فيسبوك تويتر RSS


  #1  
قديم July 23, 2016, 04:19 AM
 
Smile قصص هدى يونس.. كتابة الذات في «سرمدية ضوء» بقلم طلعت رضوان

قصص هدى يونس.. كتابة الذات في «سرمدية ضوء»





طلعت رضوان

الأديبة هدى يونس حجبتْ نفسها عن الأضواء، فلم يعرفها أغلب النقاد والأدباء، وعندما قرأتُ مجموعتها القصصية (محاولة لاستعادة بناء الجسد) الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة – عام 2013، أيقنتُ أننى أمام موهبة تمتلك مفاتيح فن القصة القصيرة، خاصة أنها تعتمد على الإيحاء أكثر من الافصاح، وتترك للقارئ استنتاج ما توحى به القصة، والعلاقة الجدلية بين «نوع الحدث» و«التركيب العقلى والنفسى للشخصية» ومن خلال تلك العلاقة يمكن التعرف على (فلسفة الشخصية) عن الحياة والموت والحب. وقد تأكــّـد ذلك فى مجموعتها الأخيرة (سرمدية ضوء) عن هيئة الكتاب المصرية – عام 2015.
أعتقد أنّ بطلات القصص كلهنّ هدى يونس، ويعنى ذلك أنها تكتب عن الواقع الذى عركته وعركها، وأنها (تكتب نفسها) تكتب رؤاها الخاصة عن الحياة والموت والحب (حب الناس والوطن) بينما يكون النقيض – غالبـًـا – الطرف الثانى فى القصة. وكما أنّ بطلات القصص لديهنّ (إيمان) بقيم الاخلاص والوفاء، فإنّ الكاتبة كانت (تكتب نفسها) حيث جاء فى الصفحة الأولى تحت عنوان (تنويه) ((الرسوم المُـرافقة للنصوص للفنان محمود بقشيش.. حرصتُ على أنْ أرفقها لنصوص كتاباتى.. تأكيدًا على تواصلنا.. وتحقيق ما حـدّثنى عنه كلــّـما تقابلنا قبل زواجنا من رغبته فى عمل سيناريو مشترك معى)) وبلغة شجية ومُـكثــّـفة أضافتْ ((بعد تحررالوقت من الزمن وأنا أبحث وسط ضجيج الأصوات المُـتداخلة والغامضة فى موجات تقلباتها، أراها أفكارًا تومض كالبرق فى توهج واختفاء، مما يجعلنى أنصت إلى ما لا يـَـسمع))
تنقسم قصة (يوم فى حياة مواطنة) إلى ثلاثة مقاطع الأول بعنوان (صباحـًـا) الراوية تود الكلام ولا تستطيع، تشعر بالخوف من مجهول، ينقبض قلبها، فتتذكر الأشخاص الذين لم ترهم منذ سنوات.. تغوص فى حالة من الشجن. حاولتْ التخلص من وحدتها فخرجتْ وهى تقول ((أعيش فى عالم خاص لا أستطيع تفسيره)) تركب الأتوبيس إلى الفيوم.. ترى رجلا على جسر الترعة. انتقل إليها شعور بأنّ الجزء العلوى من جسده العارى فيه جسارة.. تحرّكتْ السيارة، قال الركاب كلامًـا يـُـناقض كلامًـا.. ولكنهم أجمعوا على أنّ الرجل قد فارق الحياة، فنزلتْ الراوية من العربة وهى ((غير واثقة من كل ما حدث)) المقطع الثانى بعنوان (فى الظهيرة) ترى الراوية ثورًا ((متمردًا على القيد والشمس)) قطع الحبل وانطلق يجرى، رأته حكيمًـا رغم تهوره. رقص ولم يهتم بخراطيم المياه فى محطة بنزين لطرده. تمكــّـن أصحابه من لف الحبل حول عنقه من جديد.. تركتْ الراوية المكان وهى تحلم بسرعة العودة إلى بيتها. والمقطع الثالث بعنوان (جاء المساء) تذكــّـرتْ الرجل النائم على جسر الترعة.. هل هونائم أم مات غريقا كم قال البعض؟ عاتبته (رغم أنها لم تره ولاتعرفه) على نومته على جسر الترعة. ثم حـدّثته عن الثورالمُـتمرد فقال لها ((روحى كانت تمر على الميدان لحظة سقوط الثور. إنّ العالم ملىء بالقسوة.. وانسحابى كان لابد منه)) اختفى الرجل من خيالها وحلّ محله مجموعة من البشر بملامح غريبة وقد ((حاولوا أنْ يسكنوا جسدها)) وظلوا يطاردونها، فتمنــّـتْ ((ظهورالثور بحركته الرشيقة الباطشة)) ألهمتها حركاته فتقمصتها للهرب. ارتفعتْ فى الفضاء وضربتْ زعيم الذين يُـطاردونها. ثم انتبهتْ إلى سقوطها على أرضية الغرفة. وهكذا التحم الواقع بالخيال، لكشف العلاقة بين الرغبة فى التمرد على الواقع، ووهم مقاومته مع استمرار السقوط.
فى قصة (التماسك بما تبقى) الراوية تشعر بالخوف حتى من رنين التليفون أو جرس الباب. يسكنها ولع الفرارمن مجهول. يُـهيمن على روحها ((سراديب متاهة الغياب والتداخل)) تــُـخاطب شخصًـا مُــتخيلا ((لقد غبتُ بك عن نفسى حتى ظننتُ أننى أنتَ)) تنتقل المشاهد من الخيال إلى الواقع، فيدور حوار بين الراوية وصديقها الذى سألها ((ما رأيك فى صورى الأخيرة؟)) فلم ترد بينما داخلها يقول ((يتساوى ضياع الملامح)) ألحّ فى سؤاله، فرأته لا يستحق النصيحة. كانت تأمل أنْ يُـماثلها فى الصدق والوضوح والبُـعد عن النفاق والمراوغة. فقرّرتْ الخروج من فلكه، بعد أنْ تأكــّـدتْ من غروره وأنه يسعى لسلبها قدرتها على التمرد. ورغم ذلك تشعر بصراع داخلى بين الرغبة فى التواصل، والاعتزاز بذاتها فناجتْ نفسها قائلة ((أخاف من تلك المقبرة التى تــُـسمى قلبى))
فى قصة (وميض) فإنّ الراوية ترى أنّ صديقها هوالرفيق فى حالة اغترابها. يحلمان بتحقق حلم حياتهما. فى الطريق فإنّ ظلام الشارع يـُـنيره وهج الداخل، فيطير جسداهما فى الفضاء. قال لها: سأجهـّـز مكانا صحراويًـا يجمعنا. وفجأة حـدّثها – بغرور – عن أشعاره، فلما قالت له ((أنت مشروع لم يتم)) تسمّـر فى وقفته ولم ينطق. وفجأة يتغيـّـر موقفه فتتساءل ((كيف لم أدرك امتلاكه تلك القسوة تجاهى؟!)) وهكذا تبدو بداية القصة مُـفارقة – بل – نقيضة لنهايتها، خاصة وقد أضافتْ فى السطر الأخير ((وتأكدتُ أنّ فى الموت تسكن كل معانى الحياة))
فى قصة (ذوى الأغطية) تجسيد للقهر الذى يُـمارسه الآخرون على الذات، من خلال فرض رؤاهم، وحتى تحديد نوع الكتب التى (يجوز) قراءتها والملابس التى نلبسها، وكيف انكسر أبوها أمام طغيان الآخرين، ولم يدافع عن آرائه الخاصة. فكان الأب مثل الطلسم. وحاولتْ الابنة فك طلاسم الأب، خاصة الذعر من بطش القوة. البطش المُـدعـّـم بالدين وعذاب القبر. وذعر الحساب والثواب. وضمان الجنة.. وكل ذلك وضعنا فى متاهة نحلم بتفسير أبعادها.. وكيف يكون الخروج من ظلال المتاهة المعتمة.
وفى قصة (كيف تــُـصبحين كبشـًـا) معالجة فنية للشخص الذى تحوّل إلى شبيه بالإنسان الآلى المُـبرمج. وبينما (الراوية) تحلم بمقاومة جماعية للزيف الكائن على أطراف الألسنة والأوجه، فإنّ (من كانت تعتقد) أنه صديقها يقول لها مازجـًـا الجد بالهزل ((تعالى أعلمك كيف تــُـصبحين كبشـًـا)) فكان لابد – كما فى معظم قصص المجموعة أنّ تتركه إلى الأبد. وفى قصة (محاكمة) تنويعة أخرى من خلال معالجة موضوع تفضيل الولد على البنت، وفق منظومة الثقافة السائدة التى توارثتها مصر منذ أربعة عشر قرنـًـا. ومع ذلك فإنّ البنت فى هذه القصة أكثر إنسانية من الولد، وبالتالى فإنّ عزلتها لم تكن قهرًا فقط، وإنما انسحابـًـا وغربة.
وفى القصة التى حملت عنوان المجموعة (سرمدية ضوء) يتقابل الضوء مع العتمة. وتتساوى الرغبة فى النوم مع الرغبة فى الصحو. وفى الحالتيْن فإنّ الراوية تــٌـقاوم رغبة النوم وتــُـقاوم رغبة الصحو. ولا يحلو لها الجلوس إلاّ على كرسى زوجها الراحل. وتتأمل لوحته المُعلقة أمامها بلونها الليلى وبيتها الغامض. ورغم أنه مات منذ سنوات، فهى تراه قادمًـا نحوها والضوء يلازمه. وتخاطبه – أوتــُـخاطب طيفه – ((أراك واضحًـا مغلفــًـا بالنور)) وتسند رأسها على ذلك الطيف الذى تخيلته وتــُـغمض عينيها وتــُـحلــّـق فى سماوات ماضيهما عبر سنوات حياتهما المُـشتركة. وإنْ كان هو قد رحل بجسده إلى الأبد، فإنّ روحه ما زالت تــُـرفرف حولها. وفجأة يتبعثر الضوء، فتناديه ليـُـسرع الخطى كى تــُـلامس يده يدها. ولكنها لا تستطيع الحركة وتقول ((فأنا مُـقيـّـدة بكرسيك فى انتظار قدومك)) فماذا تفعل؟ تتقدم نحو لوحته الأثيرة لديها.. تتفحـّـصها وتلمس موضع الضوء فيها. فتطمئن إلى وجوده معها. وتختتم القصة بقولها ((الآن ضوء سرمدى تسلــّـل إلى روحى)) وتتساءل ((من أين جاء؟ عجبـًـا لهذا الذى يسكننى)) وأعتقد أنها من القصص النادرة – فى تاريخ كتابة القصة بشكل عام – عن وفاء زوجة لزوجها، والقصة تكشف حقيقة العلاقة الوجدانية بين الكاتبة وزوجها الراحل الفنان محمود بقشيش.
وفى قصة أخرى (لا علاقة لها بحياة الكاتبة مع زوجها الراحل) تقول ((وأنا وسط اللامكان مددتُ يدى فأقبل عليها. ومن شرفة الأحلام شاهدتُ القادم نحوى بلون السحر)) فردّ عليها العشيق: لن تكونى وحيدة. سأعتنى بك. فأنتِ داخل روح متصوف امتلأ بعشق الخلود. وأعتقد أنّ أهم ما فى المجموعة هو الغموض الفنى الجميل، لأنه كان يحمل مفاتيح حل شفراته.
__________________
الحمد لله في السراء والضراء .. الحمد لله في المنع والعطاء .. الحمد لله في اليسر والبلاء


Save
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
سرمدية ضوء, هدى يونس, طلعت رضوان, قصص, كتابة الذات

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرات الرحالة يونس بحري - يونس بحري Hypatia كتب السيرة الذاتية والرحلات 1 February 9, 2013 12:36 AM
كيف تنجح في حياتك ؟ بقلم المدون يونس أعريكة عادل المغربي علم البرمجة اللغوية والعصبية NLP وإدارة الذات 3 January 22, 2013 10:53 AM
لماذا ننتظر الحب من الاَخرين ؟ بقلم الكاتب الإلكتروني يونس أعريكا عادل المغربي علم البرمجة اللغوية والعصبية NLP وإدارة الذات 4 August 9, 2011 04:21 PM
محامي هشام طلعت ينصب نفسه قاضيا يحاكم القاضي بقلم : د. اسامة الكرم اسامة الاسد قناة الاخبار اليومية 0 May 27, 2009 01:11 PM


الساعة الآن 02:58 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في مجلة الإبتسامة لاتُعبر بالضرورة عن رأي إدارة المجلة ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير , حقوق النسخ مسموحة لـ محبي نشر العلم و المعرفة - بشرط ذكر المصدر