ، لذا كان الجزء الثاني ، بما حوى من كامل تجربة الشاعرة السياسية ، لا يمثل الحد المطلوب لشخصية سياسية مميزة .
ومع أن الجزء الثاني من سيرة الشاعرة تعرض لقضايا سياسية ساخنة ، ولسياسيين كبار لهم مواقفهم المعروفة ، إلا أن ذكر هؤلاء جميعا لن يصنع من فدوى طوقان شخصية سياسية .
ولنضرب هذا المثل البسيط ، وهو لقاء الشاعرة مع ديان . لم يكن اختيار الشاعرة ، في هذا اللقاء ، لأنها تمثل فصيلا وطنيا ، بل لأنها تمثل وجها معروفا من وجوه المدينة ، ومن خلال إمكاناتها الثقافية قد تقوم بعملية التفاهم بين السلطة " اليهود " وبين أنباء المدينة الرافضين للاحتلال والمقاومين له ، لذا كان موقفها من خلال هذا اللقاء موقف العاجز لا السياسي المحنك الذي يستطيع أن يتعامل مع الموقف بإدارة ودهاء ، فلا تصيبه الدهشة ، ولا يخشى من الحرج ، بينما أوقعت الشاعرة نفسها في الحرج وحاولت أن تعتذر عن هذا الموقف بقولها " مصيبتي الكبرى هي هذه الطبيعة الخجول ، وهذا العزوف عن اتخاذ المواقف التي قد توهم الآخرين – ممن لا يعرفني على حقيقتي – أنها مواقف استعراضية .

