فيسبوك تويتر RSS



العودة   مجلة الإبتسامة > الروايات والقصص > روايات و قصص منشورة ومنقولة

روايات و قصص منشورة ومنقولة تحميل روايات و قصص منوعة لمجموعة مميزة من الكتاب و الكاتبات المنشورة إلكترونيا



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم June 10, 2009, 07:43 PM
 
سلسلة القصص الواقعية في تحدي المستحيل ... المغامر المنسي

بسم الله الرحمان الرحيم

بطل القصة أحد أصدقائي الذين أعرفهم معرفة جيدة أو الأصح كنا أصدقاء، فالأيام فرقت بيننا منذ أكثر من عشرين سنة منذ حدوث هذه القصة، و تلك من ضرورات الحياة، بالكاد نلتقي لنفترق من جديد، كل منا أخذ طريقة بخيره وشره، وحاليا لا يعرف عني شيئا وأنا مثله لا أدري في أي عالم هو...
القصة أو أهم ما فيها بدأت عندما قرر هذا الأخ الإرتماء في أتون الجغرافيا التي لا ترحم في رحلة مجنونة في لحظة طائشة من الزمن و كانت رحلة غريبة سارويها لكم، سأحكيها بالشكل الذي بقي في الذاكرة

*************
الفصل الأول

بطل قصتنا هذه يسمى علي ، وهو من مدينة القيروان بوسط تونس وهي مدينة مشهورة تاريخيا بشكل كبير، فهي المدينة التي بناها الفاتح الكبير عقبة بن نافع رحمه الله، ويكفي الإشارة أن القائد عقبة وجد أن بعد كل عملية فتح في شمال إفريقيا تتبعها سلسلة من العصيان المسلح الحاد من البربر خصوصا وتلك خاصية تميزت بها الأوضاع وقتها،فما يكاد المسلمون يستقرون حتى تنفلت الأمور من جديد وتعود الأوضاع الى نقطة الصفر، فكان لا بد من بناء القيروان كمدينة عظيمة تكون خلفية للجيش الإسلامي.
ومن طرائف بداية البناء أن العمال بعد يوم أو يومين من الحفر توقفوا وقدموا للقائد عقبة وأخبروه بعجزهم عن العمل لكثرة العقارب والأفاعي والكثير من الحيوانات والحشرات الخطيرة وأنهم لو واصلوا فسوف يقضى عليهم، فما كان من عقبة وكان مستجاب الدعاء الا التبكير في اليوم الموالي وكبر وصلى وأثنى على الله بما هو أهل له ثم دعى الله كثيرا ليريحهم من هذه الآفات، ثم بعد ذلك وقف في مرتفع يطل على المساحة الشاسعة المعدة للبناء وصاح بأعلى صوته: يا معشر الحيوانات والحشرات لكم اليوم بطوله فغادروا ومن وجدناه بعد هذا اليوم قتلناه .... وكان منظرا لم ينساه المسلمون أبدا، كل الحيوانات بكبيرها وصغيرها تغادر بشكل مسترسل وهادئ، فكانت أفاعي وعقارب بصغارها وحشرات لم يروها من قبل وكلها في رحلة تاريخية للمغادرة وكانت أول وأكبر نزوح حيواني منظم وإجباري وقع في التاريخ.
ولد علي وعاش في مدينة القيروان في ظل أسرة طيبة ولكن لم تتواصل الحياة بهذا الصفاء، فلم تمضي سنوات طفولته الا وانتقلت أمه الى الرفيق الأعلى سبحانه وتعالى وكان الوالد في أوج كهولته فعزم على الزواج ولم تمض بضع شهور الا وكانت زوجة الأب في المنزل، بالطبع أعاد التاريخ نفسه في العلاقات الأسرية المماثلة حيث توجد زوجة الأب، لم تكن زوجة أب طيبة، لم تحسن معاملة علي وإخوته ، ومما زاد الأمر سوءا قدوم إخوة آخرين من الزوجة الجديدة، فانقلبت كل المعطيات، بالطبع هذه المرحلة لم أعرف عنها الكثير من التفاصيل ولكن ما عرفته أن علي لم يقابل حنانا مقبولا من الزوجة ولا من الأب بعد ذلك...
ومرت الأيام والسنوات حتى وصل علي الى ختام الدراسة الثانوية واجتاز الإمتحان النهائي، الباكالوريا أو الثانوية العامة كتسمية أخرى، قضى علي سنتين في الجامعة وكان يدرس الرياضيات كاختصاص وكانت مادة صعبة جدا في الجامعات التونسية، ومع توفر ظرف الحرمان العائلي وقلة ذات اليد رسب علي، رسب وأعاد السنة فرسب أيضا لأنه كان محروما جدا، وكان من الضروري لأي طالب الحصول على مبلغ مالي كاف شهريا لتصريف أموره وكان علي يتمتع بهذا في شكل منحة جامعية، وهذه المنحة تسحب عند الرسوب ، وهذا ما حصل لعلي، أصبح يعاني الأمرين: عجز مالي، علاقات أسرية تعيسة، والتقت كلها لتحطم طموح علي في الدراسة بالجامعة التونسية.
في هذا الوقت التقى بطالب آخر لا يعيش نفس الظروف العائلية ولكن فشل دراسيا، هذا الطالب يدعى بشير وكان ضئيل البنية أحمر الوجه، عندما تراه تظنه فرنسيا و تستغرب عندما تعلم أنه من أقصى الجنوب الشرقي بتونس حيث تصل درجة الحرارة الى مداها الأقصى .
هذه الصفات الجسمية مناقضة تماما لعلي القوي البنية والطويل القامة وملامحه العربية الواضحة، ارتبط علي وبشير بعلاقة أخوية عميقة وأصبحا لا يفترقان، وبعد عديد المناقشات توصل الإثنان الى اتفاق على الهجرة لمواصلة الدراسة، ولكن أين ؟ كانت الوجهة الى ... موريطانيا، نعم موريطانيا، كان البون شاسعا جدا بين الدراسة في تونس والدراسة في موريطانيا، كانت الدولة التونسية تصرف المليارات لتقدم تعليما راقيا يساوي الدول المتقدمة، وأصبحت وجهة الطلاب الأفارقة المتفوقين لإكمال دراستهم، ولكن الدراسة كانت صعبة جدا، و يلزمك تحديا كبيرا لتواصل،أما بموريطانيا فكان الطلبة التونسيين ينجحون بسهولة، حتى الطالب العادي يعود بشهادته من الجامعة الموريطانية بكل يسر، ولهذا قرر الصديقان السفر اليها، كان بشير أو اسرته أساسا ميسورة ماليا على عكس علي، لذلك اتفقا على التعاون واقتسام وجبة الواحد لتكفي اثنين , .
لم يأخذ علي وقتا طويلا لجمع ثمن المواصلات من تونس الى موريطانيا، بتعاون كل من يعرفه، فقد كان الجميع يتعاطف معه لمعرفتهم بظروفه العائلية ، وسافر الصديقان في رحلة سهلة ومبسطة لأبعد الحدود حتى وصلا الى موريطانيا، وكان سفرا هادئا ولكن لم يسجلا اسميهما في طلاب الجامعة
و كان اختيارا حرا منهما، وكان اختيارا مجنونا، مجنونا نظريا ومجنونا جغرافيا ومجنونا على جميع المستويات
وهذا الإختيار فتح لهما تدشين مرحلة لرحلة تحدي المستحيل التي سأرويها لكم

ما هو هذا الإختيار؟ و لماذا هو اختيارا مجنونا ؟

لمعرفة ذلك تابعوني في الجزء الثاني إن شاء الله

التعديل الأخير تم بواسطة aboumanar ; June 11, 2009 الساعة 10:02 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم June 11, 2009, 12:57 AM
 
رد: سلسلة القصص الواقعية في تحدي المستحيل ... المغامر المنسي



الفصل الثاني

وصلنا في قصتنا الى وصول علي و بشير الى موريطانيا حيث كان الهدف الأساسي من الرحلة، مواصلة الدراسة الجامعية، ولكن وبحكم المتعود بشيء ما يصعب عليه كثيرا تقبل الواقع إذا تغير وهذا ما حصل للصديقين، وجدا الحياة صعبة جدا في موريطانيا، البنية الأساسية متدنية جدا، كل الوسائل المتعود عليها في تونس اختفت تماما شكلا ومضمونا، وكانت هنالك اختلافات كثيرة وكبيرة إقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، كل هذا دفع الصديقين لأخذ قرار لا أدري كيف وقع الإختيار عليه، ووفق أي مقياس، ولكن تمر بالإنسان فترات حياتية يقرر فيها أشياء تبدو له غريبة كل الغرابة بعد مضي بعض الوقت وقد يدفع حياته ثمنا لهذا الإختيار الطائش، اتفق الصديقان على تغيير كلي للمسيرة بالدوران ضد عقارب الساعة وبشكل سريع، كان اختيار علي و بشير القيام برحلة للعمل في جزر الموريس،.... نعم جزر الموريس، وقد يكون الكثير منكم لا يعرفها، هذه الجزر تقع في أقصى الجنوب الشرقي للقارة الإفريقية، بالضبط شرق جزيرة مدغشقر، وبمسافة تقدر ب 900 كم، وأول من زار جزر الموريس كان الفينيقيون الآتون من لبنان في سنوات 2000 قبل الميلاد، ووصلها العرب في القرن الخامس ميلادي، وبها رفاهية كبرى في العيش ولها طابع غربي متميز ولهذا توجه اليها بطلا رحلتنا من أجل التنعم سياحيا وماديا...
كان الإتفاق بينهما أن يقوما بالرحلة برا من دولة الى دولة ببساطة كبيرة، نظرا الى خريطة إفريقيا،تصوراها صغيرة ، وآمنا بأن الإرادة من الممكن أن توصلهما الى جزر الموريس، أبعد نقطة في إفريقيا وفي ظل تطور الإتصالات الحديثة والقدرة السريعة في تحويل الأموال وبرمجا على البقاء على خط اتصال دائم بأسرة بشير أوأقاربه بفرنسا للتمويل المالي عند الضرورة، وأقتنعا بما توصلا اليه ، وهذه ميزة تطبع تصرفات الشباب، الإقتناع بالرأي بسرعة دون تحديد كاف للمصاعب والعواقب، وبدات الرحلة وأمتطى الصديقان وسائل النقل البري باتجاه دولة مالي المحاذية لموريطانيا، وتمكنا من عبور كل التراب المالي وبصعوبة كبيرة لأن الدولة كانت فقيرة وكل آليات سهولة العيش منعدمة، وكانت فرصة لعلي وبشير لتدارك صعوبة الرحلة، والمشاق الكبيرة التي اعترضتهما كانت إنذارا لاستحالة المواصلة لشابين معدمين في اتجاه دولة بعيدة جدا، ولكن كان قدر الله هو الغالب وواصل بطلا قصتنا الطريق، وعبرا الحدود الفاصلة بين مالي والنيجر وصولا الى العاصمة نيامي، حيث دخلا مرحلة إستراحة في انتظار تقرير المرحلة القادمة، ووجدا الأحوال في النيجر في أسوأ حال،وتعتبر موريطانيا أو مالي جنة مقارنة بها وتأكد الصديقان من استحالة المواصلة لأن المال لم يعد كافيا لعبور دولة أخرى فما بالك بعشرات الدول، وقررا بعد مدة من التفكير العميق الإستقرار مؤقتا في المكان الذي وصلا اليه و مواصلة الدراسة في جامعة من جامعاتها، وعرفا عن النيجر ما يدمي القلب فمآسي النيجر فاقت التصور، فهي تتعرض دائما لموجات من الجفاف الشديد تاتي على الأخضر واليابس مما جعل الأوضاع هناك ماساوية لدرجة كبيرة وبقيت النيجر تتخبط وحيدة رغم أنها دولة إسلامية، ويكفي أن تعرف أن أكثر من 85 في المائة من سكانها مسلمون وهي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي وأكثر أرضها صحراء، ونسبة الصحراء تفوق الثلاثة أرباع، وتصل الأوضاع أحيانا لتصبح أوراق الأشجار الغذاء الرئيسي للعائلات، وتعمد النسوة الى حفر مساكن النمل لإستخراج الحبوب التي خزنت بها، وعندما تصل الأوضاع المعيشية بالشخص للطمع في نملة فلكم تصور باقي الصورة، إنتشار لكل مساوئ المجتمعات المتخلفة من المخدرات الى الدعارة الى التجارة بأي شيء من أجل ابسط شيء، إتصل علي وصديقة بعديد الجامعات ولكن الأوضاع كانت في القاع، التعليم متردي، الطالب لا يحمل من كلمة طالب سوى الإسم، وجدا الدراسة تمر بحالة ركود غريب، وهو ليس ركودا ولكنه شلل كامل أصابها في العمق، فالدراسة متوقفة لأسباب عديدة ومختلفة، بعضها مفهوم وبعضها غير واضح الملامح إطلاقا، وقد يكون من حظ الصديقين العاثر أن وصلا النيجر في تلك الفترة وقد تكون من أصعب الفترات التي مر بها البلد، كانت الأجساد تتحرك ولكن بلا روح، الناس تتكلم ولكن لمجرد الكلام ليس الا، كان الإسلام هو دين الشعب ولكنه كان مجرد شعار ليس إلا، وكم فوجئا بحالة الإنحلال الأخلاقي المتفشي هناك نتيجة الفقر الرهيب الذي لا يرحم، وكانت الصورة تشبه تماما قطيعا من الأغنام في مكان فسيح وداخل هذا القطيع يمارس كل شيء، وجد علي و صديقة الجامعة اسما ولم يجدا الجامعة منبرا للعلم، كانت العديد من الطالبات بابنائهن المولودين بطرق الله أعلم بها يسكنون الحرم الجامعي، كانت القدور تغلي والخبز يعد في الحرم الجامعي نفسه، الحرم الجامعي بقدره العالي أصبح مأوى للطلبة الفقراء والمشردين من عامة الشعب ممن دفعتهم الحاجة لطريق مغلق لم يجدوا له منفذا، توقف الدراسة أجبر الصديقين على إعادة الحسابات جملة وتفصيلا، إنتظرا شهرا كاملا عسى أن تجد المشاكل حلا ولكن لا حياة لمن تنادي، كانت المشاكل الإقتصادية والإجتماعية أكبر من أن يتقدم فيها حلم الصديقان أنملة واحدة، والمال بدأ ينفذ رويدا رويدا، حتى وصل الى مرحلة لا يكفي للرجوع بواحد فما بالك باثنين , لم يجرؤ علي ولا صاحبه في الإتصال بأي مسؤول عربي، لأنه ببساطة لم و لن يوجد مسؤول عاقل يصدق رواية الدراسة بالنيجر أو السفر الى جزر الموريس، وستفتح أبواب يصعب على أحد غلقها بعد ذلك، كان الصديقان في تلك المدة يقتصدان لدرجة حدود الإقتصاد في النفقة، والنفقة تهم الأكل فقط لأن المبيت موجود في المبيت الجامعي، المهم أن تخفي رأسك في أي ركن فيه والصباح آت لتبدأ الحياة من جديد، كل اتصالات علي وبشير بالأسرة انقطعت لأن الإتصالات كانت بدائية جدا وبالكاد تنطق لينقطع الإتصال، فشلت كل المساعي للرجوع الى أرض الوطن بشكل سليم وآمن، وبقي الصديقان في انتظار الفرج من الله سبحانه وتعالى، وتعود الصديقان على البشرة السمراء حتى اصبح كل منهما يستغرب شكله في المرآة، وتواصلت الحياة صعبة المنال في ظل تلك الأوضاع، حتى فاقت الشهر وهي مدة كافية لتقضي على الموارد المالية البسيطة لعلي وبشير، وفي قمة تردي الحالة وقف الصديقان على حالة متردية أكثر من حالتهما، وكان ذلك عندما كانا يتسكعان او يتنزهان بالمعنى الجميل للمعنى في سوق أسبوعية بالقرب من المبيت الجامعي، صدفة أبصراها، إمرأة جميلة لها ملامح أجنبية، ولأول مرة منذ أكثر من شهر يشاهدان قشرة مخالفة للقشرة السمراء، كانت تلبس اللباس التقليدي الخاص بالنيجر وكحب اطلاع حياها بشير باللغة الفرنسية وحيته كذلك بنبرة حزينة وبلهجة تبتعد كثيرا عن نطق أهالي النيجر، واكتشف الصديقان أنهما أمام حالة غريبة فاقت قصتهما، وكاد يغمى عليهما وهما يعرفان موطنها الأصلي، كانت المرأة تونسية ومن عائلة راقية بالمعنى العصري للكلمة، واكتشفا مصيبتها التي تدمي القلب، مصيبة كل فتاة تغريها المظاهر وتدخل المجهول ضد رغبة الجميع، امرأة تونسية من عائلة غنية مرمية في قلب النيجر و في حالة غريبة وبقصة تبكي العيون، فقررا مساعدتها رغم أنهما أولى بالمساعدة، و تلك ميزة المسلم تجده في قلب المأساة يهرع لمساعدة أخاه المسلم .
ما هي قصة هذه المراة؟ و ماذا تفعل في النيجر؟ و ما دور بطلي قصتنا في تتمة احداثها؟

كل ذلك سأرويه لكم في الجزء القادم إن شاء الله

أترككم في حفظ الله ورعايته


التعديل الأخير تم بواسطة aboumanar ; June 11, 2009 الساعة 10:11 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم June 11, 2009, 10:11 PM
 
رد: سلسلة القصص الواقعية في تحدي المستحيل ... المغامر المنسي

الفصل الثالث

عرفنا في الجزء الماضي كيف أن علي وبشير وصلا الى طريق مسدود في النيجر ولم يستطع أحدهما إجراء أي اتصال بالعائلة في تونس مما جعل الأمر صعبا جدا، وصدفة قابلا المرأة الأجنبية كما ظهر في البداية ليكتشفا أنهما أمام أمرأة من الوطن الأم ولأول مرة منذ الوصول يتكلمان مع شخص ثالث باللغة العربية، وحكت لهما قصتها الغريبة .
إسمها مريم و ولدت وتربت في مدينة بنزرت وهي مدينة ساحلية في أقصى الشمال التونسي، هذه المدينة لمن لا يعرفها من أجمل مدن العالم ناسا وعمرانا، لو وضعوك فيها دون أن تعرف ستقسم أنك في أرقى المدن الأروبية، وفعلا فهي شكلا أروبية وحتى سكانها يشبهون كثيرا الجنس الأروبي، الإحتلال الفرنسي عندما اندحر من تونس خرج من كل شبر منها واحتفظ ببنزرت ، احتفظ بها لآخر لحظة ولم يخرج الا بعد استشهاد أكثر من 12 الفا من الشباب الأعزل الذي دخل مع القوات الفرنسية في حرب طاحنة، كانت غير متوازية القوى، شعب ثائر واعزل ضد قوات محتلة مدججة بكل انواع الأسلحة، ورغم ذلك خرجت القوات الفرنسية، والى الآن تحتفل تونس بذكرى الجلاء، جلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت.
في هذه المدينة ولدت مريم وكبرت، وكانت من أسرة راقية ماليا واجتماعيا، كان والدها محاميا مشهورا وأمها طبيبة قديرة ، لذلك عاشت مريم مدللة، لا ينقصها شيء، حتى ذهابها الى المدرسة كان راقيا، سيارة توصلها وترجعها مع سائق خاص، وكانت ممتازة في الدراسة، الى أن وصلت الى الجامعة، في الجامعة وفي سنتها الأخيرة تعرفت عليه، كان شابا فتيا من النيجر، قوي العضلات تظهر عليه كل علامات الطيبة والطهارة، كان من الأسر الغنية ببلاده ، كان أبوه وزيرا هاما وله طموحات سياسية كبيرة، أرسلته العائلة لمواصلة الدراسة بتونس حتى الحصول على الإجازة في شعبة التجارة الدولية، وبعد ذلك يتم مرحلة الدكتوراه بأمريكا، وكانت تبرز عليه علامات الثراء ، شيئا فشيئا تعلقت به مريم و أحبته رغم صعوبة الأمر فالى حد الآن مازالت هنالك حواجز نفسية كبيرة في ارتباط زوجي بين الأسود والأبيض رغم أن الجميع من دين واحد وأحببنا أم كرهنا مازال الأمر قائما ومازال كموروث عنصري قائم الذات، لم تر فيه مريم عيبا طالما كان مسلما ، وقد كان.
عندما طرحت الموضوع على والديها كانت كمن فجر قنبلة ثقيلة الوزن داخل العائلة الهادئة، الأم كاد يغمى عليها والأب صب عليها جام غضبه حتى كاد يقتلها، ولم تيأس وحاولت وحاولت وزادها تمسكا بالأمر ما أعلمها به الشاب الطيب من أن والده سيرسلهما الى أمريكا والزواج لم ولن يقف أمام طموحها الدراسي وقد يصل والده يوما ويصبح رئيس النيجر، عند ذلك ستفتح أمامها كل أبواب العالم، وقد تكون هذه الرغبة الدنيوية هي الغالبة في التمسك برايها وتخيلت نفسها وحماها رئيس دولة بل زاد طموحها لترى نفسها زوجة رئيس النيجر، فما المانع ليكون زوجها رئيسا طالما كان أبوه رئيسا.
أعلمها أبوها بأن الأمر ليس سهلا كما تراه وتتخيله، وحاول معها بكل الطرق، و دعاها لتترك له بعض الوقت ليتأكد من هذا الزوج القادم من قلب الصحراء، ولكنها لم تقتنع وتشبثت أكثر برايها حتى وصل به الامر ليضعها أمام الإختيار الصعب: إما الشاب النيجري أو عائلتها ، وزين لها الكثيرون الأمر من زاوية تحبها هي، هي لم تخالف الدين في شيء ،الرجل مسلم ومن عائلة محترمة جدا و .... و .... , اقتنعت برايها ومنت نفسها برضا الوالد عنها بعد أن تتغرب عنه، وقلب الأم والأب دائما يرق لفلذه الكبد مهما أخطا.
ولكم تصور حالة هذا الأب عندما أخبرته باختيارها، وكان آخر ما قاله لها: أنت خرجت عن طوعي، ولكن تحملي كل مسؤوليتك، وتذكري دوما أن عائلتك بزواجك هذا قد ماتت عن آخرها، وإياك أن يأتي اليوم الذي أشاهدك فيه أمامي مهما كنت سواء كنت عادية أو زوجة رئيس أو رئيسة النيجر ذاتها، فامضائك على ورقة الزواج هو في نفس الوقت إمضاء على القطيعة النهائية بيننا و بيننك، وكان ما كان، تزوجت بالشاب في أحد النزل في غياب كلي لأسرتها ولم يحضر سوى بعض أصدقاء الدراسة وبانتهاء الدراسة امتطت مريم الطائرة صحبة زوجها في اتجاه الوطن الجديد .
قالت مريم: عندما حطت الطائرة وفي اتجاه مقر الزوج أحسست بشي غريب و كأن روحي تخرج مع كل شبر من الطريق , تماما كمن يوضع في أرض خالية من كل شيء بعد أن كان يجد كل شيء، واكتشفت بعدها أنني كنت أغبى فتاة وجدت على الأرض لأني تسرعت، كان الزوج طيبا وغنيا و صبورا و يتصف بكل الصفات الحميدة ولكن كان تظاهرا فقط، عرفت أن زوجي ليس ابن وزير وليس غنيا، فقد كان يسكن في أسرة عادية جدا وأين؟ في بعض غابات النيجر القريبة من العاصمة، كان من أسرة عادية تمثل جزءا من قبيلة، نعم قبيلة يحكمها شيخ هرم بعادات وطقوس غريبة، ميزة زوجي أنه ممتاز في الدراسة لذلك تبنته شركة محلية لتقوم بتدريسه على أن يعمل لديها عندما يتخرج، هذا كل ما في الأمر، وكل ما حكاه أو تصورته كان مجرد حلم استفاقت منه عندما اصطدمت بالواقع...
الى هنا نزلت دموعها غزيرة أبكت علي لأنه ذاق الظلم مثلها وكان يحس بمدى ماساتها، فتاة تربت تربية مرفهة لم تتعود على الذل، توضع في هذا الموقف دون سند، عرف الصديقان باقي قصتها، فقد واجهت زوجها بحقيقته، فأعلمها أنه من فرط حبه لها كذب عليها، أعلمته أن الكذب من أقبح الكبائر، وأنه أدخلها في قطيعة دائمة مع أهلها،كان الزوج مغلوبا وبلا أدنى شخصية ليعترف بخطئه ويصلحه، بالعكس كان بالكاد يوفر لقمة العيش لهذه الأسرة الصغيرة مع مساعدة أهله في أوقات متعددة أخرى، احتفظت بجواز سفرها ولكن ماذا تفعل به؟ أصبح كورقة عادية لا تصلح لشيء، دون مال، ماذا يمكن لها أن تفعل؟ سكنت مع العائلة الكبرى في الأدغال، وشيئا فشيئا استسلمت لمصيرها وأحست أن الله سبحانه يعاقبها لأنها عصت والدها، ووالدها كان واضحا، عليها تحمل مسؤولية اختيارها،ويجب أن تتحمله، كان من العبث محاولة البحث عن مساعدة والدها،وحتى لو حاولت فكيف؟ وكان الصديقان يعرفان هذا الأمرجيدا...
عاشت مريم 4 سنوات كاملة في عالم آخر، تعيش في بيت من عيدان الأشجار، تعد الطعام بما أمكن، تاتي بالماء من بعيد على حمار، نسيت شيئا إسمه التلفزيون أو الثلاجة أو الجريدة، كان الجميع يعيش كطارزان فتى الغابات وعاشت مريم فعلا كفتاة الغابات ولكنها لم تنس يوما أهلها وبلدها، وأن هذا ابتلاء من الله لها يجب الصبر معه ، ولها مرة في الأسبوع تقوم بزيارة هذا السوق لشراء الضروري من ضرورات الحياة، وفي المساء تقفل راجعة مع العديد من نسوة القبيلة على الأحمرة ، أعلمها على بأنهما سوف يساعدان بما بقي من مال وحتى لو وصل الأمر الى فعل ما لا يمكن فعله لتنقذ نفسها وتهرب من هذا الجحيم، أخبرته مريم باستحالة هذا الأمر حاليا، لأن لها طفلين صغيرين، وأنها لا تستطيع تركهما في هذا الضياع، فتعيد إصلاح الخطأ بخطا أكبر، وعرفت إحساس والدها وأمها بعد إنجاب الطفلين ولكن هذه المعرفة كانت متأخرة جدا جدا..
ولكن مساعدتها تكمن في السكن هنا في العاصمة، فهي بنت مدينة وإذا استقرت هنا فسوف تدبر أمرها بشكل جيد، لأن الأنفاس في القبيلة تحسب عليك ولا تستطيع الحركة قيد أنملة دون علم رئيسها...
وقرر علي مساعدتها بشكل حاسم وعاجل، خصوصا بعد أن علم أن زوجها معها في هذا التسوق، وأنه ذهب لقضاء بعض الشؤون الأخرى، وساعدها فعلا صحبة صديقه بتنفيذ عملية صعبة في بلد غريب ضد شخص غريب عنه وضمن طريقة لم يتعود عليها .

كيف ساعد الصديقان مريم؟ وهل انتهت مأساتها؟ وكيف سيبدأ علي رحلة تحدي المستحيل ؟

كل ذلك سأرويه لكم في الفصل القادم إن شاء الله

التعديل الأخير تم بواسطة aboumanar ; June 12, 2009 الساعة 12:23 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة روايات ادهم صبري ( رجل المستحيل ) حامل الصبر m روايات و قصص منشورة ومنقولة 19 November 13, 2014 07:28 AM
مهمة خلف خطوط العدو احدى القصص الواقعية من حرب اكتوبر 73 hamadamohamed2 الروايات والقصص العربية 85 February 10, 2013 07:58 PM
هذه من أكثر القصص الواقعية غرابه .. إن كانت حقيقة فعلاً هوية غريب روايات و قصص منشورة ومنقولة 21 January 10, 2012 08:39 PM
موسوعة القصص الواقعية... حياة بلا حياة روايات و قصص منشورة ومنقولة 7 November 7, 2008 10:01 AM
أفكارنا وأحلامنا بين الواقعية والتنظير RiiMii علم البرمجة اللغوية والعصبية NLP وإدارة الذات 7 March 21, 2008 07:50 AM


الساعة الآن 08:43 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر