عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم December 26, 2010, 07:02 AM
 
الأدب بين الجودة والشهرة للدكتور وليد قصاب

الأدب بين الجودة والشهرة

د. وليد قصاب



إنَّ ارتباطَ الأدبِ بالسياسة أمرٌ لا نِزاعَ فيه في هذه الأيام؛ فالنُّظم السياسيَّة - ولا سيَّما المستبِدَّة منها - إذ تتسلَّط على كلِّ شيءٍ في الحياة، ما كان لها أنْ تَدَعَ الأدبَ يفلتُ من قبضتها، أو يسلكُ طريقَه بعيدًا عن سلطانها ورِقَابتها، وإنَّ السياسة اليومَ كما تفرض نُظُمَها وقوانينها على الناس، تفرضُ عليهم كذلك لونًا من الأدب يسايرها، ويمشي في رِكابها.

دعا لينين سنة (1905) كلَّ أصحاب الأقْلام أنْ تعتنقَ المبادئ الحزبيَّة، وأنْ تُخْضِعَ جميعَ إمكانياتها لنُصْرةِ الطبقة البروليتاريَّة، وتحقيق الاشتراكيَّة [1]، ومَضَى أصحابُ الفِكْر الماركسي بعد ذلك يحاربون كلَّ لونٍ آخرَ من ألوان الآداب، كما يحاربون خصومَهم السياسيين تمامًا، مُلْصِقين به كلَّ مَثْلَبة "فليس أدبًا ما لم يتركَّز في أناشيد العَرَقِ والكَدْحِ، وفي تمجيد الجماهير الكادحة، أو التبشير بأمجادها وجهادها ومستقبلها، وفي الدعوة لقضاء حاجاتها الماديَّة، وهم يتَّهمون كلَّ أدبٍ وفنٍّ وفِكْرٍ لا يُخَصَّصُ لهذه الموضوعات بأنَّه أدبٌ برجوازي، وفنٌّ برجوازي، وفِكْرٌ برجوازي[2].

وهكَذا ارتبطَ الأدبُ بالسلطة، وصارَ مُسَخَّرًا لخِدْمة المذاهبِ السياسيَّة المختلفة، وتدخَّلتْ عند ذاك الدعاية للترويج لأدبٍ دون أدبٍ، وأديبٍ دون آخرَ، وصارَ من الظواهر المأْلُوفة أنَّه على قَدْرِ نفوذ المذهب السياسي الذي يعتَنِقه هذا الأديب أو ذاك، يكون حظُّه من الشهرة والذيوع والانتِشار؛ لأنَّ السلطان يمتلكُ ناصية الدعاية، وبيده وسائل الإعلام المختلفة التي تمكِّنه من نشْرِ أدبِه، وإذاعته بين الناس.

وقد لاحَظَ أحدُ الدارسين لمؤتمرات الأدباء العرب التي تُعقَد كلَّ مدَّة في إحدى الدول العربيَّة: أنَّها مؤتمرات سياسيَّة، "وأنَّ الوفودَ المشاركة تأتي إلى المؤتمرات لا لتمثِّل رجال الأدبِ والفِكْر في أقطارها؛ بل جاءت لتمثِّل السلطة الحاكمة ببلادها، ولهذا فكلُّ أديبٍ غَيْر منسجم في بَوْتَقة السياسة المحليَّة يُحْرَمُ من المشاركة، هذا إنْ لم يكن مُغَيَّبًا في أحدِ السجون يقضي ما بَقِيَ له من عقوبة لجرأة لسانِه وتطاوله..." [3].

وضرَب الباحثُ أمثلةً بيَّنَ فيها أنَّ كثيرًا من الوفود قدْ اشتركَ فيها أعضاء لا يمتُّون إلى الأدب ولا النقدِ، بينما تعجُّ بلادُهم بعشرات الأدباء البارعين، والنُّقَّاد الممتازين.

وهكذا طغتِ الدعاية على النزاهة؛ فلم تَعُدْ شهرة هذا الأديبِ أو ذاك، أو مدى انتشار كتبه، أو مِقْدار ما حصلَ عليه من جوائز الدولة التشجيعيَّة أو التقديريَّة - دَليلاً على التفوق والنبوغ، كما لم يَعُدْ انْحسارُ الشهرة، وضَعف الذيوع دليلاً على عدم التفوقِ أو فقْدان الجودةِ؛ لأنَّنا في زمنٍ انعدمتْ فيه المقاييس الموضوعيَّة، والأحكام النزيهة، وصارتِ الأمورُ بيدِ الأقوى، والقوي يملِكُ الدعاية التي ترفعُ ذِكْرَ مَن تشاء، وتخمل ذِكْرَ مَن تشاء، وتطبِّل لِمَن تهوَى، وتحجبُ طبْلَها عمَّن تهوَى.

ومن الجليِّ إذًا أنَّ كلَّ أدبٍ - مَهْمَا علا وسما وجاد - محتاجٌ إلى السلطان - مُتَمثِّلاً في أجهزة الإعلام والدعاية - كي تُذيعَه بين الناس، وتنشره بين الجماهير، وإلا فهو محكومٌ عليه بالموت، وبأنْ يقضي نحبَه على مكتب صاحبه؛ لأنَّه لن يستطيعَ أن يرى نورَ الشمسِ.

وعلى ضوءِ ذلك كلِّه؛ لا يغترّ الناس في هذه الأيام بما تقولُه الدعاية عن عملاق الفِكْر الفلاني، وعن الشاعر الكبير العلاّني، وعن زيد رائد القصة، وعبيد أبي الرواية، وحمَّاد جهبذ نقَّاد العصر؛ فلقد فقدتِ الكلمات مدلولَها؛ لأنها فقدت مكانتها وشرفَها.

وما أشدَّ حاجةَ الأدب الإسلامي إلى الدعاية؛ كي ينالَ منزلته، ويتبوَّأ المكانة التي تليق به بعد أنْ زحزحتْه عنها الآداب الأخرى بما تملِكُ من سلطان وقوَّة، وإذا كان هذا الأدبُ يفتقدُ أجهزة الدعاية القويَّة التي تذيعه بين الناس، على نحو ما تطبِّلُ تلك الأجهزة وتزمِّر للآداب الأخرى التي أفرزها الفِكْرُ الاستشراقي الدخيل، والصليبيَّة العالميَّة الحاقدة؛ لأنَّه في مواطن الغُرْبة والتشرُّد والنفي، فلا أقلّ - والحال هذه - من أن يَنْهضَ المسلمون أنفسُهم بهذا العبءِ، ويحملوا هذه المهمة الخطيرة على عاتقهم - على ضَعف حيلتِهم، وقِلَّة وسيلتِهم - فلا يضنُّوا على أدبِهم بالنُّصرة والمؤازرة، ونصرتُه تكون بإذاعته ما استطاعوا، والترويج له بكلِّ الطُّرق التي يملكونها، حتى يكفلوا له ضربًا من ضروب الذيوع، مَهْمَا يقل فيه، فإنه خيرٌ من الموت في المنفَى وأقْبِيَة النسيان، وهذا واجبُ نُقَّاد المسلمين الملتزمين وأُدَبائهم وصحفيِّيهم ومُفَكِّريهم وأساتذتهم وإعلامييهم، وكلِّ مَن يملك قَدْرًا من سلطان أو نفوذ ينفعُ بهما في هذا الميْدان.

وعلى هؤلاء جميعًا أن يتظاهروا للدعاية لأدباء المسلمين المخلِصين الشُّرَفاء؛ بالكتابة عنهم، والتعريف بهم وبمؤلَّفاتهم، ومساعدتهم على نشْرِ إنتاجهم، وتمكين هذا الأديب من أن يصلَ إلى أكبر عددٍ من الناس، وأبعد مساحة من الأرض.

إنَّ الكلمة الطيبة محارَبةٌ اليوم حرْبًا لا هَوَادة فيها، وهي محاصرةٌ بقوَّة حتى لا تنطلق، مضروبٌ دونها ودون الوصول إلى الجماهير العريضة سورٌ من الإهمال والتناسي والاحْتقار، موصوفة بالرجعيَّة والتأخُّر والنشاز.


يقول أحدُهم: "لا أعتدُّ أنَّ هنالك مجتمعًا يخلو من نغمات نشاز؛ فللرجعيَّة من سياسيَّة واجتماعيَّة وفِكْريَّة أبواقٌ قد يخفتُ صوتُها تارَةً، ويعلو تارةً أخرى، وهذه الرجعيَّة يجبُ أنْ يقفَ أدباؤنا لها بالمرصاد؛ حتى يستطيعوا أنْ يُخْرِسوا كلَّ نَبْأَةٍ تصَّاعد من أنفاسها بين الحِين والحين..." [4] .

وإنَّ هؤلاء ليفعلون ذلك حقًّا، وهم بالمرصاد للكلمة الطيبة، وما أكثرَ الصُّحفَ والمجلاَّت التي تقفُ في وجه الأقلام النزيهة تحجبها عن الناس، وتمنع أدبها من رؤية النورِ، وتأبَى إلا نشْرَ الكلمة المهجّنة الخبيثة، التي تروِّج لها بكلِّ ما تملِكُ من ألوانِ الترويج والتهريج، والتذويق والنّعوت!

وإذا كانَ لا مندوحة عن مَثَلٍ نقدِّمه بين يدي الحديث عن الصلة بين الأدب والدعاية في هذه الأيَّام؛ فإنَّ الشاهد الذي لا يَخْفَى على أحدٍ بين الأدبِ والدعاية في هذه الأيام يتمثَّل فيما يسمُّونه بالشعر الحُرِّ.

لقد أقامَ أصحابُ هذه الدعوة الأدبيَّة الدنيا وأقعدوها في الدعاية لهذا الشعر الذي أفرزَ غُثَاءً لا حصرَ له، وجرَّأ الصغير قبل الكبير على كتابة الشعرِ، ولكنَّ هذا الشعرَ الذي لم يستطعْ أن يقدِّمَ إلا نماذجَ قليلة جيِّدة تحوَّل - بقوة الدعاية، وسلطان الإعلام - إلى فتْحٍ عظيمٍ وإنْتاج عبقري عجزتْ عنه الأوائل، وصار تراثُ الأمة كلُّه أمامَ هذا الشعرِ هَذْرًا لا خيْرَ فيه، وسخفًا لا طائلَ تحتَه، وصارتِ القصيدة العربيَّة الأصيلة قميئة إذا قِيستْ بقصيدة الشعر الحرِّ.

ولقد فرضَ هذا الشعرُ نفسَه على الناس بقوة السلطان، فخدعَ الناسَ، وضَحَك عليهم بالتطبيل والتزمير، وسدَّ الطريق أمام أي لونٍ آخرَ من ألوان الشعر الأصيل، وقد اعترفَ أحدُ المنتصرينَ لهذا الشعرِ بهذه الحقيقة قائلاً: "بتأييد السلطة استطاعَ الشعرُ الحديث أن يوطِّد مواقعَه، ويجدَ المجال أمامَه واسعًا، ويُنْهي سلطة الاتِّباعيَّة القديمة إلى غير رجعة، مؤكِّدًا قُدْرته على مجاراة الأحداث بفارق كبير جدًّا على الشعر السلفي..." [5] .

فالدعاية إذًا هي التي مكَّنت للشعر الحرِّ من الانتشار والذيوع، وليستْ جودة هذا الشعرِ أو تفرُّده أو تميُّزه، "أو قُدرته على مجاراة الأحداث" كما يدَّعي المطبِّلون له.

والأسماء الشعريَّة التي ملأتْ أعمدةَ الصُّحف والمجلات، وشغلتْ أجْهزة الإعلام المختلفة، وأصبَحتْ كالقَدَر المحتوم لا يواجه القارئ غيرها - لم تتبوَّأ هذه المنزلة عن جدارة نَبَعتْ من أدبٍ رفيع أو إبداع حقيقي، يَشهَدُ بذلك كثرةُ الغُثاءِ والإسفاف اللَّذَيْنِ نجدُهما في أغلب أشعارهم، ولكن الدعايةَ القويَّة هي التي نَفَختهم، فجعلتْ منهم أساطينَ الأدب والفِكْر، ورُوَّاد الثورة والتحرُّر والتقدُّم، وراحتْ تُطْلِقُ عليهم من الألقاب والمسمَّيات ما يعمي بصيرة مَن لا يعرف بواطنَ الأمور، ولم يسبرْ خفاياها.

إنَّ الشعر الحديث - كما يعترفُ أصحابُه - قد "انطلقَ أوَّل ما انطلقَ من المفاهيم الماركسيَّة؛ فالسَّيَّاب والبياتي، وعبدالصبور والفيتوري والشرقاوي كانوا ينتَظِمون أو يلتزمون بالماركسية..." [6] .

وعندما أصبحتْ هذه المفاهيم في موقع السلطة، مكَّنته وملَّكته أجهزة الدعاية المختلفة ليتحكَّم من خلالها بأذواق الناس كما يَشاء، ثم ليُحَاسب كلَّ ذوقٍ حسابًا عسيرًا، ويُحْكَم عليه بأنه رجعي متخلِّفٌ إذا لم يقرَّ بعَمْلَقَة هذا الشعرِ وعظمتِه؛ سواء فهمه أم لم يفهمْه، تأثَّرَ به أم لم يتأثَّر.

وهكذا تبدو العبارة المثاليَّة التي تقول: "إنَّ الأدبَ الجيدَ يفرضُ سلطانَه" غير كافية في التعبير عن حقائق الأمورِ في هذه الأيَّام التي غابتْ فيها الأحكام العادلة، وصارَ إعلانُ الكلمة وحجبُها بأيدي الأقوياء وحدَهم، فكم من أديبٍ مجيد، ومُفَكِّر أَلْمَعِي لا يَكاد يسمعُ به أحدٌ، ولم يعرفْ أدبُه الطريقَ إلى دنيا الناس ولن يعرفَه! وكم من (متشاعرين) هم اليوم حديثُ الغادي والرائح، وهم أغثُّ القومِ قولاً، وأسفُّهم كلمة!

إنَّ الأدبَ الإسلامي محتاجٌ إلى الدعاية بكلِّ الوسائل التي يملكُها المسلمون، أو يستَطِيعون أن يملكوها، بنشْرِ البحوث عنه، وإعدادِ الدارسات الجامعيَّة عن أعلامِه، ومحاولة تدريسه في المدارس والجامعات، وأن يُعرِّفَ الأستاذُ تلاميذَه بتلك الأقلامِ الشريفة التي حجبَتْها الدعايةُ، وأن يختارَ نماذجَ جيدة يعرضُها عليهم في دروسه ومحاضراته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Raymond William. Marxism and literature, p.153

[2] لويس عوض ، الاشتراكية والأدب : 167

[3] شيخة جمعة ، مقال " مؤتمرات أدباء العرب " ضمن كتاب " قضايا الأدب العربي" ص167 " نش الجامعة التونسية

[4] محمود الحوت ، مقال " الثورة والأدب "في كتاب " دور الأدب في معركة التحرير والبناء " ص165 "بغداد :1965

[5] حنا عبود " واقعية ما بعد الحرب " ص117 " منشورات : اتحاد الكتاب العرب - دمشق "

[6] السابق.

رد مع اقتباس