الرجل في السيرة
لا تعدو النماذج البشرية التي عرضتها الشاعرة للرجل أن تكون أحد نموذجين : الأول هو الرجل المتسلط ، وقد تمثل ذلك بالأب القاسي ، وفي بعض الأحيان الأخ المتسلط ، وخصوصا شخصية يوسف الأخ الأكبر للشاعرة،والثاني هو فارس الأحلام ، والحبيب المنتظر ، الذي وجدت الشاعرة عنده دفء المودة ، ورقة الشعور ؛ فغمرته بحنان الأمهات.
وإذا ما بدأنا بشخصية الأب وجدنا أن التصاق الشاعرة بعمها الحاج حافظ ، كان أعمق من التصاقها بوالدها ، وكان عمها في نظرها رجلا يمتلئ رجولة ، تهفو إليه القلوب ، ويعتمد عليه في كل الأوقات .
وفي ظل غياب الحنان الأبوي ، لم تتعرف الشاغرة على حقائق الأبوة، وبقيت تعيش في عزلة لا تحسد عليها فترة طويلة، ولم تستطع أن تخرج من عزلتها من خلا ل ذلك الاعتزاز الفريد بشخصية عمها ؛ بل لعل الاعتماد على عمها لم يدم طويل، إذ سرعان ما تلاشى مع وفاته بالذبحة الصدرية عام 1927 ،ولا شك أن وفاته تركت في نفسها فراغا ، وكان موته أول طرقات الموت التي تدق بابها ، لتنفتح بعد ذلك بوابات أشد قسوة وأعتى تأثيرا.
بعد وفات عمها أصبحت الفتاة مع والدها وجها لوجه ، وظلت العلاقة بينهما تمثل صورة السلطة المنفرة ، التي تجعل من الفتاة أداة السحق والابتذال ، خوفا من العار ، وحرصا على المحافظة ، وحين يحاول الأب الحديث مع ابنته ، كان يكلمها بصيغة الغائبة ، أو يستخدم واسطة لنقل الأوامر ؛ كالأم مثلا ، فيقول : " قولي للبنت أن تفعل كذا أو كذا" .وقلما لجا إلى المصارحة وكشف ما يعتلج في صدرها من هموم أو أحزان ، أو محاولة تحقيق حاجاتها النفسية ، أو مطالبها المادية ، في الوقت الذي كانت تجد نفسها في أشد الحاجة إلى سند قوي.
ومن هنا بدأت تشغر أن هذه الشخصية لا تمثل الأبوة الحقة ؛ ولا عجب أن تسوء نفسية الفتاة بعد ذلك إلى حد التفكير بالانتحار ؛ للتخلص من كل أنواع السيادة والسيطرة ؛حتى لا يستطيع يوسف أو غيره من أفراد الأسرة أن يصدر عليها حكما بالحياة .
أن أنوثة فدوى المسحوقة بسوط السلطة الذكرية-على حد تصورها-سواء أكانت صادرة عن والدها في جفوته المستمرة ، أم في أخيها يوسف الذي أصدر عليها أقسى حكم عرفته الفتاة في حياتها ، حين ألزمها بالخروج من المدرسة ، وفرض عليها إقامة جبرية مدى الحياة ن هي التي ولدت في نفسها فلسفة الارتداد على الذات ، وأن تجعل الآخر في الجانب المقابل الذي تخافه وتخشاه وتتهمه ، ثم تحاول الاقتراب منه علها تبلغ الآمن والاطمئنان فتخفق المرة تلو الأخرى.
ويطل عالم الحب لهل ا عالما مثاليا ، لتبق المشكلة الأنثوية هي الأعقد في ذاكرة الفتاة .
وفد بدأت المسألة النسوية تلح عليها، لتحمل لواء التمرد ، وتعلن الحرب ضد الجنس الآخر ؛ لكن وجه إبراهيم الذي عاد في تموز عام 1929-من بيروت – ليمارس مهنة التعليم في مدرسة النجاح الوطنية جعلها تتعرف على وجه جديد من الرجال ، وخفف من حدتها الثائرة .
وكان إبراهيم يمثل الجانب الآخر في حياتها ، الجنس المضيء ، والصوت الحنون المقابل للسلطة الغاشمة ، فمع وجه إبراهيم اشرق وجه الله عليها ، وكان هو الوحيد الذي ملا الفراغ النفسي الذي عانت منه بعد فقدان عمها .
أحبت فدوى أخاها حبا جما ، وأعطته كل الحنان ؛ حتى أصبحت خدمته وتهيئة شئونه هدف حياتها ، ومصدر سعادتها المفقودة .ولعل التوقيت الزمني الذي ظهر فيه إبراهيم ، ليحل محل الأب الحقيقي قد أعطى هذه العلاقة قيمة مميزة؛ ذلك أن فدوى عندما لم تجد ما طلبته في شخصية والدها من حنان، وكاد ذلك يذهب بها على عالم اليأس والانتحار، وجدت إبراهيم كالغيث المنهمر من السماء ليستقبله صاد شديد الشوق للماء .
وحين توفي إبراهيم كانت وفاته أقسى ضربة تلقتها الشاعرة في حياته، وعبثا حاولت الشاعرة نسيان شقيقها وحادثة موته ، لكن قلبها بقي اضعف من المأمول.
وجاء دور نمر ليحل محل إبراهيم ؛ وقد أحبت الشاعرة أخاها نمرا ، لكن دوره لم يبلغ ما بلغه إبراهيم؛ ففدوى مع تنر أصبحت في سن يسمح له بالاعتماد على نفسها أكثر من ذي قبل ، وأصبحت لها شخصية قادرة على التحمل في وجه الصعاب ؛ ومن هنا أخذت علاقتها مع نمر حجما أقل من علاقتها مع إبراهيم، ولا أنسى ،هنا ،أن أتشير إلى طبيعة الدور الذي قام به إبراهيم ، فهو الطبيب الماهر ، الذي تلمس طريقة العلاج في إسعاف مريضته ، وأخذ بيدها –منذ البداية- إلى شاطئ الأمان ؛ فهو المعلم الأول للشعر ، الشعر الذي استطاعت من خلاله أن تحقق ذاتها المسلوبة.
بيد أن هذا الحنان الذي وجدته لدى إبراهيم – مع غزارته – لا يمثل كل ما تصبو إليه فتاة رقيقة الإحساس تشعر بأنوثتها ، وتشتعل أحاسيسها ومشاعرها ،وتتوقد عواطفها وتحلم بالحب ، فحنان إبراهيم من النوع الذي لا يشبع نهم العاطفة المشبوهة التي فجرتها أنوثة ناعمة ،لذا بدأت تبحث عن نوع آخر من الرجال ، أنه فارس أحلامها ، وبثت بنجواها بين القوافي والسطور ، وغرقت في تجارب شتى من العلاقات والأحلام ، وكان إحساسها بضرورة وجود الحبيب العطوف أحد المطالب الأساسية في شخصية الحبيب ، وعبرت عن ذلك بصراحة من خلال رسائلها مع أنور المعداوي . وغيره . ونستطيع أن نتلمس هذه الجوانب العاطفية اتجاه الرجل في بعض رسائلها في مثل قولها :
" "أءنكر عطف روحك على روحي ، أو حديثك الصادر من أعماق قلبك لا وربك ، ولكنها القيود تكبل روحي ، والتقاليد تكسر جناحي ، والسدود تعترض دروبي ، وهذه كلها تضيق علي ، وتحول بيني وبين أن أتخذ لنفسي نجيا أفزع إليه من قسوة الحياة ، وأستضيء بضيائه في هذا الظلام الذي يكتنف نفسي ولا يد لي ولا حيلة

المرأة في السيرة

انطلقت فدوى طوقان في نظرتها إلى المرأة ، متأثرة بكافة المؤثرات الاجتماعية السلبية التي عكست وجهة نظرها نحو المجتمع الفلسطيني التقليدي المتمثل في عائلة من عائلات مدينة نابلس المحافظة ، عائلة ما كانت لتعطي المرأة حقها الكامل في ممارسة كل ما تريد ، كانت تعطي سلطة كاملة للرجل ، تضرب حجرا على عالم المرأة لتضيع بين جدران قد علت أسوارها ، وحضنت فلا نسمع إلا همسا .
جاءت السيرة لتعرض الحالة الاجتماعية للمرأة ، ولتعلن عن ثورة مشبوبة ضد العالم التقليدي السائد ، وكان أول نموذج نسوي محطم تحت نير التقاليد الاجتماعية تعرضه السيرة هو الشاعرة نفسها ، من خلال طفولتها المسحوقة وشبابها الضائع وحريتها المقيدة .
كانت الشاعرة تنظر إلى جوهر المفارقة بين الجنسين ، فترى البون شاسعا .كانت تحلم وتموت أحلامها في مهدها . كانت تعالج في صدرها كل أنواع الحب والحنان ، فتحيلها سياط الحرمان إلى كومة من اليأس والكره والمهانة.
واستطاعت فدوى أن تقدم لنا أنموذجا بشريا فريدا للمرأة المحرومة في المجتمع التقليدي المحافظ،وكأننا مع شخصية روائية مختلفة عن شخصية الشاعرة نفسها ، وتحولت فدوى إلى رمز يمثل صورة المرآة القابعة تحت ظلم التقاليد .
وبدأت تعرض قضية المرأة من خلال الحديث عن نفسها ومعاناتها ومطالبها ، وتوجهت المطالب –بادئ ذي بدء – إلى الحاجات المادية المفقودة ، ثم تحولت هذه المطالب إلى فلسفة تمردية على سلطة الرجل أولا ثم على سلطة الأديان والتقاليد ثانيا، واستطاعت الشاغرة أن تجعل من سيرتها كتابا في البحث الاجتماعي ، وبدأ صوت أنثوي يتململ من بين السطور ، مطالبا المجتمع بإعطاء المرأة حقها ، وتغيير النسق القديم في معاملة المرأة ؛ فبدت بذلك حاملة لواء المناصرة للمرأة ، وإن لم تكن الرائدة في ذلك ؛ إذ سبقتها بذلك هدى شعراوي من النساء ، والشادياق من الرجال في كتابه " الساق على الساق ؛ حيث دعا إلى ضرورة تعليم المرأة في الشرق ومنحها حقوقها الاجتماعية ، وهو بذلك سابق للشاعرة ، بل وسابق لقاسم آمين أيضا .
كان الشادياق قد عرض لقضية المرأة من خلال زوجته الفارياقية ، أما فدوى فقد عرضت لها من خلال شخصيتها أولا ثم من خلال شخصيات نسوية أخرى بثتها في ثنايا السيرة ، مكن مثل الأم والشيخة وعلياء وست زهوة العمد وغيرهن.
وكانت حرية المرأة هي أول شيء تطالب به ، وإن كانت هذه الحرية قد اتخذت مفهوما تجريديا تحرريا ، فها هي ذي تهلل لسقوط الحجاب عن وجه المرأة الشرقية ، وتعتبر ذلك نصرا حضاريا مميزا على عالم القيم والتقاليد الرجعية:
" كانت أمي أول امرأة من جيلها ترفع الحجاب عن وجهها في نابلس ، ومنذ ذلك الحين ، آخذت تتنفس نسيم الحرية ، وقد طوى الزمن الجيل المتعصب في العائلة ، وكنت اشعر بسعادة وأنا أرى حيويتها تزداد بفعل انطلاقتها من قيود الحصر في السجن الأثري المقيت " .
وإذا كانت الرغبة الجامحة في تحقيق الحرية هي إحدى الدوافع الهامة كتابة هذه الطور عن أم الشاعرة ؛ فان الملاحظ على هذه الرغبة أنها تنحصر في الجوانب المادية وخصوصا الجانب اللاهي فيها ، دون تعمق متطلبات المرأة الأنثى ، وهنا تصبح الحفلات الجماعية وحضور الأفلام السينمائية والرقص المتع الحقيقية التي يلزم من
أجلها الكفاح العنيد ضد الرجعية ، ويصبح تحرير الروح من أيسار الجسد لتبرز الأذرع والصدور والسيقان ، وهو مطلب الآخر من سلاسل الكفاح المستمر .
ولعل الرجوع إلى بعض السطور في السيرة الذاتية سيوضح هذا التصور للحرية فمثلا " كان يلفت نظر الشاعرة أن أمها تصبح بدون ملابس أكثر جمالا وأشد جاذبية ، كانت تبدو لعينها مثل حورية خرافية ، كما كان يلفت نظرها التفاف السيدات حولها ومحبتهن وارتياحهن إلى مبادلتها الحديث "
وبالطريقة نفسها تتحدث عن معلمتها التي أحبت فيها الجمال والوجه والقوام والأناقة والجاذبية .
بل لعل ست زهوة العمد الجميلة الوجه كانت تعكس في نفس الشاعرة بعض أحلامها ، فبكم حلمت فدوى بجسم رشيق وبشرة بيضاء ناعمة ، ولكم جلست عند ركن شجرة النارنج في ساحة الدار المكشوفة ؛ لترفع وجهها إلى السماء ضارعة "أن يجعل لخدها لونا جميلا مشرقا بالحمرة حتى لا تسمى بالصفراء آو الخضراء" .ولا أستبعد أن يكون حب الشاعرة لمعلمتها الأولى قد مازجه شيء من النرجسية ، ولعلها عبرت عن ذلك بصدق وصراحة.
بيد أن هذه النظرة سرعان ما تغيرت بفضل الوعي الثقافي ، لتصبح المرآة لها أسمى من أن تكون مجرد متعة تحركها غريزة مكبوتة.
لكن هذه النظرة الجديدة سرعان ما اتخذت طابعا فكريا مناهضا للأفكار الدينية التي وقفت حيالها موقف الرافض المستنكر ؛ لتلتقي بذلك مع أولئك النسوة في الحركات "التقدمية" ، وخصوصا الاشتراكية منها ، تقول فدوى : " وفي مطلع الخمسينات، عرفت الصديقة –ياسمين زهران- دكتور في التاريخ " فيما بعد" وتوطدت بيننا أواصر صداقة حميمة منذ البداية –كانت ياسمين من أبرز العناصر النسوية المثقفة في البلاد .... كانت من جهة ثانية تتبنى أفكارا تقدمية ن وتميل عاطفيا إلى حزب البعث ... وكانت الصديقات النابلسيات : لبيبة صلاح –دكتور في التربية ، ويسرى صلاح مفتشة اللغة الإنجليزية ، وسبأ عرفات وشقيقتها الفنانة التشكيلية عنان ، هؤلاء وسواهن من جيل ياسمين المتفتح الواعي في رام الله والقدس كن حبات في عقد ملموم يحتضنه بيت ياسمين الجميل" .
هذا هو المجتمع الذي أمنت به الشاعرة ، وهو يمثل واجهة فكرية معينة ، ومن ناحية ثانية يمثل نمطا خاصا يجمع بين الثقافة والتحرر ، وكانت الثقافة من أهم المتطلبات التي تستلطفها في المرأة ، أما المرأة التي لا تقرا فبينها وبين الشاعرة فجوة واسعة:
"واتسعت الفجوة بيني وبين المجتمع النسوي ، فلم يكن بمستطاعه أن يعطيني شيئا ، كان مجتمعا لاذع اللسان يثرثر كثيرا جدا ؛ والثرثرة رمز التخلف في المجتمعات التي لا تقرأ، وكان علي أن أدرك أن الدنيا كانت تدور على عادتها قبل أن اكتشف عالم الكتاب الجميل الخصيب، ولكن لم أدرك ذلك في تلك الأيام ، ولو أدركته لضاقت الفجوة بيني وبين ذلك المجتمع النسائي البائس" .
ومع أن فدوى تميل إلى العزلة وتبغض السياسة ، إلا أنها ترى أن افتقار المجتمع النسوي الفلسطيني إلى الوعي السياسي والاجتماعي آفة لا يحسد عليها.
ومن هنا فقد طالبت فدوى المرأة الفلسطينية بأكثر مما نيط بها في هذا المجال ؛ لذا بقيت المرأة المتعلمة في نظرها المرأة ساذجة لا ترتبط بها الشاعرة ما لم تخرج عن الروتين التقليدي الذي يقذف بها داخل الإطار السياسي الاجتماعي.
أما أنموذج المرأة المربية ، فهو أسوأ النماذج في اعتقادها ؛ فهو خاضع لفعل المؤثرات الاجتماعية القاتمة القائم على الصراع؛ فالخصومة تبدأ بين فدوى وأمها قبل أن تولد الشاعرة ، بل لعل محاولة الإجهاض غير الموفقة التي قامت بها آلام للتخلص من الوليدة الجديدة دليل على نشوء الشاعرة داخل هذا التصور المعقد ، ولعل الأيام التابعة لذلك التاريخ قد كشفت طبيعة تلك الفلسفة التشاؤمية ؛ فمثلا تذكر الشاعرة أن الأم كانت تحرص على أن تقص على كل واحد من أطفالها إلا عن فدوى مما سبب انكماشا في داخلها وإحساسا باللاشيئية .
وهذه الصورة القاتمة للأم قد لا تمثل حقيقة آلام بقدر تمثيلها لطبيعة المجتمع النسوي لذلك البيت الذي عاشت فيه الشاعرة ، وتحاول فدوى أن تنقل بعض الصفات الإيجابية لامها فتقول:
" وإذا كنت قد تحدثت عن أمي بشيء من المرارة فيما يتعلق بصلتي بها أيام الطفولة ؛ فإن من حقها علي أن أشير إلى بعض مزاياها الإيجابية، وأهم تلك المزايا السخاء الذي يتجاوز الحد ، وحنوها الكبير على الفقراء ، كما كانت تمتلك طاقة هائلة من المحبة والتسامح، وكم أبغضت المقت والنكد والقيل والقال ، وكل ما من شأنه إثارة المشاكل ، حتى أصبحت هذه الطبيعة السمحة الخيرة نقطة ضعف في شخصيتها ، أفقدتها القدرة على حمايتها من تسلط عمتي وأفراد أسرة عمي علينا ، وتدخلهم في شؤوننا الخاصة والعامة."
أما الشيخة ، عمة الشاعرة، فقد برزت بروزا واضحا في السيرة ؛ لتصبح من الذين لعبوا دورا هاما في حياة تالشاعرة ثم غابوا...، والشيخة في سيرة الشاعرة رمزا للشر والخديعة والتخلف أحيانا وقلة الحكمة الممثلة للنمط التقليدي القائم على الفكر " الرجعي " .

الغرب في السيرة
جاء تعرف الشاعرة فدوى على شخصية الغربية من خلال إقامتها في لندن منذ أواخر مارس 1962 ، ليستمر مدة سنتين ، وكانت إنجلترا حلما من أحلامها البعيدة التي تراودها باستمرار . وكان التجديد في طبيعة الحياة جزءا من رغباتها ، فهي وان بدت رتيبة في طبائعها ، معزولة في مشاعرها ، إلا أنها تعشق الحرية وتحب الطبيعة ، وحين التقت مع السفر كان هذا أحد الحلول المناسبة للخروج من هذه العزلة .
وقبل أن نبدأ في تشريح هذه الصورة التي رسمتها الشاعرة للغرب خلال سنين الإقامة ، لا بد أن نشير إلى أهمية التوقيت الزمني لتلك الزيارة ، فقد جاءت بعد عدة عقود من انتهاء الاستعمار الإنجليزي لفلسطين ، وحينها التقت بالإنجليزي ببدلته الرسمية ، ولا شك أن هذا الإنجليزي سيختلف عن ذلك الآخر الذي عسكر طويلا في جبال نابلس بالبزة العسكرية .
والتقت فدوى بالإنجليزي المتمدن ، ولم تلتق بالمحتل المتهجم ؛ فجاءت آراؤها عنه شبيهة بآراء الكتاب العرب الذين وفدوا قديما إلى أوروبا في حملات محمد علي وما بعدها ، حيث الإعجاب والانبهار بحضارة الغرب ، وقد ساعد على تجسيد هذه النظرة ما كانت تعانيه فدوى من قهر وحرمان ، فكانت بريطانيا لها كالسجين لحظة خروجه من السجن ، أحست بجمال الحرية ، وبروعة امتلاكها ، ولم تصدق أنها انطلقت من جو العلاقات الكئيبة وأقفالها التي كانت تقبع خلفها أسيرة اليأس الممزق للنفس والروح .
كان أكثر ما أحبته فدوى في إنجلترا ذلك الطابع المتجسد في الصوت الخفيض في أثناء الحديث ، وفي الصمت المخيم في الأماكن العامة ، بالحافلات ، وصفوف الانتظار ، وفي هذه النظرة إعجاب وانبهار بالجانب الشكلي للحياة الأوروبية ، وهي نظرة تشير إلى طبيعة فهم الحرية لدى الشاعرة ، فالحرية الغربية شبه مطلقة ، القبلة سهلة ميسورة بين الجنسين ، بل رخيصة مبتذلة ، وحرية الاعتقاد تمس الأديان والتقاليد والأفكار ، وتصف الشاعرة ذلك بقولها :
" تملك الحرية الصحافة في بريطانيا تراثا ديمقراطيا يتمثل بأروع صورة في الحرية المتاحة هناك للفكر والرأي ، لا ينجو من النقد حتى أفراد حتى العائلة المالكة إذا اقتضى الأمر ذلك ، أكثر من هذا وأبعث على الدهشة هو تلك الحرية في التعبير عن آراء جريئة تمس حتى جوهر الدين ، يحضرني بهذا ذلك الجدل الذي شكل الناس في إنجلترا على نطاق واسع أيام إقامتي هناك ، ذلك الجدل الذي أثاره مقال جريء لأسقف " وولوتيش ديروبنسون " نشر في جريدة ( الأبزيرفر) قال فيه " " إن الله الذي خلق هذا العالم والذي يمده بأسباب الحياة قد أصبح وثنا معرقلا أكثر منه مساعدا "
وحين تودع فدوى هذه البلاد تودع غاليا عزيزا :
" وداعا أيتها البلاد الدائمة الخضرة ، ! ويا صيف إنجلترا ما كان أغنى أماسيك المضيئة بالحب ، أماسيك ذات الأصيل الطويل ، وليلك المتشبث بستارة الغروب فلا يتركها تفلت قبل العاشرة ، سأترك فيك جزءا من حياتي ، سوف يؤلمني الحنين ، ولكني سعدت وأسعدت ، لقد حييت وجودي ولو لفترة محدودة ، وهل حياتنا إلا هذه اللحظات المعاشة بعمق ؟
أما الرجل الغريب الذي بدأت به الشاعرة رحلتها الأصعب ، فلم تحدثنا عنه كثيرا ، وجل ما ذكرته أن لقاء كان من الممكن أن يتم فحالت الحرب دون ذلك ، وقد تناولت الشاعرة قصته في خمس قصائد ، كان من بينها قصيدة بعنوان " إلى الصديق الغريب : وان بينت القصائد أن هناك علاقة قوية جعت بين الطرفين ، ولم تذكر السيرة جنسية هذا الغريب ، مع العلم أنها ذكرت في بعض لقاءاتها أنه أمريكي الجنسية يعمل في السفارة الأمريكية ، وهناك في القدس كانت تلتقي به في فندق الملك داود .

صورة اليهودي في السيرة
لا توجد لليهودي صورة واضحة المعالم في الجزء الأول من سيرة الشاعرة فدوى طوقان ، ولم تستطع الأحداث الجسام التي وقعت للشعب الفلسطيني خلال المرحلة الشعرية الأولى للشاعرة – الممتدة من أواخر الثلاثينات إلى أواسط الستينات ، وهي مرحلة نضج شعري وفكرية – أن تكون صورة واضحة لليهود المحتل في إبداعات الشاعرة ، ذلك أن الجدران الحديدية التي ضربت حولها نطاقا جعلتها حبيسة الذات بعيدة عن الآخر ، وبالذات حين يكون الآخر متعلقا بالحدث السياسي ، فالسياسة تجربة ليس لها فيها ناقة ولا بعير . وهكذا خلت أيام شبابها من أي احتكاكات تذكر مع المحتل اليهودي ، وبقيت تستجمع صورته المتناثرة من بين فتات الأخبار التي كانت تسمعها من المذياع أو من أفواه الجيران أو رجال العائلة ، وما أن انفك الحصار ، وخرجت من القمقم " حتى بدأت تصطدم مع الواقع المر ، وتقف جنبا إلى جنب مع أولئك الذين وقفوا أقلامهم لنصرة هذا الوطن ، وبدأت تتعامل معها الواقع السياسي ، وكانت كلمة الشاعرة هي السلاح البتار الذي ارتضيته لنفسها ، وأخذت تشارك في الآراء ، وأخذت تنطلق من واجهة فكرية معينة تؤمن بالرفض والتحرر والحق العادل الشامل .
لأن هذه التجربة متأخرة ، نسبيا ، في حياة الشاعرة " إذ بدأت تأخذ بعدها الحقيقي بعد حرب 1967 " كان الكتاب الثاني " الرحلة الأصعب " هو الأنسب لتسطير هذه التجربة ، بل لعل هذا الكتاب أعد أصلا لاستيعاب هذه التجربة السياسية
ولو استقرأنا هذه الصورة التي رسمتها الشاعرة لليهودي المحتل ، في الجزء الثاني من سيرتها الذاتية ، لوجدنا أن هذه الصورة تختلف عن تلك الصورة المعروضة في القصائد الشعرية ، فبينما نجد صورة اليهودي في الشعر تتخذ نمطا واحدا ، في أغلب الأحيان ، وهو المحتل الغاشم نجد أن السيرة تفرق بين صورة اليهودي الإنسان واليهودي المحتل . أما اليهودي المحتل فقد انسجمت صورته المعروضة من النظرة السائدة في الوسط العربي تجاه غطرسة المحتل وظلمه ، ففي أحد الأيام تستوقفها شرطة السير الإسرائيلية وبوجوده متجهمة وغطرسة مقيتة " تأمرهم بمغادرة السيارة والوقوف جانبا ، ثم يشرع اثنان من الشرطة بالقيام بتقليب المقاعد وتفتيش الزوايا من كل جانب ، بالنظرات العدوانية نفسها ويأمرهم بالعودة إلى داخل السيارة ليواصلوا الرحلة .
ومن تلك النماذج أيضا ( مردخاي ابي شاؤول) وهو أديب يهودي كبير وشاعر ومترجم بارز ، وقد حظي هذا الأديب كذلك بنعوت لطيفة من مثل قولها : " تسكنني ذكراه دائما خاصة حين تشتعل رغبة المحتلين في قهرنا واضطهادنا . كان إنسان مناقبيا عظيما ، ناضل من أجل حرية الإنسان ومن أجل مستقبل أفضل ، خال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان .
ويدلل هذا التفريق ، في نظرة الشاعرة بين اليهودي المحتل واليهودي الإنسان ، على فلسفة آمن بها نفر من أبناء هذا الشعب ممن دعوا إلى التعايش السلمي ، ظنا منهم أن في ذلك خيرا لهذه الآمة ، وإمكانية في تخليصها من ربقة ذلها . ولعل الاتجاهات اليسارية كانت سباقة إلى مثل تلك الدعوات .

المكان والزمان في السيرة
هل وضعت فدوى عنوان سيرتها الذاتية من قبيل العبث والفذلكة الكلامية ؟ أم أن الروائح المكانية والزمانية المنبثقة من هذا العنوان الرئيس ستنساب عبر السطور والكلمات ، بين للحظات زمانية ومكانية مفعمة بالاحساسات الخاصة ، أو مؤثرة في طبيعة الموقف والأحداث .
ومن تلك البدائع المكانية ما جاء من صور للبيت الذي درجت فيه وعاشت على عتباته العتيقة "البيت اثري وقديم ، من بيوت نابلس الفديمة التي تذكرك بقصور الحريم والحرمان"
والبيت الذي ترسمه الشاعرة هنا –وإن كان بيتا حقيقيا- إلا أننا نشعر أن الشاعرة تحاول بناءه بناءا جديدا يتلاءم مع واقع الأحزان التي كانت تعايشها.
" والتي هندست بحيث يتلاءم وضرورات النظام الإقطاعي ، نري فيه العقود والأقواس والباحات الواسعة والحدائق ونوافير الماء والطوابق العليا والسلالم الملتوية".
وحين نقفز قفزة ارتجاعية مع ذاكرة الشاعرة ، نستطيع أن نلمح درجة الربط بين الشكل البنائي القديم والضغط النفسي المتجذر ، القابع خلف آهات الزمن البعيد ؛ زمن الطفولة ؛ ومن هنا ، ظلت الشاعرة في توق مستمر إلى الانطلاق خارج مناخ الزمان والمكان؛ والزمان هو زمان القهر والاستبداد والكبت والذوبان في اللا شيئية ، والمكان هو سجن الذار .
وسواء أنظرت الشاعرة إلى ذلك المكان القديم على أنه سجن يقبع بين جدرانه قطيع من الجنس الحريمي ، أم على اعتبار أنه بيت يحمل في طياته ذكريات بائسة ؛ فإن هذا المكان سيتحول إلى لبنة من لبنان الجانب التاريخي المشكل للسيرة ، وخصوصا حين يصبح هذا المكان أقل خصوصية لدى الشاعرة من مثل حديثها عن الحمامات العامة ، أو الجامع الحنبلي في السوق القديم وسط البلدة القديمة ، وما يتصل بهذه الأماكن من ذكريات تخص الشاعرة، أو عادات تصور الشريحة الاجتماعية النابلسية في تلك المرحلة بالذات.
من خلال تلك الصور المكانية المعروضة ندلف إلى باب العادات والتقاليد ، وهو باب طريف طرافة تلك الأماكن القديمة ؛ ففي موسم تفجر العيون في شهري شباط وآذار ، كانت نساء البلدة ينطلقن إلى تلك العيون والشلالات .
وفي بعض الأحيان كان الحديث عن العادات والتقاليد يختلط مع الحديث عن الدين .
ويأتي ذكر جبلي عيبال وجرزيم في سياق الحديث عن الذكريات الطفولية " كلما مررت بالشوارع التي ترنو اليوم على جبلي عيبال وجرزيم أو تربض على أكتافهما ،
ارتددت إلى عالمك الطفولة ، عالم الاستكشاف والدهشة ، وعبرت في وجوه الماضي ، وشعرت بالحنين إلى وجه مدينتي القديم ، وإلى لطافة كيانها.
وحين يكون الحديث عن فلسطين ، نشتم رائحة النضال والمقاومة، ونعيش مع السيرة وكأننا أمام كتاب في التاريخ.
" ويجرف تيار الأحداث الملتهبة ، قيادات الأحزاب القومية ، فيكون الإضراب الشامل في فلسطين ، ويبدأ النضال السياسي والمسلح لتشارك في مختلف الجماهير الشعبية الفلسطيني ، فتخط فصلا مكثفا من فصول الكفاح الفلسطيني على شعب الجبال وفي قراها".

_______ وبالتوفيق أختى .....
__________________


  #3  
قديم July 3, 2009, 10:39 PM
 
Smile رد: رحلة جبلية - رحلة صعبة

ها هو الكتاب

من وضع أخونا الغزاوي النبيل بدر حمدان

وله كل الشكر والتقدير

رحلة جبلية صعبة - فدوى طوقان.pdf
 

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رحلة ضوء jojoelamoora كتب الادارة و تطوير الذات 2 June 15, 2011 11:22 PM
رحمة بيجو شعر و نثر 0 February 21, 2009 11:33 AM
رحلة SMRA-ZAKI شعر و نثر 0 July 10, 2008 08:25 PM


الساعة الآن 10:28 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر